القِلة والأقلية المصرية... فتنة في الأرض وفساد عريض

العلماء الربانيين المخلصين قد ربوا رجالاً وشبابًا -ونساءً- مستمسكين بدين ربهم وعقيدتهم لا يتوانون عن نصرة دينهم -وليسوا عنكم بغافلين- قادرين على أن يعاملوكم بطريقتكم وأساليبكم -فما أيسرها، ولكنهم لا يخرجون في ذلك عن شرع الله الذي تحاربونه وتأبونه-، سيقفون لكم بكل طريق...

  • التصنيفات: مذاهب باطلة -


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أخبر الله -تعالى- أنه لا يحب الفساد وأنه لا يحب المفسدين، ونهى -عز وجل- عن الفساد في الأرض فقال: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [الأعراف: 56]، وإنما صلحت الأرض ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وما أوحاه الله إليه من الشريعة العامة الشاملة، قال أبو بكر -رضي الله عنه-: "إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد فهو من المفسدين في الأرض" تفسير ابن أبي حاتم.

وإن من أعظم صور الإفساد في الأرض محاولة الكارهين لما أنزل الله تهميش الشريعة الإسلامية "إذا لم يمكنهم محوها والقضاء عليها" وتعطيل الرسالة وإطفاء نور الوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ابتليت مصرنا الغالية -حماها الله- بثلة تجيد المتاجرة بالشعارات وإدعاء الوطنية والثورية، ثلة متمثلة في قلة من العالمانيين والليبراليين وأقلية نصرانية؛ مردوا جميعًا على محاربة أهل الإسلام وشريعة الله -عز وجل-، واحتكروا لأنفسهم أوصافًا براقة يخدعون بها من وقع في حبائلهم وأشراكهم، فهم -كما يزعمون- يمثلون النخبة والتنوير والثقافة والمدنية... ويزعمون أنهم ما يريدون بالبلاد والعباد إلا إحسانًا وتوفيقًا -وإن كانوا في الحقيقة يفسدون في الأرض ولا يصلحون- في الوقت الذي يخلعون فيه على دعاة الإصلاح والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصافًا من عينة: "الإرهابيين - المستبدين - الظلاميين - الرجعيين - ... !".

وقد بيَّن -عز وجل- كيف أن أهل الفساد والإفساد يرمون المصلحين الحقيقيين بالإفساد، بل يؤكدون ويحصرون الإصلاح في أنفسهم المريضة المفسدة، فهذا فرعون -الذي هو من أعظم المفسدين- يلبس ثوب المصلح، ويتهم موسى -عليه السلام- بأنه يريد أن يظهر في الأرض الفساد! {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]، وكذا المنافقون وصفهم الله -تعالى- بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11-12]، فجمعوا بين الإفساد في الأرض وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح، وهذا قلب للحقائق فأكذبهم الله -عز وجل- وحصر الإفساد فيهم.

وهذا بالضبط ما تفعله القِلة والأقلية المصرية في بلادنا، يفسدون في الأرض ويدعون أنهم مصلحون ويتهمون أهل الإصلاح بالفساد والإفساد. إن القلة والأقلية في بلادنا هم المستبدون الحقيقيون السائرون على طريقة فرعون: {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]، ولابد أن تستجيب الأمة لمطالبهم؛ وإلا كان الإحراق والتدمير والإفساد والقضاء على الدولة ومؤسساتها، فيريدون أن يتحكموا في مقدرات الشعب وإلغاء إرادته فيشهرون "فيتو القِلة والأقلية" في وجه الإرادة الشعبية الكاسحة! يريدون فرض وصايتهم على شعب ثار على الظلم والقهر وفساد مستشرٍ في كل مفاصل الدولة، وهذا بزعم أنهم يحافظون على مدنية الدولة ومنع استبداد الإسلاميين -قاتلهم الله... ما أكذبهم!-. والحقيقة أن القلة والأقلية المصرية المدعية للوطنية والإصلاح والإنقاذ والتنوير... لا علاقة لها بهذه المفاهيم إطلاقًا، بل هم يتاجرون بها لتحقيق مآربهم الخبيثة التي تستهدف "مصر الإسلام". فأما القلة -الذين يروق لهم أن يسموا أنفسهم بالنخبة-:

