هل القرآن العظيم يشفي من كل شيء

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

هل المقصود بالشفاء الوارد في القرآن هو شفاء من كل شيء بمعنى أنه يشفي شخص عنده التواء في عظمه كأن يكون العامود الفقري مائل عنده أو عنده رِجل أقصر من الأخرى فهل القرآن لوحده يشفي مثل هذه الأشياء حتى وإن عجز عنها الطب أو أن الشخص لم يستطيع إجراء العملية لسبب ما أم أن هذه الأمور مبالغ فيها أرجو التوضيح بدقة وإذا كان يشفي مثل هذه الأمور ما حكم من لا يستطيع تصديق هذا هل يكون كافر فأنا لا أستطيع تصور مثل هذه الأمور و أشعر بالخوف لأنني أشعر أنني غير مصدق وبالتالي اكون كفرت لكم جزيل الشكر

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن كتابه العظيم أنه بيان وهدى وشفاء، وإن ضل به من ضل من جهة تفريطه؛ قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظةٌ مِن ربكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فى الصُّدُورِ} [يونس: 57]، قال الله تعالى: { {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44]، فالقرآن العظيم متضمن لأدوية القلب، وعلاجه من جميع أمراضه، فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن العظيم؛ وقال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138]، فهو في نفسه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة، وشفاء تام لما في الصدور، فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه.

قال الإمام ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" (1/ 44):

"جماع أمراض القلب هي: أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين؛ ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة= مثل القرآن؛ فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانً، فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه، فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانًا بقلبه، كما يرى الليل والنهار.

إلى أن قال:(1/ 45-46):

"أما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرغب عما يضره، فيصير القلب محبًا للرشد، مبغضًا للغي، فالقرآن مزيل للأمراض الموجهة للإرادات الفاسدة، فيصلح القلب، فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية، كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي، فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق.

فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه، ويؤيده ويفرحه، ويسره وينشطه، ويثبت ملكه، كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه". اهـ.

وقال في "الطب النبوي"(ص: 266):

"فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدًا.

وكيف تقاوم كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال، لصدعها، أو على الأرض، لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهما في كتابه، وقد تقدم في أول الكلام على الطب بيان إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه التي هي حفظ الصحة والحمية، واستفراغ المؤذي، والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع". اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (10/ 95-96):

"والقرآن شفاء لما في الصدور، ومن في قلبه أمراض الشبهات والشهوات، ففيه من البينات ما يزيل الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة ما يوجب صلاح القلب، فيرغب القلب فيما ينفعه، ويرغب عما يضره فيبقى القلب محبًا للرشاد مبغضًا للغي، بعد أن كان مريدًا للغي مبغضًا للرشاد.

فالقرآن مزيل للأمراض الموجبة للإرادات الفاسدة حتى يصلح القلب فتصلح إرادته، ويعود إلى فطرته التي فطر عليها، كما يعود البدن إلى الحال الطبيعي، ويغتذي القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويؤيده، كما يغتذي البدن بما ينميه".

والحاصل أن القرآن الكريم شفاء للقلب الذي هو ملك الجوارح والتي لا تصح إلا بصحته، وأيضًا فقد أرشد إلى استعمال الأدوية الصحيحة.

هذا؛ ومما يبين أن ما ذكرتاه هو المعنى المراد من الآيات الكريمات؛ ما ورد في السنة المطهرة ومن بيان أنواع كثيرة من الأدوية، ولو كان القرآن العظيم وحده هو دواء جميع الأمراض كما ظن الأخ السائل لما أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره من الأدوية، فتأمل!

ومن ذلك: ما روى أبو داود عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ والدَّوَاءَ، وجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فتدَاوَوْا، ولا تَدَاوَوْا بحَرَامٍ))، وروى أيضًا: ((يا عِبادَ اللهِ تَداوَوْا؛ فإن اللَّه لم يجعل داءً إلا جعل له دواءً، ولا تداوَوْا بِمحرَّم)).

ودلت السنة النبوية المطهرة على أن الكي دواء إذا دعت الحاجة إليه، وحينئذ يكون دواءً ناجعاً،

كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس - رضي الله عنه – قال: "كُوِيتُ من ذات الجنب والنبي - صلى الله عليه وسلم - حيٌّ وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني"، وعن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُوى سعد بن معاذ في أُكْحُلِه مرتين"؛ رواه أحمد وأبو داود، واكتوى غير واحد من الصحابة.

ورو البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الشِّفاء في ثلاث: شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار؛ وأنهى أمتي عن الكي)).                                                                                            

فالطب مداره على التجربة والقياس، ومن راجع كلام الأئمة في باب التداوي علم ذلك في كل الأدوية المباحة التي جُرِّبَتْ؛ فوُجِد أنَّ لها نفعًا في علاج بعض الأمراض، بل أباحوا التداوي بالمحرم للحاجة إلى التداوي ولحصول المصلحة، وأجازه الحنفيَّة والشَّافعية التَّداوي بالنجس إذا كانتِ الضَّرورة، وأخبر طبيبٌ حاذق أنَّه يتعيَّن التَّداوي بالمحرَّم، وشرط الحنفيَّة لجوازه أن يعلم أنَّ فيه شفاءً ولَم يَجد دواءً غيره، وأجاز الحنابِلة التَّداوي بالمحرَّم والنَّجس بغير أكْلٍ وشرب.

وفي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في القمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما، أو وجع كان بهما.

 هذا؛ والله أعلم.