أحكام التعجل في النفر من منى

إن الله فرض الحج على المستطيع من عباده كما في قوله {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين}...

  • التصنيفات: فقه الحج والعمرة -


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الله فرض الحج على المستطيع من عباده كما في قوله {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين} [آل عمران: 97]. وجعله الله ركنًا من أركان الإسلام، ونسكًا من أنساكه العظام، واعتنت الشريعة به، وبينت أحكامه، وفصلت أحواله، وامتلأت بمسائله كتب الفقهاء ومصنفاتهم، ولم يزل بعضها محلًا للاجتهاد والنظر، ومن ذلك مسائل التعجل (1)، التي لم تحظ بما حظيت به كثير من مسائل الحج من البحث والتفصيل، فكانت تلك الوريقات المختصرة في خمس مسائل، ولم يرد من مادتها الاستيعاب، وإنما الإسهام في إثارة بحث تلك المسائل، وجمع أطرافها، بغية الوصول للنتائج المرجوة، سائلًا المولى أن يبارك في الجهود، ويسدد الخطى.

وهذا أوان الشروع في المقصود..

المسألة الأولى: وقت التعـــــجل.

اختلف الفقهاء في ابتداء وقت النفر للمتعجل في اليوم الثاني عشر، وقد كان لاختلافهم في حكم الرمي قبل الزوال في يوم النفر الأول أثر في ذلك، فمن منعه، منع النفر من منى قبل الزوال، وأما من أجازه، فمنهم من أجاز النفر بعده من منى قبل الزوال، ومنهم من منع(2)، وهي مسألة خلافية معروفة، وفيها بحوث مختصة ليس هذا موضع ذكرها.

والمقصود هنا ذكر آخر وقت لنفر المتعجل من منى، حيث اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال، أبرزها قولان:

القول الأول: إن آخر وقت النفر من منى للمتعجل هو قبيل غروب شمس اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وهو ثاني أيام التشريق، فإن غربت شمسه لزمه المبيت والرمي يوم الثالث عشر، وهو قول عند الحنفية، ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة(3).
القول الثاني: إن آخر وقت النفر من منى للمتعجل يكون قبل طلوع فجر اليوم الثالث عشر، وهو مذهب الحنفية.(4)

الأدلة:

أدلة القول الأول:
1- قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون} [البقرة: 203].
وجه الدلالة: أن اليوم اسم للنهار وقد وقع ظرفًا للتعجل، فمن نفر في الليل فما تعجل في يومين. (5)
2- ما روى مالك -رحمه الله- في موطأه عن ابن عمر -رضي الله عنه-: "من غربت عليه الشمس وهو بمنى من أوسط أيام التشريق فلا ينفر حتى يرمي الجمار".(6)

أدلة القول الثاني:
1- أن الليل ليس وقتًا لرمي جمار الثالث عشر فكان وقتًا للنفر، كالنفر قبل الغروب.(7)
ويناقش: بعدم التسليم، لمخالفته ظاهر القرآن، والآثار، ولأنه لا يلزم من عدم مشروعية رمي جمار الثالث عشر جواز النفر.
2- أن الليلة تابعة لليوم قبلها، فيجوز فيها النفر كما يجوز في اليوم.(8)
ويناقش: بعدم التسليم، لمخالفته ظاهر القرآن، والآثار، وأن الأدلة منعت من تبعية الليل للنهار في هذا الحكم.

الترجيح:
يترجح القول الأول لقوة أدلته، لاسيما و قد تأيد ذلك بفهم بعض الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين والتابعين، وهو كالتفسير للنص القرآني، مع كونه مما يبعد قوله بالرأي، ولم يعرف مخالف من الصحابة لهذا القول مع كونه مما يشتهر، فكان القول به أرجح، والله أعلم.


المسألة الثانية: من غربت عليه الشمس وهو مشتغل بالارتحال لكنه لم يبرح مكانه، أو ارتحل ولم يخرج من منى.

