افتراءاتُ أدعياء تحرير المرأة على الإسلام

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: قضايا المرأة المسلمة -
السؤال:

ما قولكم فيما نشره أحدُ القانونيين على عددٍ من المواقع الإلكترونية حول تحرر المرأة في فلسطين؟

الإجابة:

قرأت المقالة المذكورة ووجدتها حافلةً بالمغالطات في فهم النصوص والأحكام الشرعية، ولبيان ذلك أقول باختصار:

أولاً: إن الإسلام قد أكرم المرأة أيما إكرام، وأعطاها كلَّ حقوقها، بخلاف ما عليه الشرائع الأخرى والأنظمة الوضعية، وقضيةُ تكريم الإسلام للمرأة قضيةٌ واضحةٌ جليةٌ من خلال نصوص الكتاب والسنة. ولا يشك منصفٌ أن الإسلام قد أنزل المرأةَ موضعها اللائق بها وكرَّمها وأنصفها بوصفها إنساناً وأنثى وبنتاً وزوجة وأماً وأختاً. ونقرأ مظاهر هذا التكريم والإنصاف للمرأة في الإسلام، من خلال النصوص الآتية من القرآن الكريم ومن السنة النبوية: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات الآية 13]. وقال الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [سورة البقرة الآية 228]. وقال الله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْن} [سورة النساء الآية 32]. وقال الله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} [سورة النساء الآية 37].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه العلامة الألباني).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً» (رواه البخاري ومسلم). وغير ذلك من النصوص.
ومع وضوح دلالة هذه النصوص على إنصاف المرأة في دين الإسلام وتكريمها، فإن كثيراً ممن أعمى الله بصائرهم وأبصارهم لا يرونها، وينطبق عليهم قول الشاعر:

قد تنكرُ العينُ ضوء الشمسِ من رمدٍ *** ويُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماء منْ سَقَم

ولاشك أن الله جل جلاله قد خلق الذكر والأنثى وبينهما تفاوتٌ في مجالاتٍ عدة، ومنها تفاوتٌ وعدم تساوٍ في بعض الأحكام الشرعية كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [سورة آل عمران الآية 36]، فليست الأنثى كالذكر في كل الأمور، فهنالك فوارقُ واضحةٌ في الخِلقة الطبيعية، وكذلك في الأحكام الشرعية بين الذكر والأنثى، فالمرأةُ تختلف عن الرجل في أحكامٍ تتعلق بالصلاة والصيام والحج والنفقات والديات وولاية الحكم وغيرها، والتفريقُ بين الذكر والأنثى مقررٌ في شريعتنا وفي الشرائع السابقة، وحتى في الأنظمة الوضعية، فالدعوة إلى مساواة الرجل بالمرأة في كل شيءٍ، كذبٌ وافتراءٌ على دين الإسلام، قال الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة القلم الآية 14].
إن الدعوة إلى مساواة المرأة مع الرجل باسم التقدم والحضارة والإنعتاق من التفسيرات الدينية المتشددة البالية التي تحط من شأن المرأة، ونحو ذلك من الشعارات الخدَّاعة. ما هي إلى أكذوبة كبرى يسوقها أدعياء تحرير المرأة.

ثانياً: زعم الكاتب [أنه عندما تتحرر المرأة، تتحرر فلسطين خلال دقائق] وهذا حلٌ سحريٌ تافهٌ يقدمه لنا أدعياء تحرير المرأة. إن الطريق إلى تحرير فلسطين معلومٌ لكل ذي لب!

ثالثاً: قدَّم الكاتب تفسيراتٍ عجيبة لبعض الأحكام الشرعية تدل على جهلٍ فاضحٍ بشرع رب العالمين، فزعم والزعم مطية الكذب، أنه ليس واضحاً لديه أن للمرأة حقاً أقل من الرجل في الميراث.
وأن ما فرضه القرآن هو الحد الأدنى. ولا مانع من الزيادة عن الحد الأدنى بقرارٍ من الدولة، أي من خلال القانون، إذا كان الحد الأدنى لا يحقق العدل! فالعدل فوق النص!
وزعم الكاتب أنه لا يوجد مسَلَّماتٌ في القرآن تتعلق بالميراث.
وزعم أيضاً أن القرآن لم يحدد ضبطاً دقيقاً للميراث للرجل والمرأة. وادَّعى أن هذا خطأٌ شائعٌ فرضه المتزمتون؟!وأقول هذا طعنٌ خطيرٌ بعدل رب العالمين. وتعدٍ كبيرٍ على شرع أحكم الحاكيمن، وجهلٌ فاضحٌ بفهم نصوص القرآن الكريم.