فهي بكل طوائفها من العالمانيين والليبراليين والإعلاميين ليس بخافٍ على أحد ما كانوا عليه من التبعية للنظام السابق بكل ما فيه من شرور وآثام، فكان معظم أفرادهم موظفين في وزارة الثقافة، وكثير منهم شغل مناصب عليا في مؤسسات الصحافة القومية -ومن ارتدى منهم ثوب المعارض ظاهرًا كان في حقيقة الأمر جزءًا من النظام لتحسينه وتجميله- ثم لما قامت الثورة إذا بهم يتحولون إلى ثوار وأبطال، ومواقفهم المتناقضة -قبل وبعد الثورة- مسجلة معروفة بين الناس بالصوت والصورة!

ولنا أن نتساءل: ماذا قدمت "النخبة" الثورية الوطنية لوطنها وأهل وطنها... ؟! لم نرَ النخبة تقدم خيرًا للبلاد والعباد فلم تنصر مظلومًا أو تساعد محتاجًا، بل كانت النخبة -التي كان يفترض أن تكون قاطرة النهضة في بلادنا- دومًا في الأبراج العاجية تتقاضى الملايين من الجنيهات وتأتيها الأموال الطائلة.

لم تحارب النخبة يومًا في سبيل هذا الشعب أو تناضل من أجله وتدافع عن حقوق المقهورين والمظلومين طوال العقود الماضية التي كانت منشغلة فيه في البزنس والمصالح الشخصية ومستغرقة في السهرات والحفلات... في نفس الوقت الذي كان النظام السابق يقف بالمرصاد لأصحاب الدعوة إلى الله -خاصة العلماء الربانيين الذين على منهج السلف الصالح لا يتزحزحون عن قضاياه، خصوصًا قضايا العقيدة والحاكمية والولاء والبراء... - المطالبين بإقامة الشرع والعدل ورفع الظلم والفساد، في حين أن النخبة تتقلب في ألوان الترف ومباهج النعيم.

لقد كانت النخبة "ولا زالت" متنكرة حتى لعقيدة أمتها -التي لا يزالون ينسبون أنفسهم إليها- ومبادئ دينها فكانت -ولا تزال- موالاتها وتأييدها للكنيسة وأهوائها، فلم تقف النخبة يومًا لتدافع عن سيادة الدولة التي كانت الكنيسة لا تقيم لها أي وزن وتعتبر نفسها دولة مستقلة داخل الدولة في عصر مبارك، بل كانت كما قال شيخنا د. ياسر برهامي: "فوق الدولة".

ولم تقف النخبة يومًا لتدافع عن حقوق المسلمات الجدد وعن قضاياهن وعن الحق الأصلي لكل إنسان في التزام الدين الحق -الإسلام- في نفس الوقت الذي دافع فيه بعضهم عن المرتدين من البهائيين ونحوهم، وآخر دافع عن الكفار الأصليين من عبَّاد بوذا وعن حرياتهم في اختيار ما يريدون من ديانات، وهم الذين يتغنون بالحرية بالليل والنهار! فأين الوطنية عند هؤلاء... ؟!

أليس من هؤلاء: "حمدين صباحي" -الثوري المناضل كما يدعي!- القائل في فترة حكم مبارك: "لن ننزل الانتخابات أمام عز وغالي وسرور؛ لأنهم رموز وطنية نحترمها"؟!

أليس "حمدين صباحي" هو القائل إبان ثورة 25 يناير: "لن نثور ولدينا 10 مطالب لتهدئة الشارع، ولا مانع من تولي جمال مبارك، ولكن بشروط"؟!

أليس "حمدين صباحي" -الوطني المخلص!- مَن نصح الوفد الاقتصادي الأمريكي ورهبهم من الاستثمار في مصر أو إقامة مشروعات اقتصادية وإيهامهم بأن الرئيس مرسي والإسلاميين قد استولوا على السلطة بالزيت والسكر؟!