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يلزمه المبيت والرمي من الغد. وهو مذهب المالكية(9) والحنابلة وقول عند الشافعية. (10).
القول الثاني: لا يلزمه المبيت ولا الرمي من الغد. وهو مذهب الحنفية والشافعية(11).

الأدلة:

دليل القول الأول:
أنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى فلم يتعجل في يومين.

أدلة القول الثاني:
1-أن في تكليفه الرجوع وحل الرحل والمتاع مشقة عليه.
2-أنه في حكم المتعجل لكونه مشتغلًا بالتعجل(12).

الترجيح:
يترجح القول الثاني لقوة أدلته، لاسيما إن كان المتعجل مشتغلًا بالارتحال بغير قصد التأخر حتى بعد الغروب، وكذا إن كان سائرًا في طريق الارتحال بل هو أولى بالحكم من سابقه.


المسألة الثالثة: حكم التعجل بالـــنية.

ومما يتصل بالمسألة السابقة، حكم تعجل الحاج بنيته فقط، من دون ارتحال أو اشتغال به، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه يشترط الخروج من منى، ولا تكفي النية. وهو مذهب الحنفية والشافية والحنابلة (13).
القول الثاني: الاكتفاء بنية الخروج من منى قبل الغروب ولو لم ينفر منها وينفصل عنها، وهو مذهب المالكية في غير المكي(14).

الأدلة:

أدلة القول الأول:
1- قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون} [البقرة: 203].
وجه الدلالة: أن ظاهر الآية دال على أنه لا بد من الخروج عن منى وإلا لم يكن ثم فرق بين المتعجل والمتأخر، فقد قال الله: {فَمَن تَعَجَّلَ}، ولم يقل من أراد التعجل.
2- عن يحي بن يعمر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه» (15).
3-عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "من غربت عليه الشمس وهو بمنى من أوسط أيام التشريق فلا ينفر حتى يرمي الجمار"(16).
وجه الدلالة: أن هذا الأثر يدل على أن من لم يخرج قبل الغروب فليس متعجلًا.

دليل القول الثاني:
لم أقف لهم على دليل، ولعلهم جعلوا النية كافية في قطع الارتباط بالعبادة والانفصال عنها، وهذا معارض بالأدلة المتقدمة التي تبين اشتراط الفعل لتحقق النفر.

الترجيح:
يترجح القول الأول لقوة أدلته إلا إذا كان مبيت الحاج ليالي التشريق خارج منى كمزدلفة لعذر، فإن الظاهر أن النية تكفي هنا، لأنه مكان ضرورة وتختلف أحكامه عن منى، وقد علقت النصوص الأحكام بمنى واختصتها بها(17).


المسألة الرابعة: حكم رجوع الحاج المتعجل لمنى بعد خروجه منها.

إذا رمى الحاج الجمار يوم الثاني عشر ثم نفر قبل الغروب، وعاد بعد الغروب لمنى لزيارة أو غرض أو نحو ذلك، ومكث في منى قليلًا أو كثيرًا، فهل يلزمه المبيت والرمي من الغد، أم لا؟

قولان للفقهاء:
القول الأول: لا يلزمه المبيت والرمي من الغد. وهو مذهب الشافعية والحنابلة(18).
القول الثاني: لزوم المبيت والرمي، وهو قول للشافعية(19).

الأدلة:

دليل القول الأول:
أن الرخصة حصلت بالرمي والتعجل، فتنقطع عمن خرج بعدها أحكام المناسك في منى، ويكون في رجوعه كالمتبرع، فلم يلزمه المبيت ولا الرمي(20).

دليل القول الثاني: أن من رجع لمنى بمنزلة من لم يخرج منها فله حكم المتأخر.(21)
ويناقش: بأن رجوعه إلى منى ليس على سبيل التعبد فوجوده كعدمه، فلم يلزمه المبيت ولا الرمي.

