جرب نسخة موقع طريق الإسلام الجديدة
بحث
كل الأقسام
هل ترى إعلانًا سيئًا؟
انقر هنا لمعرفة السبب

هل أتعلم عزف الموسيقا؟

QR Code

عدد الزيارات: 1,861
2 0
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد أن أستشيركم في أمرٍ، وكلي ثقة أنكم ستساعدونني.

أنا فتاةٌ حساسةٌ جدًّا، أعاني من فراغٍ عاطفي، ولا أحبُّ ولستُ متعلقةً بشاب، أو بمعنى أصح: لم أجد الشخص الذي يخطف قلبي وعقلي، ويجعلني أفكِّر فيه باستمرار، لكني أتمنى أن أعيش تلك اللحظات مع زوجي في المستقبل.

سؤالي الذي أود استشارتكم فيه هو: أُحِبُّ موسيقا البيانو، وعندما أسمعها أشعر أنها تفرغ كل الطاقة المكبوتة بداخلي، وقد بدأتُ أشعر أن تلك من هواياتي، وأنني سوف أُبدع بالعزف على البيانو.

أعلم أن الآلات الموسيقية محرمةٌ، وأنا - ولله الحمد - أصلي، وأقوم بواجباتي الدينية، وأنا على ثقةٍ بأن الله معي دائمًا وأبدًا، ولكن إذا كنت أريد أن أعزف لوحدي وفي غُرفتي، ولا أحد يستمع إليَّ سِواي، وبدون غناء، فهل في ذلك خطأٌ؟

أنا أستخدم تلك الطريقة لتفريغ مشاعري، ولا أعلم كيف؟ وأشعر بلحظة السلام الروحي.

أعلم أن هناك من حرّمها، لكن هناك من قال بأن ذلك حسب البيئة والشخص وحالة الإنسان.

فأخبروني هل هذه الوسيلة صحيحة لتفريغ عواطفي؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فمما لا شك فيه - أيتها الابنة الكريمة - أنَّ كل الخلق يطلبون السعادة جهدهم في هذه الحياة؛ سواءٌ الصغير والكبير، المسلمون وغيرهم، الكلُّ يتمنى العيش الرغيد.

والحقيقة الثابتة في هذا الكون - أيتها الابنة الكريمة - أن للسعادة وللحياة الطيبة طريقًا واحدًا فقط؛ إذا دَخَلَهُ الإنسان سيصل للعيش الهنيء السعيد، ويحقِّق كل ما يتمنَّاه في الدنيا والآخرة، وهذه الطريق هي معرفة الله، وحبه، والرغبة إليه، والرهبة منه، وما يقتضي ذلك طاعة أوامره، واجتناب نواهيه، واتباع شرعه، ودينه الحنيف، فمَن وُفِّق لتلك المعرفة وعمل بها فسيعيش سعيدًا، ويموت حميدًا؛ قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، وقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].

فالحياةُ الطيبة حقًّا والهانئة السعيدة إنما تكون للمؤمن الذي يعمل الصالحات، حتى لو قُرِض في الدنيا بالمقاريض، ونُشر بالمناشير، أما طلَب السعادة في غير هذا الطريق فمهما سعى الإنسان وبذَل وُسعه وجهده، فلن يصل إلى سعادةٍ حقيقيةٍ، والله - عز وجل - قد وعَد بهذا في كتابه الكريم؛ فقال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124].

فهذه أولُ الحقائق - أيتها الابنة العزيزة - نتمنى أن تكونَ نصب عينيك على الدوام، وهي أن السعادة لن تجديها أبدًا إلا في رضا الله، فإذا رضي الله - عز وجل - عنك وفَّقك وأسعدك، ثم إذا خرجتِ من هذه الدنيا، خرجتِ أيضًا إلى رضوان الله، وإلى جنته، وهذه هي السعادةُ الحقيقية الكبرى، أما بغير هذا فإنك لا ينبغي أبدًا أن تنخدعي ببعض المظاهر التي ترينها في بعض الناس، وتظنين أنهم سعداء، والحقيقةُ أنهم لبُعدهم عن الله ولمعصيتهم لربهم يعيشون أنواعًا من الضيق والضنك والحسرة، ولكنها لا تبدو لجميع الناس.

الأمر الثاني - أيتها العزيزة -: هو أن تعلمي جيدًا أن الله - عز وجل - أنزل الشريعة الكاملة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأَمَرَنا باتباع هذه الشريعة لتحقيق مصالحنا؛ لنسعد بها في دنيانا، ونسعد بعد ذلك بجزاء أعمالنا في آخرتنا، والخير كل الخير في اتباع هذا النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - والعمل بشريعته، وما عدا ذلك سَعْيٌ في العناء، وتسببٌ للوصول إلى العذاب، فكوني فَطِنةً حاذقةً عالمةً بطرق السعادة على وجهها الحقيقي.

هذه الشريعة - أيتها العزيزة - فيها حلالٌ وفيها حرامٌ؛ شرعهما الله - عز وجل - لتحقيق مصالح الناس، ومما حرَّمه الله - عز وجل - العزْفُ بآلات الموسيقا المختلفة، فإن الله - عز وجل - حرَّم ذلك؛ كما جاء في الحديث الصحيح عند البخاري وغيره؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليكونن مِن أمتي أقوامٌ، يستحلون الحِر، والحرير، والخمر، والمعازف»؛ فالمعازف حرامٌ، وسيأتي أناسٌ يصيرونها حلالًا، وهم بذلك آثمون مُعتدون.