رابعاً: يدعو الكاتب لتساوي المرأة مع الرجل في الطلاق، وهذه نفس مطالب الجمعيات النسوية المدعومة غربياً لنشر الفساد والإفساد وللتعدي على أحكام الشرع،
إن من المتفق عليه بين علماء الإسلام أن الطلاق حقٌ للرجل إلا في حالات خاصة، وقد أضيف الطلاق للرجل في نصوص الكتاب والسنة، قال تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [سورة البقرة الآية 230]، وقال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} [سورة البقرة الآية 232]، وقال تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [سورة البقرة الآية 236]، وقال تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [سورة البقرة الآية 237]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [سورة الأحزاب الآية 49]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [سورة الطلاق الآية1]، وغير ذلك من الآيات.
وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» أي الرجل، (رواه ابن ماجة والطبراني وحسنه العلامة الألباني).
فهذا هو شرع الله تعالى المنزل من لدن حكيمٍ خبيرٍ، فهو أكملُ شرعٍ وأعدلُه وأصدقُه، قال الله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنعام الآية115].
وجعلَ الشرعُ الطلاقَ بيد الزوج لحكمٍ كثيرة، منها أن الزوج أضبط لتصرفاته من الزوجة، فيغلب أن يتروى قبل أن يقدم على الطلاق، لأن ضرر الطلاق يقع عليه في الغالب، لأنه هو الذي دفع تكاليف الزواج من مهرٍ وغيره، فربما احتاج إلى مثله إذا أراد الزواج من أخرى، ونحو هذا من تكاليف تقع على عاتقه ولا تتحمل المرأة منها شيئاً] عن الشبكة الإسلامية.

خامساً: زعم الكاتب أن لديه فهماً لم يسبقه إليه الأوائل ولا الأواخر لقاعدة “لا اجتهاد في موضع النص” وأنه يوجد خطاٌ شائعٌ في فهمها،
ويريد الكاتبُ الفهيم أن يصححه فيقول: ”لا اجتهاد إلا مع النص”وأن النص يجب أن يؤول ويفسر أو أن يُلغى إذا قيده!!
وهذه دعوى العلمانيين ومن لفَّ لفَّهم، الذين يريدون أن ينفوا القداسة عن نصوص الكتاب والسنة القطعية، فإن من قواعد الإسلام المقررة أنه ”لا اجتهاد في مورد النص”. 
والمراد من النص هنا، هو النص الصحيح الصريح في معناه الذي لا يشوبه احتمال في دلالته على معنى آخر، كقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن} [سورة النساء الآية11]، وكقوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة النساء الآية176]، وغير ذلك من آيات المورايث،
فهذه نصوصٌ قطعيةُ الدلالة قطعيةُ الثبوت لا تقبل اجتهاداً من أي أحدٍ كان، وإذا ورد الأثر بطل النظر،
ورد في مجلة الأحكام العدلية مادة (14): (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص) وقال شارح المجلة: [كل مسألةٍ ورد فيها نصٌ من الشارع لا يجوز للمجتهدين أن يجتهدوا فيها؛لأن جواز الاجتهاد أو القياس في الفروع من الأحكام مشروطٌ بعدم وجود نصٍ من الشارع] درر الحكام 1/33.
وإنما يكون الاجتهاد في فهم النص ودلالته، هل هو عامٌ أم خاصٌ أو مطلقٌ أو مقيدٌ. . إلخ.
فهذا هو الفهم الصحيح لقاعدة “لا اجتهاد في مورد النص”الذي اتفق عليه العلماء قديماً وحديثاً،
وإزاء ذلك لا نملك إلا أن نقرأ قول الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة النور الآية51]، ونقرأ قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} [سورة الأحزاب الآية36].