الترجيح:
يترجح القول الأول لقوة تعليله، مع ما فيه من التيسير على الناس عند شدة الزحام، حيث يمكنهم الخروج قبل الغروب، ثم العودة ليلًا أو صباحًا، للراحة وأخذ الأغراض ثم يطوفوا للوداع بعد ذلك، وهذا ظاهر فيمن نفر ولم ينو الرجوع قبل تعجله، وإنما بدا له هذا بعد خروجه من منى، فإذا نوى العودة قبل تعجله بالنفر من منى، فإن الصورية هنا مع معارضة النية لعمله تشكل على الحكم المقرر.


المسألة الخامسة: حكم تقديم طواف الوداع على رمي الجمار.

أكثر الفقهاء على أن طواف الوداع يكون بعد الفراغ من أعمال الحج ومن ذلك رمي الجمار(22)، لقول ابن عباس -رضي الله عنه-: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (23). وفي رواية لمسلم: كان الناس ينصرفون في كل وجهٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت» (24).
وجاء عن ابن عمر -رضي الله عنه- قوله: "فإن آخر النسك الطواف بالبيت".(25)

وذهب بعض الشافعية إلى جواز تقديمه على الرمي، وفي ذلك يقول النووي رحمه الله: "فلو طاف يوم النحر للإفاضة، وطاف بعده للوداع، ثم أتى منى ثم أراد النفر منها في وقت النفر إلى وطنه، واقتصر على طواف الوداع السابق فهل يجزئه؟ قال صاحب البيان: اختلف أصحابنا المتأخرون فيه, فقال الشريف العثماني: يجزئه لأن طواف الوداع يراد لمفارقته البيت، وهذا قد أرادها. ومنهم من قال: لا يجزئه، وهو ظاهر كلام الشافعي وظاهر الحديث, لأن الشافعي قال: وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت فيودع وينصرف إلى أهله. هذا كلام صاحب البيان، وهذا الثاني هو الصحيح، وهو مقتضى كلام الأصحاب. والله أعلم." (26).

ويتبين من هذا النقل أن سبب الخلاف هو الاختلاف في معنى قوله: «آخر عهده بالبيت»، فقد حمله القائلون بجواز الطواف قبل الرمي على معنى مفارقة البيت، خلافًا لمن منع -وهم أكثر أهل العلم- فالمعنى عندهم آخر الأنساك، لما تقدم.
فإن وقع الطواف قبل الفراغ من المناسك فالظاهر عدم صحته، ويلزمه إعادته.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.



د. عبد الله بن منصور الغفيلي - 6/12/1432 هـ

---------------
(1) المراد بالتعجل هنا: انصراف الحاج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وذلك بعد رميه جمار ذلك اليوم.

(2)المغني (5/328): وقال فيه -رحمه الله-: "إلا أن إسحاق وأصحاب الرأي , رخصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال، ولا ينفر إلا بعد الزوال. وعن أحمد مثله. ورخص عكرمة في ذلك أيضًا. وقال طاووس: يرمي قبل الزوال، وينفر قبله".

(3)ينظر: حاشية ابن عابدين (2/522)، حاشية الدسوقي (2/49)، مواهب الجليل (3/131)، المجموع (8/277)، نهاية المحتاج (3/310)، الشرح الكبير مع الإنصاف (9/254).

(4) ينظر: المبسوط (4/68)، بدائع الصنائع (2/138).

(5) قلت: وذكر اليومين دال على أن إيقاع التعجل يكون في اليوم الثاني، إذ لو كان ذلك سائغا في اليوم الأول لكان (فمن تعجل في يوم) لأنه ذكر في الآية حد النفر تعجلًا و تأخرًا.