أليس من هؤلاء: "عمرو موسى" الابن البار للنظام البائد والذي صرَّح أكثر من مرة بقوله: "لو رشح مبارك نفسه في الانتخابات سوف أنتخبه"؟!

أليس عمرو موسى الصديق المقرب لليهود والذي يلتقي بهم في الخفاء؟!

وقد تردد مؤخرًا ذكر لقاء سري جمع وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "تسيبي ليفني" مع عمرو موسي الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية في توقيت زيارته لـ"رام الله " يوم الأحد 4 نوفمبر 2012 "أي قبل العدوان الإسرائيلي علي غزة بأسبوعين"، ووزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة "تسيبي ليفني" هي تلك المرأة الساقطة التي افتخرت على رؤوس الملايين من البشر أو أكثر عبر الشاشات بأنها مارست الرذيلة والزنا مع مسؤولين كبار من العرب وغيرهم لأجل صالح إسرائيل بناءً على فتوى من أحد كبار الحاخامات اليهود!

وبالمناسبة فإن لهذه المرأة شهادة في حق "عمرو موسى" حيث قالت في مقابلة مع إحدى المحطات الإذاعية العبرية: "موسى لم يخرج عن طوره ولم يتدخل بشكل جدي عندما قمنا بفرض الحصار على قطاع غزة، ولم يوظف موقعه لاتخاذ ضدنا عندما شنت إسرائيل حملة الرصاص المصبوب على قطاع غزة أواخر عام 2008، علاوة على أنه وقف بشكل واضح إلى جانب محور الاعتدال في لبنان في مواجهة معسكر حزب الله"!

أليس من هؤلاء: من طالب بفرض الحماية والوصاية الدولية على مصر وهو الدكتور "عمرو حمزاوي" الذي دعا الولايات المتحدة وأوروبا لحماية مصر من الإسلام السياسي! فقد كتب د. "عمرو حمزاوي" مقالاً في جريدة الوطن -إحدى الجرائد المشبوهة- التي يرأسها "مجدي الجلاد" بعنوان: "دستور مصر ليس قضية داخلية فقط" وطالب فيها بالتدخل الأجنبي في مصر من أجل "إلزام مصر بالعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وأن تُضمن بها المساواة الكاملة بين المرأة والرجل".

ومثله الدكتور البرادعي الذي درج على استعداء الغرب على بلادنا وخصوصًا الجمعية التأسيسية ولعب مؤخرًا بورقة "الهولوكست وضحاياها" ولم يبقَ إلا أن يطالبنا بقراءة الفاتحة على أرواحهم! وهذا دون نكير من بقية رفقاء الدرب وزملاء الطريق، بل بمباركة هذه النخبة وتأييدها لمثل تلك المواقف، بل الخيانات... وكل هذا لأجل إقصاء الشريعة الإسلامية وعزلها عن الحياة المصرية. فأين وطنية هؤلاء المدعاة؟! أليس مِن هؤلاء من قال: "إن الشعب المصري غير مستعد للديمقراطية" -مع التحفظ على مصطلح الديمقراطية على التفصيل المعروف-؟! مَن مِن هؤلاء النخبة قدَّم لأبناء وطنه أي إنجازات ملموسة... ؟!

وأما إعلام النخبة وبوقها -"وليس إعلام الشعب"-:

أليس هو نفس إعلام مبارك الذي كان يمجِّده ويتباكى عليه حتى اللحظة الأخيرة؟!

أليس هذا الإعلام هو من وصف "ثوار 25 يناير" بأنهم عملاء مرتزقة يأخذون الأموال والوجبات مقابل بقائهم في ميدان التحرير؟!

