أهمية الوقت

صفاء بنت محمد الخالدي

الوقت هو رأس مال الإنسان في هذه الدنيا القصيرة، وهو ملخص عمره ومسؤولية عظيمة على عاتقه، إما أن يستفيد منها فيربح أجر استفادته، وإما أن يضيع هذه الأمانة والمسؤولية التي على عاتقه ويخسر الدنيا والآخرة.

  • التصنيفات: الحث على الطاعات -


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه أجميعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد ...

الوقت هو رأس مال الإنسان في هذه الدنيا القصيرة، وهو ملخص عمره ومسؤولية عظيمة على عاتقه، إما أن يستفيد منها فيربح أجر استفادته، وإما أن يضيع هذه الأمانة والمسؤولية التي على عاتقه ويخسر الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، فااللهَ لم يخلق الإنسان عبثا ً في هذه الحياة الدنيا أو بلا هدف تعالى عن ذلك، بل خلق العباد ليرى سبحانه أعمالهم واستثمارهم لهذه الأوقات واغتنامها.

حيث قال سبحانه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].

فخلقهم لهدف عظيم فمن وعى هذا الهدف واستثمر وقته لطلبه فطوبى له، ومن أضاعه وفرط فيه فقد خسر خسرانا ً مبينا.

حيث أخبرنا الله سبحانه عن الخاسرين في عدة آيات، ثم أخبرنا في آيات ٍ أخرى عن الرابحين ومن هم وذلك في قوله تعالى {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-2-3].

فقد أقسم الله بالعصر وهو: الدهر والزمن، لقيمته وأهميته لأن زمن تحصيل الأرباح والأعمال الصالحة، وهو أيضا ًزمن شقاء وخسران للغافلين والمعرضين.

ولكنَ الفائزين بالآية هنا هم الذين تواصوا فيما بينهم بالحق وباغتنام أوقاتهم بما يعود عليهم بالفوز، فحرصوا على توصية بعضهم البعض، بالتزام الحق والصبر والعبادة وحرصوا على التناصح فيما بينهم كي يفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.

تعريف الوقت:

قال العلماء ومنهم الدقاق رحمه الله: ''الوقت ما أنت فيه الآن هذا هو وقتك، فإن كنت في الدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت في سرور فوقتك السرور، وإن كنت في حزن فوقتك الحزن''.

ومجمل قولهم المراد منه : أن الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله، فوقتك الآن ما بين زمانين - الماضي والمستقبل - وهذا قول أغلب الجمهور، والموفق من لا يهتم بوقته الذي مضى ولا بالآتي ، بل يستثمر ويستفيد من وقته الحالي.

ولكن يصلح الوقت الماضي بالتوبة ...والوقت الآتي بالتوكل على الله، لأنه لو اشتغل بوقته الماضي والمستقبل فإن ذلك مضيعة للوقت الحاضر الذي بين جنبيه أو كلما عرض له عارض تذكر وقته الماضي وتأسف عليه أو استغرق في التفكير في الآتي فتصير بذلك أوقاته كلها فواتٌ ومضيعة.

وهنا لابد من التنويه على نقطة في غاية الأهمية وهي: بأن نفسكَ إنْ لم تشغلها بالطاعة والحق فسوف تشغلك بالباطل والمعصية.

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وبارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعلها الوارث منا.

وإن الله سبحانه إذا أراد بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وجعل وقته مساعدا ً له، وإذا أراد به شرا ً جعل وقته عليه وضده وسلبه وقته، بحيث كلما أراد التأهب لاستثماره لم يساعده الوقت بعكس الأول الذي إذا همت نفسه بالقعود والتكاسل أقامه الوقت وساعده ووازع الخير وقرين الخير يذكره باستغلاله وهذا كله بتوفيق من الله عز وجل وبمقتضى عدله وحكمته.

وذلك التوفيق أو عدمه إنما هو لأسباب:

-أن العبد إذا أحب الله اتقاه حق تقاته، وعمل على طاعته، وابتعد عن معاصيه بقدر ذلك الحب وبقدر ذلك بقدر ما يوفقه الله لاستثمار وقته.