سادساً: دعا الكاتب إلى تبني وتطبيق (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة) التي تُعرف اختصاراً باتفاقية سيداو CEDAW،
وهذه الاتفاقية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1979م، تنضح بالأفكار الغربية التغريبية وهي ترتكز على مبدأ المساواة المطلقة والتماثل التام بين المرأة والرجل في التشريع وفي المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي التعليم والعمل والحقوق القانونية، وكافة الأنشطة.
وهذه الاتفاقية تهدفُ إلى هدم وطمس وإلغاء الأحكام الشرعية المتعلقة بالأسرة، وتفرض على الأسرة المسلمة نمط الحياة الغربي المتحرر من القيم والمبادئ الأخلاقية،
وتدعو إلى المساواة المطلقة بين الرجال والنساء. وتهدف إلى إشاعة الفاحشة والمنكر، وإلى نشر الثقافة الجنسية لمسخ البقية الباقية من قيمنا الأخلاقية. واتفاقية سيداو فيها مخالفاتٌ صريحةٌ لنصوص الكتاب والسنة، ومخالفةٌ لما قرره علماء الأمة على مدى القرون الماضية.
وخلاصة الأمر أن الإسلام قد أكرم المرأة أيما إكرام، وأعطاها كلَّ حقوقها، وقضية تكريم الإسلام للمرأة قضيةٌ واضحةٌ جليةٌ من خلال نصوص الكتاب والسنة.
وأن زعم الكاتب[أنه عندما تتحرر المرأة، تتحرر فلسطين خلال دقائق] وهذا التحرير السحري الخيالي غاب عن الشعب الفلسطيني لأكثر من ستين عاماً، فتفطن لمه أدعياء تحرير المرأة!؟ وأن الزعم بأن ما فرضه القرآن في ميراث المرأة هو الحد الأدنى. ولا مانع من الزيادة عليه بقرارٍ من الدولة، كلامٌ ظاهرُ البطلان.
وأن دعوة الكاتب لتساوي المرأة مع الرجل في الطلاق، أبطل من سابقه، وإن من المتفق عليه بين علماء الإسلام أن الطلاق حقٌ للرجل إلا في حالات خاصة،
والزعم بأنه يوجد خطاٌ شائعٌ في فهم قاعدة”لا اجتهاد في موضع النص”وتصحيحها” لا اجتهاد إلا مع النص” وأن النص يجب أن يؤول ويفسر أو أن يُلغى!
فهذه دعوى العلمانيين ومن لفَّ لفَّهم، الذين يريدون أن ينفوا القداسة عن نصوص الكتاب والسنة القطعية، والمراد من النص في القاعدة السابقة، هو النص الصحيح الصريح في معناه الذي لا يشوبه احتمال في دلالته على معنى آخر،
وأن (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة-سيداو CEDAW) تهدفُ إلى هدم وطمس وإلغاء الأحكام الشرعية المتعلقة بالأسرة، وتفرض على الأسرة المسلمة نمط الحياة الغربي المتحرر من القيم والمبادئ الأخلاقية، وتدعو إلى المساواة المطلقة بين الرجال والنساء. وتهدف إلى إشاعة الفاحشة والمنكر، وإلى نشر الثقافة الجنسية لمسخ البقية الباقية من قيمنا الأخلاقية.
وفيها مخالفاتٌ صريحةٌ لنصوص الكتاب والسنة، ومخالفةٌ لما قرره علماء الأمة على مدى القرون الماضية.
وختاماً فإن الواجب على علماء الأمة والدعاة وخطباء المساجد أن يتصدوا لهذه الأفكار المشبوهة وأمثالها، وأن يقوموا بدورهم المنشود في توعية الناس، وخاصةً النساء المسلمات، بخطورة هذه الأفكار الخبيثة وبأضرارها المدمرة التي تعود بالخراب والفساد على المجتمع المسلم، وأن يسهموا في كشف عُوارها وأن يبينوا للأمة أن هذه الأفكار فيها مخالفةٌ صريحةٌ لشريعة الله تبارك وتعالى.

والله الهادي إلى سواء السبيل.