(6)رواه مالك في موطأه في كتاب الحج، باب رمي الجمار (1/407)، ورواه البيهقي في كتاب الحج، باب من غربت عليه الشمس يوم النفر الأول (5/152)، وقال -رحمه الله-: "ورواه الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال: عمر -رضي الله عنه-، فذكر معناه، وروي ذلك عن ابن المبارك عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعا ورفعه ضعيف وهو قول الحسن وجابر بن زيد والنخعي". وقد صححه النووي في المجموع (8/271).وقال -رحمه الله-: "قال ابن المنذر: ثبت أن عمر -رضي الله عنه- قال: "من أدركه المساء في اليوم الثاني بمنى فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس". قال: وبه قال ابن عمر وأبو الشعثاء وعطاء وطاووس وأبان بن عثمان والنخعي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق , وبه أقول.." هذا كلام ابن المنذر، وهو ثابت عن عمر كما حكاه ابن المنذر".

(7) ينظر: المبسوط (4/68): وقال فيه -رحمه الله-: " لكنا نقول الليل ليس بوقت لرمي اليوم الرابع فيكون خياره في النفر باقيًا قبل غروب الشمس من اليوم الثالث، بخلاف ما بعد طلوع الفجر من اليوم الرابع فإنه وقت الرمي على ما نبينه إن شاء الله تعالى، فلا يبقى خياره بعد ذلك, وقد بينا أن الليالي هنا تابعة للأيام الماضية فكما كان خياره ثابتًا في اليوم الثالث فكذلك في الليلة التي بعده".

(8) المرجع السابق.

(9)ينظر: مواهب الجليل (3/132) وقال فيه -رحمه الله-: "يعني أن التعجيل إنما يكون قبل الغروب من اليوم الثاني، فمن جاوز جمرة العقبة قبل غروب الشمس فلا شيء عليه, ومن غربت عليه الشمس قبل أن يجاوزها لزمه المبيت بمنى ورمى اليوم الرابع"، وقيده الدسوقي بالمتعجل المكي كما قال في حاشيته (2/49): "ثم إن ما ذكره من شرط التعجيل إذا كان المتعجل من أهل مكة، وأما إن كان من غيرها فلا يشترط خروجه من منى قبل الغروب من اليوم الثاني, وإنما يشترط نية الخروج قبل الغروب من الثاني".

(10)ينظر: المغني (5/250)، نهاية المحتاج (3/310).

(11) ينظر: المبسوط (4/68)، فتح القدير (2/499)، وذلك بناء على تجويزهم للنفر بعد الغروب وقبل الفجر، المجموع (8/228)، ومغني المحتاج (2/274): وقال فيه -رحمه الله-: "لو غربت الشمس وهو في شغل الارتحال فله النفر، لأن في تكليفه حل الرحل والمتاع مشقة عليه، كما لو ارتحل وغربت الشمس قبل انفصاله من منى فإن له النفر, وهذا ما جزم ابن المقري تبعًا لأصل الروضة, وهو المعتمد خلافًا لما في مناسك المصنف من أنه يمتنع عليه النفر, وإن قال الأذرعي: إن ما في أصل الروضة غلط، ولو نفر قبل الغروب ثم عاد إلى منى زائرًا أو مارًا أو نحو ذلك، سواء أكان ذلك قبل الغروب أم بعده لم يلزمه مبيت تلك الليلة ولا رمي يومها، بل لو بات هذا متبرعًا سقط عنه الرمي لحصول الرخصة له بالنفر..".

(12) ينظر: المجموع (8/228).

(13)حاشية ابن عابدين (2/552)، نهاية المحتاج (3/310)، كشاف القناع (2/511).وقيد بعضهم ذلك بالاشتغال أو الارتحال كما تقدم.