فالقولُ بإباحتها قولٌ ضعيفٌ جدًّا، أو قولٌ شاذٌّ لا يُلتفت إليه، وحسبُك أن أئمةً مثل: القرطبي، وابن الصلاح، وابن رجب، وغيرهم، حكوا الإجماع على تحريم سَماع المعازف.

فقد ثبت تحريم آلات المعازِف بالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.

أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6]؛ روى شيخُ المفسِّرين الإمام الطبري عن عبدالله بن مسعود وهو يُسأل عن هذه الآية، فقال: "الغناء، والذي لا إله إلا هو"، يُردِّدها ثلاث مرات، وروي عن ابن عباس: "الغناء وأشباهه"، وعن جابر بن عبد الله قال: "هو الغناءُ والاستماع له"، ورُوِيَ عن مجاهدٍ قال: "هو الغناء أو الغناء منه، أو الاستماع له"، وعن عكرمة قال: "{ لَهْوَ الْحَدِيثِ}: الغناء".

أما السنة: فمنها ما رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزْم، عن أبي مالكٍ الأشعري رضي الله عنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «ليكونن من أمتي أقوامٌ، يستحلون الحِر والحرير، والخمر والمعازف»؛ فهذا الحديثُ مِن أعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم - حيث تضمن الإخبار عن مغيبٍ وقع، وتضمن أيضًا أن المعازف (آلات اللهو والموسيقا) حرامٌ؛ لدلالة كلمة يَسْتَحِلُّون، وهي لا تكون إلا للمُحَرَّم.

ومنها: ما رواه ابن ماجه وابن حبان عن أبي مالكٍ الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيشربن ناسٌ من أمتي الخمر، يُسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير»؛ والحديث صححه الألباني في "غاية المرام" وغيره.

ومنها ما رواه البَزَّار في مسنده، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة، عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صوتان مَلْعونان في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نعمةٍ، ورنةٌ عند مصيبةٍ»؛ قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواته ثقات، وصححه الألباني.

ومنها ما رواه الحاكم والبيهقي والترمذي مختصرًا، وحسَّنه، عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لم أنه عن البكاء، ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين؛ صوتٍ عند نغمة لهوٍ ولعبٍ، ومزامير الشيطان، وصوتٍ عند مصيبةٍ؛ لطْم وُجوهٍ، وشق جيوبٍ، ورنة شيطان»؛ والحديث حسنه الألباني رحمه الله.

ومنها ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله حرَّم عليَّ - أو حرَّم - الخمر، والميسر، والكُوبة»، قال: «وكل مسكرٍ حرامٌ»، قال سفيان: فسألت علي بن بذيمة عن الكوبة؟ قال: "الطبل"؛ والحديث صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، والألباني في السلسلة الصحيحة، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند.

أما الإجماع: فقد انعقد إجماع العلماء قديمًا على تحريم استعمال آلات اللهو والمعازف إلا الدُّف، وممن حكى الإجماع الإمام القرطبي، وأبو الطيب الطبري، وابن الصلاح، وابن القيم، وابن رجبٍ الحنبلي، وابن حجرٍ الهيتمي.

قال القرطبي رحمه الله: "أما المزامير والأوتار والكوبة، فلا يختلف في تحريم استماعها، ولم أسمع عن أحدٍ ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق، ومهيّج الشهوات، والفساد، والمجون؟ وما كان كذلك لم يشك في تحريمه، ولا تفسيق فاعله، وتأثيمه"؛ انتهى نقلًا عن (الزواجر عن اقتراف الكبائر) لابن حجر الهيتمي، وقال: "الكبيرة السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والأربعون والخمسون والحادية والخمسون بعد الأربعمائة ضرب وترٍ واستماعه، وزمرٌ بمزمارٍ واستماعه، وضربٌ بكوبةٍ واستماعه".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "منهاج السنة" - ردًّا على ابن مطهر الرافضي في نسبته إلى أهل السنة إباحة الملاهي-: "هذا من الكذب على الأئمة الأربعة، فإنهم متَّفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو كالعُود ونحوه، ولو أتلفها متلفٌ عندهم لم يضمن صورة التالف، بل يحرم عندهم اتخاذها". اهـ.

وقال ابن الصلاح في الفتاوى: "وأما إباحة هذا السماع وتحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعتْ، فاستماع ذلك حرامٌ عند أئمة المذاهب، وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبتْ عن أحدٍ ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع...، إلى أن قال: فإذًا هذا السماع غير مباحٍ بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين". اهـ.

وللعلماء في هذا المسألة مصنفاتٌ مشهورةٌ منها: "كف الرِّعاع عن مُحرمات اللهو والسماع" لابن حجرٍ الهيتمي، ومنها: "إغاثة اللهفان" لابن القيِّم، وله رسالةٌ مستقلةٌ في حكم الغناء، ولابن رجبٍ رسالةٌ في ذلك.

ومن أراد الوقوف على الأحاديث القاضية بتحريم المعازف وتخريجها، وتفصيل الكلام عليها، فلْينظر كتاب: "تحريم آلات الطرَب" للشيخ الألباني رحمه الله.

رزقك الله وجميع المسلمين السعادة والهناء في الدنيا والآخرة.

هل ترى إعلانًا سيئًا؟ انقر هنا لمعرفة السبب