كل الأقسام
هل ترى إعلانًا سيئًا؟
انقر هنا لمعرفة السبب

حكم الاحتفال بعاشوراء أو إقامة المآتم فيه.

الإسلام سؤال وجواب

QR Code

عدد الزيارات: 29,804
9 2
السؤال: ما حكم ما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء والمصافحة، وطبخ الحبوب وإظهار السرور، وغير ذلك ... هل ورد في ذلك عن النبي[  ]  صلى الله عليه وسلم حديث صحيح ؟ أم لا ؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا ؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المآتم والحزن والعطش ، وغير ذلك من الندب والنياحة، وشق الجيوب ، هل لذلك أصل ؟ أم لا ؟
الإجابة: الحمد لله
سئل شيخ الإسلام هذا السؤال فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين . لم يرد في شيءٍ من ذلك حديث صحيح عن النبي[  ]  صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه , ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة , ولا غيرهم . ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا , لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة[  ]  , ولا التابعين , لا صحيحًا ولا ضعيفًا , لا في كتب الصحيح , ولا في السنن , ولا المسانيد , ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة . ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام , ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام , وأمثال ذلك . ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء , ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم , واستواء السفينة على الجودي , ورد يوسف على يعقوب , وإنجاء إبراهيم من النار[  ]  , وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك . ورووا في حديثٍ موضوعٍ مكذوبٍ على النبي صلى الله عليه وسلم : "أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة" .

( .. ثم تحدث شيخ الإسلام رحمه الله عن طائفتين ضالتين كانتا في الكوفة بأرض العراق تتخذان من عاشوراء عيدا لبدعتيهما ) . طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت , وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة , وإما جهال , وأصحاب هوًى . وطائفة ناصبة تبغض عليا , وأصحابه , لما جرى من القتال في الفتنة[  ]  ما جرى . وقد ثبت في صحيح مسلم[  ] ٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سيكون في ثقيفٍ كذاب ومبير". فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيدٍ الثقفي , وكان يظهر موالاة أهل البيت , والانتصار لهم , وقتل عبيد الله بن زيادٍ أمير العراق الذي جهز السرية التي قتلت الحسين بن علي رضي الله عنهما ثم إنه أظهر الكذب[  ]  , وادعى النبوة , وأن جبريل عليه السلام ينزل عليه , حتى قالوا لابن عمر وابن عباسٍ . قالوا لأحدهما : إن المختار بن أبي عبيدٍ يزعم أنه ينزل عليه , فقال صدق , قال الله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاكٍ أثيمٍ}. وقالوا للآخر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم}. وأما المبير فهو الحجاج[  ]  بن يوسف الثقفي , وكان : منحرفًا عن علي وأصحابه , فكان هذا من النواصب , والأول من الروافض , وهذا الرافضي كان : أعظم كذبًا وافتراءً , وإلحادًا في الدين , فإنه ادعى النبوة .. وكان في الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتن وقتال فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظالمة الباغية , وأكرم الله الحسين بالشهادة , كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته . أكرم بها حمزة وجعفر , وأباه عليا , وغيرهم , وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته , وأعلى درجته , فإنه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة[  ]  , والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "لما سئل : أي الناس أشد بلاءً فقال : الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه , فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه , ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة". رواه الترمذي وغيره . فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق , من المنزلة العالية , ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب , فإنهما ولدا في عز الإسلام , وتربيا في عز وكرامةٍ , والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما , ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستكملا من التمييز , فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يلحقهما بأهل بيتهما , كما ابتلي من كان أفضل منهما , فإن علي بن أبي طالبٍ أفضل منهما , وقد قتل شهيدًا وكان مقتل الحسين[  ]  مما ثارت به الفتن[  ]  بين الناس . كما كان مقتل عثمان رضي الله عنه من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس , وبسببه تفرقت الأمة إلي اليوم . ولهذا جاء في الحديث "ثلاث من نجا منهن فقد نجا : موتي , وقتل خليفةٍ مصطبرٍ والدجال ..."