أليس هؤلاء الإعلاميون هم الذين تغافلوا عن مواقفهم وتغاضوا عن كلماتهم ثم خرجوا هم أنفسهم "بعد الثورة" في نفس برامجهم وفضائياتهم ليعلنوا أنهم ما كانوا أبدًا جزءًا من "النظام البائد" وأنهم ما كانوا إلا ثوارًا مناضلين عن الحق وعن الشعب وحقوقه، وأثنوا على الثوار والشعب العظيم أعظم الثناء، ثم هم أنفسهم عادوا ليحطوا من قدر هذا الشعب العظيم الذي اختار "نعم" في الاستفتاء على التعديلات الدستورية -21 مارس 2011-، وأصبح شعبًا ساذجًا لا وعي عنده خدعه الإسلاميون وأغروه بكيلو سكر وزجاجة زيت؟!

أليس هذا الإعلام هو الذي كان ولا يزال يبث الفتنة ويحدث الوقيعة بين كل طوائف المجتمع دون أي مراعاة لوطننا والظروف القاسية الحرجة التي يمر بها؟

أليس هذا الإعلام هو الذي يتاجر بآلام الناس وقضايا الشعب؟

أليس هذا الإعلام هو الذي لا يكف إلى الآن عن نشر الأكاذيب والأراجيف وكتم الحقائق؟

وأما الأقلية النصرانية:

فهي مع ادعائها الوطنية ومحبة الوطن وصل بها الحال إلى استعداء المتربصين بالخارج من اليهود والأمريكان على الوطن الذين يتغنون بحبه والإخلاص له كما استغاث "فلوباتير جميل" بإسرائيل وطلب منها الحماية والتدخل في الشؤون المصرية! وهذا "موريس صادق" -وهو محامٍ مصري- يدعو أمريكا وإسرائيل لاحتلال مصر عسكريًّا وفرض الحماية الدولية عليها، و"نجيب ساويرس" المعروف باستقوائه بالغرب وجيوشه، والذي قد بُح صوته من تحريض أوروبا على مصر وطلب الحماية الدولية لحماية الأقباط في مصر ولا ندري حماية من ماذا؟! فهم -باعتراف جميع المنصفين- "أسعد أقلية في العالم" منذ فتح عمرو بن العاص -رضي الله عنه- لمصر، ولهم ما من الامتيازات أضعاف ما يستحقون، ومع ذلك لا يزالون يتغنون بالاضطهاد واتهام المسلمين بخطف بناتهم واغتصابهن "وهن يدخلن في الإسلام بمحض إرادتهن ومقاطع اليوتيوب شاهدة على ذلك".

و"نجيب جبرائيل" طالب أيضًا مرارًا بالحماية الدولية على مصر وطلب من الأمم المتحدة التدخل لحمايته وحماية شعبه! وفي القائمة: "يوسف بطرس غالي - زكريا بطرس - مرقص عزيز - متياس نصر - ... " -وما أكثر النماذج النصرانية المماثلة لهؤلاء-، ومع ذلك هل تبرأت الأقلية النصرانية من هؤلاء الخائنين وضربت على أيديهم أم تدعمهم وتؤيدهم؟!

ولا يخفى تعاون كثير من النصارى مع "المحتل الإنجليزي" ومن قبله "الفرنسي" إبان الحملة الفرنسية على مصر ودور المعلم "يعقوب" -وغيره ممن خان بلده ووطنه مصر-، الذي عينه الفرنساوية "ساري عسكر" في مناصرة المحتلين الفرنسيين على أبناء وطنه المصريين، بل كَتبَ بعضهم ما يطفح بتمجيده وتعظيمه وجعله قدوة لهم -ولسان حالهم وربما مقالهم يقول: "كلنا المعلم يعقوب"-!

بل كان هذا ديدن بعضهم من قديمٍ... يناصرون ويقفون مع أعداء المسلمين عليهم إذا آمنوهم واطمئنوا إليهم، يقول ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" عن النصارى -وقد تآمروا مع التتار على المسلمين- في صفة أخذ التتار دمشق واستيلائهم عليها في سنة ثمان وخمسين وستمائة: "ودخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرًا، وقماقم ملآنة خمرًا يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم، ووقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دين النصارى وذم دين الإسلام وأهله -فإنا لله وإنا إليه راجعون-"، "وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخرِّبوا كثيرًا من المساجد، وغيرها... " بتصرف واختصار من البداية والنهاية.