(14)ينظر: حاشية الدسوقي (2/49)، وقال فيه -رحمه الله-: "الحاصل أن المقتضي لوجوب بيات الليلة الثالثة وعدم وجوب بياتها قصد التعجيل وعدم قصده، فإن قصد التعجيل فلا يلزمه بيات بها, وإن لم يقصد التعجيل لزمه البيات بها، ويلزمه الدم إن ترك البيات جل ليلة، والمراد بالمتعجل من قصد الذهاب لمكة كان عذر أو لا"، وقيده بغير المكي كما تقدم في قوله: "وأما إن كان من غيرها -أي مكة- فلا يشترط خروجه من منى قبل الغروب من اليوم الثاني, وإنما يشترط نية الخروج قبل الغروب من الثاني". واستثنى المالكية المكي من التعجل في قول عندهم حكاه الباجي في المنتقى (3/48): "أما من ليس بإمام فلا يخلو أن يكون مكيًا أو غير مكي، فإن كان مكيًا فقد اختلف قول مالك فيه، فروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى ذلك لهم إلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو قرض، قال ابن القاسم: وقد كان قال لي قبل ذلك لا بأس به، وهو كأهل الآفاق، قال ابن القاسم: وهو أحب قوله إلي قال الله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]. وهذا عام في أهل مكة وغيرهم، وجه القول الأول، أنه لا عذر لأهل مكة في سرعة النفر والتعجل، لأنه لا يدعوهم إلى ذلك الرجوع مع الرفقة والجيران لما يخاف من فوات ذلك لمن تأخر عنهم ولا طول السفر وبعد المسافة، وأما أهل الآفاق فتدعوهم إلى ذلك الدواعي التي ذكرناها".

(15)رواه أبو داوود باب من لم يدرك عرفة برقم (1949)، والترمذي باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، برقم (889)، والنسائي باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام في المزدلفة برقم (3044)، وابن ماجه باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع برقم (3015).وصححه الألباني في الإرواء (4/256).

(16) تقدم تخريجه.

(17) وبذلك أفتى الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله-. ذلك في شرحه المسموع على كتاب الكافي في فقه الإمام أحمد، في الشريط15، الوجه الثاني.

(18)ينظر: فتح العزيز (7/396)، كشاف القناع (2/511). وبنحو هذا أفتى الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله- حيث قال في مجموع فتاواه (23/297): "لو خرجوا من منى في اليوم الثاني عشر على أساس أنهم أنهوا حجهم فرجوعهم بعد ذلك إلى منى في اليوم التالي لا يلزمهم المقام بها، بل لهم أن يجلسوا قليلًا أو كثيرًا ثم ينصرفوا، ويطوفوا الوداع ويخرجوا إلى أهليهم".

(19)ينظر: نهاية المحتاج (3/311).

(20) ينظر: المجموع (8/228).

(21) ينظر: المرجع السابق.

(22) ينظر: بدائع الصنائع (2/143)، منح الجليل شرح مختصر خليل (2/297)، المجموع (8/236)، المغني (5/337)، وقال فيه -رحمه الله-: "يسمى طواف الوداع، لأنه لتوديع البيت, وطواف الصدر، لأنه عند صدور الناس من مكة. ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره، ليكون آخر عهده بالبيت، على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى يكون آخر عهده بالبيت».

(23)أخرجه البخاري في الحج باب طواف الوداع برقم (1755).

(24)أخرجها مسلم في الحج، باب وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض رقم (1328).

(25) رواه ابن شيبة فيمن قال ليكن آخر عهد الرجل بالبيت (4/298).

(26)المجموع (8/236)، ويؤيده تمام كلام العمراني في بيانه (4/367) حيث قال: "وفي رواية ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينفرن أحد حتى يطوف بالبيت، فإنه آخر نسك في الحج» فمنه دليلان: أحدهما: «لا ينفرن أحد» ولا يطلق النفر الجائز إلا بعد الرمي. والثاني: قوله: «فإنه آخر نسك في الحج». قلت: ولم أقف على هذه الزيادة فيما بين يدي من المراجع إلا عن ابن عمر موقوفًا عليه فيما رواه ابن شيبة بلفظ: "فإن آخر النسك الطواف بالبيت" من قال ليكن آخر عهد الرجل بالبيت (4/298).