ثم ذكر شيخ الإسلام رحمه الله طائفة من سيرة الحسن وعدله إلى أن قال: ثم إنه مات وصار إلى كرامة الله ورضوانه , وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر , ولم يكونوا من أهل ذلك , بل لما أرسل إليهم ابن عمه أخلفوا وعده , ونقضوا عهده , وأعانوا عليه من وعدوه أن يدفعوه عنه , ويقاتلوه معه . وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباسٍ وابن عمر وغيرهما أشاروا عليه بأن لا يذهب إليهم , ولا يقبل منهم , ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحةٍ , ولا يترتب عليه ما يسر , وكان الأمر كما قالوا , وكان أمر الله قدرًا مقدورًا . فلما خرج الحسين - رضي الله عنه - ورأى أن الأمور قد تغيرت , طلب منهم أن يدعوه يرجع , أو يلحق ببعض الثغور , أو يلحق بابن عمه يزيد , فمنعوه هذا وهذا . حتى يستأسر , وقاتلوه فقاتلهم فقتلوه . وطائفة ممن معه , مظلومًا شهيدًا شهادةً أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين . وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه , وأوجب ذلك شرا بين الناس . فصارت طائفة جاهلة ظالمة : إما ملحدة منافقة , وإما ضالة غاوية , تظهر موالاته , وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتمٍ وحزنٍ ونياحةٍ , وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود , وشق الجيوب , والتعزي بعزاء الجاهلية . والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة - إذا كانت جديدةً - إنما هو الصبر[  ]  والاحتساب والاسترجاع . كما قال تعالى: {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس منا من لطم الخدود , وشق الجيوب , ودعا بدعوى الجاهلية" . وقال: "أنا بريء من الصالقة , والحالقة , والشاقة". وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة[  ]  وعليها سربال من قطرانٍ ودرع من جربٍ". وفي المسند عن فاطمة بنت الحسين, عن أبيها الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من رجلٍ يصاب بمصيبةٍ , فيذكر مصيبته وإن قدمت , فيحدث لها استرجاعًا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها" . وهذا من كرامة الله للمؤمنين , فإن مصيبة الحسين وغيره إذا ذكرت بعد طول العهد , فينبغي للمؤمن أن يسترجع فيها كما أمر الله ورسوله ليعطى من الأجر مثل أجر المصاب يوم أصيب بها . وإذا كان الله تعالى قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد بالمصيبة , فكيف مع طول الزمان , فكان ما زينه الشيطان[  ]  لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا , وما يصنعون فيه من الندب والنياحة , وإنشاد قصائد[  ]  الحزن , ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن , والتعصب , وإثارة الشحناء والحرب , وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام , والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين , وكثرة الكذب والفتن في الدنيا[  ]  ولم يعرف طوائف الإسلام أكثر كذبًا وفتنًا ومعاونةً للكفار على أهل الإسلام , من هذه الطائفة الضالة الغاوية , فإنهم شر من الخوارج[  ]  المارقين . وأولئك قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "يقتلون أهل الإسلام , ويدعون أهل الأوثان". وهؤلاء يعاونون اليهود[  ]  والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من الترك والتتار على ما فعلوه ببغداد , وغيرها , بأهل بيت النبوة , ومعدن الرسالة ولد العباس , وغيرهم من أهل البيت والمؤمنين , من القتل والسبي وخراب الديار . وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام , لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام . فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته , وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد , والكذب بالكذب , والشر بالشر , والبدعة بالبدعة , فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب , وتوسيع النفقات على العيال , وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة , ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم , فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح . وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة , وإن كان أولئك ( أي الرافضة ) أسوأ قصدًا وأعظم جهلا , وأظهر ظلمًا , لكن الله أمر بالعدل والإحسان .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا , فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي , تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ , وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعةٍ ضلالة". ولم يسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئًا من هذه الأمور , لا شعائر الحزن والترح , ولا شعائر السرور والفرح , { ولكنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء , فقال : ما هذا ؟ فقالوا , هذا يوم نجى الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه , فقال : نحن أحق بموسى منكم . فصامه وأمر بصيامه } وكانت قريش أيضًا تعظمه في الجاهلية . واليوم الذي أمر الناس بصيامه كان يومًا واحدًا , فإنه قدم المدينة في شهر ربيعٍ الأول , فلما كان في العام القابل صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه ثم فرض شهر رمضان[  ]  ذلك العام , فنسخ صوم عاشوراء . وقد تنازع العلماء[  ]  : هل كان صوم ذلك اليوم واجبًا ؟ أو مستحبا ؟ على قولين مشهورين أصحهما أنه كان واجبًا , ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحبابًا , ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم العامة بصيامه , بل كان يقول: " هذا يوم عاشوراء , وأنا صائم فيه فمن شاء صام". وقال : "صوم عاشوراء يكفر سنةً , وصوم يوم عرفة يكفر سنتين" . "ولما كان آخر عمره صلى الله عليه وسلم وبلغه أن اليهود يتخذونه عيدًا , قال : لئن عشت إلى قابلٍ لأصومن التاسع". ليخالف اليهود , ولا يشابههم في اتخاذه عيدًا , وكان من الصحابة والعلماء من لا يصومه , ولا يستحب صومه , بل يكره إفراده بالصوم , كما نقل ذلك عن طائفةٍ من الكوفيين , ومن العلماء من يستحب صومه . والصحيح أنه يستحب لمن صامه أن يصوم معه التاسع ; لأن هذا آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "لئن عشت إلى قابلٍ , لأصومن التاسع مع العاشر" كما جاء ذلك مفسرًا في بعض طرق الحديث , فهذا الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما سائر الأمور : مثل اتخاذ طعامٍ خارجٍ عن العادة , إما حبوب وإما غير حبوبٍ , أو تجديد لباسٍ وتوسيع نفقةٍ , أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم , أو فعل عبادةٍ مختصةٍ . كصلاةٍ مختصةٍ به , أو قصد الذبح , أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب , أو الاكتحال والاختضاب , أو الاغتسال أو التصافح , أو التزاور أو زيارة المساجد والمشاهد , ونحو ذلك , فهذا من البدع[  ]  المنكرة , التي لم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه الراشدون , ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا الثوري , ولا الليث بن سعدٍ , ولا أبو حنيفة , ولا الأوزاعي , ولا الشافعي[  ]  , ولا أحمد بن حنبلٍ , ولا إسحاق بن راهويه , ولا أمثال هؤلاء من أئمة المسلمين , وعلماء المسلمين .. ودين الإسلام مبني على أصلين , على أن لا نعبد إلا الله , وأن نعبده بما شرع , لا نعبده بالبدع . قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا}. فالعمل الصالح ما أحبه الله ورسوله , وهو المشروع المسنون , ولهذا كان عمر بن الخطاب[  ]  - رضي الله عنه - يقول في دعائه , اللهم اجعل عملي كله صالحًا واجعله لوجهك خالصًا , ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا .

انتهى ملخصا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية[  ]  رحمه الله : الفتاوى[  ]  الكبرى ج :5 ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
هل ترى إعلانًا سيئًا؟ انقر هنا لمعرفة السبب