-وإذا خاف العبد من الله حق الخوف بعثه ذلك وحثه على عمارة وقته.

-وإذا رجا العبد رحمة ربه وثوابه وجنته حثه ذلك أيضا ًعلى استثمار وقته.

وخلاصة ذلك في قوله عز وجل: {أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57]، وهذه الثلاثة المذكورة في الآية الكريمة هي القطب الذي تدور حوله رحى العبودية.

ولكن للأسف نجد أن أغلب أهل هذا الزمان غافل عن استثمار وقته وذلك لأسباب:

-إما لجهله بقيمة وأهمية الوقت.

-وإما لجهله لحقيقة وجوده.

-وإما لعقوبة من الله أن لم يوفقه لاغتنام أوقاته وأيامه وساعاته ولياليه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» [رواه البخاري]، حيث أنهما من أكبر النعم على العبد، كما أنهما مدخلان كبيران لدخول الشهوات منهما، ولكن من نعم الله على العبد أن يجمع له هاتين النعمتين ثم يوفقه لاغتنامهما، كما أنه من أعظم النقم أن لا يوفقه لاغتنامهما وكسبهما فيما يعود عليه بالحسنات بالآخرة.

وقد يأتيه يوم يفقد أحد هاتين النعمتين أو كلاهما قبل أن يستثمرهما وقد يستثمر جزءا ً منهما وهكذا، فالموفق من وفقه الله -فاللهم وفقنا لما تحبه وترضاه -.

لكن الكثير لا يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان وخاصة مع وجود الفتن والملهيات في هذا الزمان إلا من رحم ربي، فتجد واقع الناس اليوم في إضاعة للأعمار والأوقات من حديث ٍ بدون هدف أو فائدة أوأسئلة بلا نهاية وفضول كلام وشاشات وفضائيات ولهو ومنكرات ... الخ

يؤدي بهم إلى ضياع الساعات تلو الساعات والأيام تلو الأيام، بل وتمتد المجالس الطويلة أحيانا ً إلى المحرمات من الغيبة والنميمة والعياذ بالله.

وما علم أولئك وما فقهوا قول رسولهم عليه أفضل الصلاة والسلام «اغتنم خمسا ً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» [رواه أحمد في مسنده]، وقد أكد صلى الله عليه وسلم على فترة الشباب، لأنها تجمع بين الصحة والعطاء والحماس.

وقال أحد الصالحين وهو مورق العجلي رحمه الله: ''يا ابن آدم تودي كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقضي عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك''.

فنسي الغافل مسؤولية ما هو فيه وغفل عن قول رسوله في إضاعة أغلى ما يملك وهو عمره ووقته حيث قال بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه «لا تزول قدما عبد ٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال : عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه» [إسناده صحيح]، وكل هذا يلزمه الوقت والزمن، فهذا موقف عظيم سوف يحاسب فيه العبد بين يدي الله عن تفريطه بدقة عما فعل في هذه الأوقات والأعمار وبماذا قضاها وخصوصا ً فترة الشباب لأنها تحوي كل مقومات العمل فلا حجة له في عدم استغلالها فالشباب طرفي العمر بين الطفولة الضعيفة وبين الشيخوخة الضعيفة، فإذا لم يكن العطاء والعمل في فترة الشباب، فمتى العطاء إذا ً؟؟

ومن جَهل الوقت فسيأتي عليه يوم يعرف قيمته، وثمن أنفاسه الغالية والثمينة التي أضاعها، وفي هذا يذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته حيث لا ينفع الندم وهما:

الموقف الأول :

ساعة الاحتضار، حين يودع الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة، ويتمنى حينها لو يمنح مهلة من الزمن ليصلح ما أفسد ويغتنم أكثر وأكثر.

الموقف الثاني :

في الآخرة حيث توفى كل نفس ما عملت وتجزى بما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وهنا يتمنون لو يعودون مرة أخرى إلى حياة التكليف ليبدؤوا من جديد.

