صور من محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

ومن عظيم حبهم له امتثالهم أمره في كل ما يقول، وسماع رأيه وإجابة ما يأمر به والانتهاء عما ينهي عنه، وذلك من صدق حبهم رضوان الله عليهم له.

  • التصنيفات: محبة النبي صلى الله عليه وسلم -
صور من محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض أوجبه الله تعالى على كل مسلم ومسلمة، فقد قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [ التوبة: 10 ].



وإذا كانت محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجبة على كل مسلم ومفروضة عليه، فإنها لدى صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أشد وأقوى؛ فلقد أحب الصحابة رضوان الله عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم حُباً فاق كل حب فآثروه على المال والولد وآية ذلك إتباعهم لتعاليمه صلى الله عليه وسلم وابتعادهم عن نواهيه، وقد روي أن عمر قال للرسول صلى الله عليه وسلم: "والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي"؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه»، فقال عمر: "فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي"؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر» .



وقد كان حب الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم يأتي في صور عديدة منها على سبيل المثال:

1- الدفاع عنه:

لقد خاض الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل نشر الدعوة المباركة حرباً شرسة دائمة مع الكفار، وأخذت الدعوة المحمدية تغزو معاقل الشرك وتجتث عروش المشركين، فقابلها الكفار بمحاولة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والتعرض له في كل مكان حتى أنه لم يسلم من إيذائهم حتى وهو قائماً يصلي في محرابه، وكان المسلمون يدافعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينافحون عنه، ويبذلون أنفسهم فداء له فهذا أبو بكر الصديق خليل رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في ناحية من نواحي المسجد الحرام إذا به يبصر عقبة بن أبي معيط أحد رؤوس الكفر متجها صوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي؛ فأخذ أبو بكر يترقبه فإذا هو يخلع ثوبه ويضعه حول عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخنقه، فما أن رأى ذلك حتى انطلق كالسهم تجاه هذا الكافر، ثم أخذ بمنكبه ودفعه دفعة شديدة، ونجا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كيده، ثم أخذ يردد الآية الكريمة: «أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ» [ غافر: 28].


2- خوفهم من فراقه:

ومن حبهم رضوان الله عليهم له خوفهم من فراقه، ومن يألفه عليه الصلاة والسلام ويتعامل معه فلا شك أنه سيجزع لفراقه فهو مصدر أمن وأمان لأصحابه؛ كيف لا وهو الذي قد أنقذهم من جاهليتهم العمياء إلى نور الإسلام المبين، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعاملهم كل حسب طبعه وسنه فهو الأب الحاني لكل طفل، وهو الأخ العائن لكل مسلم، وهو النصير المساعد لكل محتاج، وهو السند والذخر لكل يتيم.



أخرج أحمد عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري»، فبكى معاذ جزعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم (مجمع الزوائد: 9/25).



ولم يكن خوفهم من فراقه يقتصر على الدنيا بل تعداه إلى خشيتهم من فراقه في الآخرة، أخرج الطبراني عن عائشة رضى الله عنها قالت: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى اّتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك"، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 36] ( مجمع الزوائد: 7/10).


3- تفضيله عليه السلام على مَن سواه:

ومن حبهم له صلى الله عليه وسلم تفضيلهم إياه على أهليهم وذويهم بل أيضاً على أنفسهم؛ وهذا ما أمر الله به المسلمين جميعاً، أخرج الطبراني عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: "لما كان يوم أُحد خاض أهل المدينة خيضة وقالوا: قُتِل محمد، حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار محرمة فاستقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم، استقبلت بهم أولاً، فلما مرَّت على أحدهم قالت: "من هذا؟ "قالوا: "أبوك، أخوك، زوجك، ابنك"، تقول: "ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "يقولون: "أمامك"، حتى دُفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه، ثم قالت: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب" (حلية الأولياء: 2/377).


4- التنافس في محبته:

ومن صور إخلاصهم رضوان الله عليهم في محبته عليه الصلاة والسلام، السعي والتنافس في محبته، فكل منهم حريص أن يفوز بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم له أكثر من غيره وهكذا اجتهدوا رضوان الله عليهم في محبته وإخلاص النية في وده.


روى أسامة بن زيد عن أبيه قال: "اجتمع علي و جعفر و زيد بن حارثة فقال جعفر: "أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال علي: "أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال زيد: " أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقالوا: "انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأله، قال أسامة: "فجاءوا يستأذنونه"، فقال: «أخرج فانظر من هؤلاء»، فقلت: "هذا جعفر وعلي وزيد"، فقال : «إئذن لهم»، فدخلوا، فقالوا: "يا رسول الله من أحب إليك ؟" قال: «فاطمة» ، قالوا :"نسألك عن الرجال"، فقال: «أما أنت يا جعفر فأشبه خلقك خلقي وأشبه خلقي خلقك وإنك مني وشجرتي، وأما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنا منك وأنت مني، وأما أنت يا زيد فمولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي»، ففضل زيداً وكرَّم الآخرين (مجمع الزوائد: 9/277).


5 - تقبيلهم جسده الطاهر:

ومن حبهم له تقبليهم جسده الطاهر، فعندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسوي صفوف المسلمين إذ لامس بطن سواد بن غزية بجريدة كانت بيده فانتهز سواد تلك الفرصة وقال: "لقد أوجعتني يا رسول الله!" فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه الشريف وقال: «استقد مني يا سواد»». فأسرع سواد فاحتضن رسول الله ثم جعل يقبل كشحه، ثم قال: "يا رسول الله، لقد ظننت أن هذا المقام هو آخر العهد بك، فأحببت أن يمس جلدي جلدك كي لا تمسني النار!" (السلسلة الصحيحة: 6/808).


6 - فداؤهم له:

ومن صدق حبهم له أنهم كانوا يتلذذون بأصناف العذاب في سبيل نجاة النبي صلى الله عليه وسلم وسلامته من الأخطار، بل إنهم لا يكادون يتصورون راحتهم وهناءهم حال إيذائه وتعذيبه.



ومن ذلك قصة زيد بن الدثنة، عندما ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فبعثه مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهطاً من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: "أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وإنك في أهلك؟ "، قال: "والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي"، فقال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ثم قتله نسطاس".


7 - امتثال أمره:

ومن عظيم حبهم له امتثالهم أمره في كل ما يقول، وسماع رأيه وإجابة ما يأمر به والانتهاء عما ينهي عنه، وذلك من صدق حبهم رضوان الله عليهم له.



فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عبد الله بن رواحة رضى الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يخطب، فسمعه وهو يقول: «اجلسوا» فجلس مكانه خارجاً عن المسجد حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته، فبلغ ذلك النبي فقال له: «زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله». (الإصابة: 2/306).



ومن ذلك أيضاً ما أخرجه سعيد بن منصور عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: "خطبت جارية من الأنصار فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: «رأيتها ؟» فقلت: "لا "، قال: «فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». فأتيتها فذكرت ذلك لوالديهما، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقمت فخرجت، فقالت الجارية: "علي الرجل"، فوقفت ناحية خدرها، فقالت: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر إليّ فانظر، وإلا فإني أُحرّج عليك أن تنظر"، فنظرت إليها فتزوجتها فما تزوجت امرأة قط كانت أحب إلي منها ولا أكرم علي منها (شرح السنة: 5/14).


وأخيراً هذه خلاصة مقتضبة لصور من حب الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم، لعلها تكون لنا نِبراساً يضيء لنا الطريق، فنحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتبع هديه عليه السلام ونتجنب ما نهى عنه.


الكاتب: عبد الكريم محمد النملة.