إن كل الشواهد تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ولاء "بعض القِلة النصرانية" لأبناء دينهم وملتهم -وإن لم يكونوا من أهل بلدهم- وليس ولاؤهم لوطنهم وأبناء وطنهم. ويبدو لأنهم لا يجدون مثالاً يعبِّر عن وطنيتهم -المزعومة- اُضطر "يوسف شاهين" المخرج النصراني أن يَدعي في أحد أفلامه كذبًا وزورًا أن "عيسى العوام" البطل المسلم المجاهد في جيش الناصر "صلاح الدين" كان نصرانيًّا!

فأين وطنيتهم التي يدعون؟! نحن لم نرَ من القِلة والأقلية إلا التعالي والتعجرف والسعي في الأرض فسادًا بالدفاع عن المحرمات والخوض في المقدسات فكانوا بحق يمثلون فتنة في الأرض وفسادًا عريضًا.

وفي المقابل: كان أداء التيار الإسلامي -وخصوصًا "الدعوة السلفية"- في كل ما يمس قضايا الوطن معبِّرًا عن وطنيته وحرصه على المصلحة الحقيقية لمصر. وضرب الإسلاميون أروع الأمثلة في الحلم والصبر على مَن طعن فيهم وأساء إليهم، وحرصوا على تلاشي أي صورة من صور الصدام؛ لتجنب سفك الدماء وكل ما لا يرضاه الله من الشر "وهذا مع قدرتهم على المواجهة إذ مخالفيهم لا يقارنون بكثرتهم" فتظاهرات الإسلاميين ومليونياتهم التي أبهرت العالم خالية من كل مظاهر الهمجية والعدوان والفساد.

فإلى أبناء مصر المخلصين لها... أبشروا وأملوا خيرًا... فلقد مرت مصر بمحن أكبر من ذلك بكثير... وكانت دومًا مؤيدة بنصر الله وفضله بإيمان أبنائها وعزيمتهم الصادقة في نصرة دين الله والمحافظة على هوية بلدهم {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41].

وإلى القِلة والأقلية معًا... إن الوطنية الحقيقية في الحفاظ على هوية مصر وعلى أصالتها الإسلامية، فالإسلام ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ومصر بلا هويتها الإسلامية لا تكون شيئًا؛ ولولا الإسلام لبقيت مصر مستعبدة مستذلة للأمم الكافرة التي كانت تسوم القبط "كل المصريين" آنذاك سوء العذاب، ولولا الإسلام لما كان لمصر تلك المكانة والمنزلة بين الأمم.

إن الوطنية الحقيقية هي إصلاح هذا الوطن وتنميته لا أن نسعى لتخريبه وتدميره إن لم تكن لنا الكبرياء في الأرض، وإن الوطنيين الحقيقيين من يعملون على البناء لا الهدم.

واعلموا... أن النخبة الحقيقية والتنويريين بحق هم العلماء الربانيون والدعاة إلى الله الذين تحملوا وعانوا وقاسوا في سبيل إصلاح هذا البلد إصلاحًا حقيقيًّا في ميزان الشرع الشريف، وأزالوا بنور العلم ظلمة الجهل، وأزاحوا الغشاوة عن أبصار الناس.

واعلموا... أن العلماء الربانيين المخلصين قد ربوا رجالاً وشبابًا -ونساءً- مستمسكين بدين ربهم وعقيدتهم لا يتوانون عن نصرة دينهم -وليسوا عنكم بغافلين- قادرين على أن يعاملوكم بطريقتكم وأساليبكم -فما أيسرها، ولكنهم لا يخرجون في ذلك عن شرع الله الذي تحاربونه وتأبونه-، سيقفون لكم بكل طريق... "ومعهم شعب مصر المسلم" مدافعين عن هوية وطنهم الإسلامية وشريعة ربهم -عز وجل- بحجة وبيان وقوة بالحق والعدل لا بالظلم والعدوان.


والله متم نوره ولو كره الكارهون.



محمود عبد الحفيظ

28-محرم-1434هـ 11-ديسمبر-2012