فمن جهلنا بقيمة الوقت ...نفرح بمغيب شمس كل يوم ونحن لا ندرك أن هذا نهاية يوم من أعمارنا لن يعود أبداً.
 

إنا لنفرحُ بالأيام ِ نقطعها *** وكلَ يوم ٍ مضى يدني من الأجل ِ



ولكن الحقيقة للموفق المتيقظ أن كل يوم في عمره هو غنيمة لكسب الأجر أكثر وأكثر من زيادة صلاة أو تسبيحة أو أي عمل صالح يوضع في ميزان حسناته يوم القيامة.

فمن أقوال الصحابة والسلف رحمهم الله تعالى في أهمية الوقت:

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : ''إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل ٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ٌ ولا حساب وغدا ً حساب ٌ و لاعمل''.

وكان أبي الدرداء رضي الله عنه يقول: ''لولا ثلاث ما أحببت العيش يوما ً واحدا ً، الظمأ في الهواجر -يعني الصيام في شدة الحر- والسجود في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر''.

وقال سعيد بن جبير رحمه الله: ''إن كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة''.

وكان الحسن رحمه الله يقول: ''ما مر يوم على ابن آدم إلا قال له: ابن آدم إني يوم ٌجديد، وعلى ما تعمل في َ شهيد، وإذا ذهبتُ عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخر ما شئت فلن يعود أبدا ً إليك''.

وهذا حال عبد الرحمن بن أبي نعيم رحمه الله: لو قيل له قد توجه إليك ملك الموت ما كان عنده زيادة عمل.

وقال أحد الصالحين: ''أنا أحب الدنيا لأنها مصنع حسناتي''.

وكان شميط بن عجلان رحمه الله يقول: ''الناس رجلان، متزود من الدنيا أو متنعم فيها، فانظر أي الرجلين أنت؟''.

وكان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يقول : ''لو رأيت الجنة عيانا ً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عيانا ً ما كان عندي مستزاد''.

نعم كانوا يحبون ويعشقون عمل الصالحات، لمحبتهم لله عز وجل والشوق إلى لقاءه، ولإيمانهم العميق به سبحانه، فقد كانت أرواحهم تهوى هذه الأعمال التي تقربهم من الله وتزيد من إيمانهم.

نعم كان حبهم للدنيا لا لأجل الدنيا ولكنهم أدركوا معالي الأمور فاستبقوا إلى الخيرات واغتنام الأوقات.

فكانوا من أحرص الناس على أوقاتهم وقد أدركوا قيمتها وثمنها، فكان الواحد منهم يعد على نفسه لقيماته، ويراقب أنفاسه وكلامه متمثلين دائما ً قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9].

وهذه المحافظة على الأوقات من علامات النفوس الكبيرة، والهمم القوية، فقلما تجد إنسانا ً متيقظا ً مدركا ً لحقيقة وجوده مفرطاً في وقته بل تجد ذلك ظاهراً في أنفاسه وكلامه وتعامله ومظهره، وكل ذلك توفيق من الله عز وجل.

لذلك ينبغي على المؤمن أن يكون حاله في هذه الحياة الدنيا على أحد حالين:

-إما أن يكون كأنه غريب مقيم إقامة مؤقتة في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه -الجنة إن شاء الله -

-وإما أن يكون مسافر غير مقيم البتة، بل ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة الدائمة.

فاللهم وفقنا لاغتنام أوقاتنا وأعمارنا واجعلنا من الصادقين المخلصين لك فمن صدق مع الله صدّقه الله، ومن أراد بإخلاص معالي الأمور وسعى لذلك باجتهاد واخلاص ومثابرة أناله الله ما سعى إليه وبلغه بتوفيقه وكرمه ما يصبو إليه.

قال تعالى {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء: 19]

فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا.

وفقنا الله وإياكم لكل خير وتقبل منا أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه الكريم إنه جوادٌ كريم.

وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام