شهر ربيع الأول

لقد شهد شهر ربيع الأول أحداثًا مهمة في هذه الأمة إنَّ أبرز أحداث السيرة النبوية التي وقعت في هذا الشهر هي: مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجرته إلى المدينة ووفاته، وفي هذا الشهر، ابتلي فيه بعضُ المسلمين ببدعة دخيلة على دينهم، فيجعلون حدث المولد النبوي احتفالًا، وله طقوسه، مخالفين بذلك الكتاب والسُّنَّة.

  • التصنيفات: ملفات المولد النبوي -


مقدمة:

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد، فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

لقد شهد شهر ربيع الأول أحداثًا مهمة في هذه الأمة، وشغلت هذه الأحداث محلًا كبيرًا من الاهتمام، بل وجانبًا كبيرًا من الاختلاف، إنَّ أبرز أحداث السيرة النبوية التي وقعت في هذا الشهر هي: مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووفاته، وهذه الأحداث جميعها مهمة في حياة المسلمين بل في حياة الثقلين.

وفي هذا الشهر، ابتلي فيه بعضُ المسلمين ببدعة دخيلة على دينهم، فيجعلون حدث المولد النبوي احتفالًا، وله طقوسه، مخالفين بذلك الكتاب والسُّنَّة، وهدي السَّلف الصالح في هذه المسألة، حتى إنَّ بعض هؤلاء يجعلون ميلاد النَّبي صلى الله عليه وسلم أهمَّ حدث في السيرة؛ بل في الوجود كله.

والحدث الأهم من ولادته هو هجرته صلى الله عليه وسلم التي غيرت بفضل الله وربت المجتمع المسلم والدولة المسلمة التي استمرت قرونًا طويلة، وقدمت للإنسانية حضارة فريدة على مرّ الزمن، ولأهمية هذا الحدث أرَّخ به عمر بن الخطاب رضي الله عنه والمسلمون بعده التاريخ الإسلامي، كما روى ابن أبي شيبة عن الشعبي أنَّ أبا موسى رضي الله عنه كتب إلى عمر رضي الله عنه: إنّه يأتينا منك كُتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر رضي الله عنه النَّاس، فقال بعضهم: أرِّخ بالمبعث، وبعضهم: أرِّخ بالهجرة، فقال عمر: "الهجرة فرّقت بين الحقّ والباطل فأرّخوا بها" [المصنف (7/26)].

ومن الأحداث المهمة في هذا الشهر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هو وفاته عليه الصلاة والسلام، لأنَّ وفاته صلى الله عليه وسلم ليست كوفاة سائر النَّاس، ولا كسائر الأنبياء؛ إذ بموته صلى الله عليه وسلم انقطعت النبوات، وانقطع خبر السماء ووحي الله عن الأرض.

وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظم هذه المصيبة التي حلّت بالمسلمين فقال: «يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» (رواه ابن ماجة (1599)، وهو صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة، رقم (1106))، قال السندي: "«{C}{C}فليتعزّ{C}{C}» أي ويخفِّف على نفسه مؤونة تلك المصيبة بتذكر هذه المصيبة العظيمة، إذ الصّغيرة تضمحلّ في جنب الكبيرة فحيث صبر على الكبيرة لا ينبغي أنْ يبالي بالصّغيرة" (حاشية السندي على ابن ماجة (1599)).

وحرصًا على التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من خلال النصيحة والتوجيه والإرشاد أُذكِّر بحديث تميم الدَّاري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّين النَّصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولائمة المسلمين وعامتهم» (رواه مسلم في صحيحه برقم (55)).

فانطلاقًا من هذا الحديث جمعت هذه الرسالة اللَّطيفة عن شهر ربيع الأول، سائلًا المولى عز وجل أن ينفع بها، وأنْ يجعلها ابتغاء وجهه الكريم خالصة وصوابًا؟ أي على ما جاء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

● معنى ربيع الأول وسبب تسميته بهذا الاسم:

أولاً: معنى ربيع الأول:

سُمِّي بذلك لأنَّ تسميته جاءت في الربيع فلزمه ذلك الاسم.

والرِّبْعُ: محله، يقال: ما أوسع ربع بني فلان! وربعت الإبل، إذا وردت الربع، يقال: جاءت الإبل روابع، قال ابن السكيت: ربع الرجل، يربع، إذا وقف وتحبَّس.

"والرَّبيعُ عند العرب ربيعان: ربيع الشهور، وربيع الأزمنة، فربيع الشهور شهران بعد صفر، ولا يقال فيه إلا شهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وأما ربيع الأزمنة، فربيعان: الربيع الأول، وهو الفصل الذي تأتي فيه الكمأةُ والنور، وهو ربيع الكلأ، والربيع الثاني وهو الفصل الذي تدرك فيه الثمار، وفي الناس من يسمِّيه الربيع الأول، وجمع الربيع: أربعاء وأربعة، مثل نصيب وأنصباء وأنصبة، قال يعقوب: ويجمع ربيع الكلأ أربعة، وربيع الجداول أربعاء، والربيع: المطر في الربيع، تقول منه: ربعت الأرض فهي مربوعة" [الصحيح في اللغة (1/238)، المصباح المنير (1/216)، المفصل في تاريخ العرب (15/275)].

ثانيًا: تسميته:

قد جاء في تسميته بهذا الاسم عدة روايات؛ منها أنَّ العرب كانوا يخصّبون فيه ما أصابوه من أسلاب في صفر؛ حيث إنَّ صفرًا كان أول شهور الإغارة على القبائل عقب المحرّم [هذا كان في الجاهلية أما بعدما جاء الإسلام تغيرت هذه المفاهيم الجاهلية وحفظت الدماء إلا بموجب ما تقتضيه الأحكام الشرعية من قصاص ونحوه].

وقيل: بل سُمِّي كذلك لارتِباع الناس والدواب فيه وفي الشهر الذي يليه (ربيع الآخر)، لأن هذين الشهريْن كانا يأتيان في الفصل المسمَّى خريفًا وتسميه العرب ربيعًا، وتسمي الربيع صيفًا والصيف قيظًا.

وهناك رأي يقول: إنَّ العرب كانت تقسم الشتاء قسمين، أطلقوا عليهما الربيعيْن: الأول منهما ربيع الماء والأمطار، والثاني ربيع النبات؛ لأن فيه ينتهي النبات منتهاه، بل إن الشتاء كله ربيع عند العرب من أجل الندّى. وفي الحقيقة، كان الربيع عند العرب ربيعيْن: ربيع الشهور، وربيع الأزمنة؛ فربيع الشهور، شهران بعد صفر؛ وهما ربيع الأول وربيع الآخر. وأما ربيع الأزمنة، فربيعان:

الرَّبيع الأوَّل؛ وهو الفصل الذي تأتي فيه الكمأة والنَّوْر، وتطلق عليه العرب: ربيع الكلأ.

والثاني: هو الفصل الذي تُدْرَكُ فيه الثمار، ومنهم من يسميه الربيع الثاني، ومنهم من يسميه الربيع الأول كسابقه. لذا، كان أبو الغوث يقول: "العرب تجعل السنة ستة أزمنة: شهران منها الربيع الأول، وشهران صيف، وشهران قيظ، وشهران الربيع الثاني، وشهران خريف، وشهران شتاء" [انظر: القاموس المحيط، (ص: 928)، تاج العروس (21/34)؛ ربع، ولسان العرب (8/99)؛ ربع].

● أهم الأحداث التي وقعت في ربيع الأول

أولاً: ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم:

ولد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم الإثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهِ»[صحيح مسلم (2804)].

أما عن الشهر الذي ولد فيه وتاريخ هذا اليوم فقد اختلف فيه العلماء، فقال ابن إسحاق: "ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، عام الفيل" [السيرة النبوية لابن هشام (1/183)].

وقال ابن كثير: "وُلِد صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول وقيل: ثامنة، وقيل: عاشرة، وقيل: لثنتي عشرة منه، وقال الزبير بن بكار ولد في رمضان وهو شاذ حكاه السهيلي في (الروض)" [الفصول في سيرة الرسول لابن كثير (ص: 9)]، وقيل: "في التاسع من شهر ربيع الأول [الرحيق المختوم" (ص: 45)].

أما العام: فقال ابن إسحاق: "عام الفيل، قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور، وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري: وهو الذي لا يشك فيه أحدٌ من العلماء" [سيرة ابن هشام (1/183)، والفصول في سيرة الرسول (ص: 9)].

وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل. يعني عام الفيل" [دلائل النبوة للبيهقي (1/175)].

وروى ابن إسحاق وأبو نعيم و البيهقي عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قال: "وُلِدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل كنا لدَيْن" [دلائل النبوة للبيهقي (1/176)].

وسأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قياث بن أشيم الكناني ثم الليثي: "يا قياث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا أسن منه!! -انظر لهذا الأدب الرفيع والخلق الجميل والجواب اللطيف لله درك من متفوه- ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفت بي أمي على خذق الفيل أخضر محيلا" [دلائل النبوة لأبي نعيم (1/178)].

وعلى هذا فقيل: "بعد الفيل بخمسين يومًا. قال ابن كثير وهو أشهر، وصححه المسعودي والسهيلي، وزاد أنه الأشهر والأكثر وقيل: بزيادة خمس، وقيل: بزيادة ثمان. وروى ابن مسعود وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر: قال: كان قدوم أصحاب الفيل في النصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة. وصحح الحافظ الدمياطي هذا القول. وقيل: بأربعين يومًا. وقيل: بشهر وستة أيام، وقيل: بعشر، وقيل: بثلاثين عامًا، وقيل: بأربعين عامًا، وقيل: بسبعين عامًا" [سبل الهدى والرشاد (1/335-336)].

"وكان مولده صلى الله عليه وسلم لأربعين خلت من ملك كسرى أنو شروان، ويوافق ذلك العشرين أو الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571، وقيل: (570)" [الرحيق المختوم (ص: 45)].

ومن هنا نأتي على القول بأنه ولد في يوم الإثنين في شهر ربيع الأول لأول عام من حادثة الفيل، هذا هو القول الذي عليه أغلب العلماء. وروى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "لما ولدته خرج مني نور أضاءت له قصور الشام" [الطبقات الكبرى (1/102)]. وقد روي أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت. روى ذلك البيهقي [دلائل النبوة (1/126)].

قال الشيخ الألباني رحمه الله: "ذكر ارتجاس الإيوان وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات وليس فيه شيء" [صحيح السيرة النبوية (ص: 14)].

قلت: ومراده رحمه الله أنه لم يرد فيه شيء صحيح.

ويقول الدكتور أكرم ضياء العمري: "... وكذلك وردت روايات موضوعة حول هواتف الجان في ليلة مولده وتبشيرها به، وانتكاس بعض الأصنام في المعابد الوثنية بمكة، وحول ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط شرفاته، وخمود نيران المجوس، وغيض بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان الخيل العربية تقطع دجلة، وتنتشر في بلاد الفرس، كذلك وردت روايات ضعيفة عن إخبار يهود بليلة مولده، وإخبار الراهب عيصا بمر الظهران بمولده. وقول العباس عمّه إنه رآه في المهد يناغي القمر، ولكن ثمة أخبار تقوى ببعضها إلى الحسن احتفت بمولده، منها ما يفيد أن آمنة رأت حين وضعته نورًا خرج منها أضاءت منه قصور بُصرى من أرض الشام" ا.هـ. [السيرة النبوية الصحيحة (1/98-101)].

ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، واختار له اسم محمد [ابن هشام (1/ 184-185)].

الدروس والعبر في هذا الحدث:

كان هذا الحدث الجلل والأمر العظيم في حياة البشرية جمعاء، إيذانًا بنزول وحي الله ليُصلح البشرية ويخرجها من الظلمات إلى النور، ولإفراد الله وحده بالعبادة، وترك الشرك والأنداد والأصنام.

فهذا الحدث العظيم نتعلم منه كيف أن الله ﻷ يرعى عباده ويمنُّ عليهم بإرسال الرسل والكتب، وأنه يحوطهم ويكلأهم ويرعاهم.

وفيها أن الله تعالى اختار هذه النشأة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي كونه يتيمًا فقيرًا ليتولى الله ربّ العالمين عنايته وتربيته وليُصنع على عينه وحفظه سبحانه، فأعده الله للبعثة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور وأدَّبه ربه وقوّاه وأعانه، فأخرج جيلًا دانت لهم الدنيا وتحولوا من رعاة للإبل والغنم إلى سادة للأمم، وبنوا حضارة وأسّسوا أمة انتشرت في الآفاق ونشرت الدين الإسلامي.

ثانيًا: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم:

"كانت هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ودخوله لها في 12 ربيع الأول سنة 622م، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة يوم الخميس أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت منه، وذلك يوم الإثنين الظهر لثلاث وخمسين سنة من مولده 28 يونيه 622م" [محمد رسول الله (1/159)].

والهجرة النبويَّة حدث عظيم في تاريخ الأمة الإسلامية؛ لأنها كانت الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية؛ لذلك حرصت قريش أن لا يتم ذلك، وجاهدت في محاولة منع النبي صلى الله عليه وسلم من الوصول إلى المدينة، وحدث الهجرة أهمُّ عند الصحابة ي من حادث مولده صلى الله عليه وسلم بدليل أنهم حينما أرادوا أن يجعلوا للمسلمين تاريخًا خاصًّا بهم، نظروا في أعظم الأحداث التي يمكن أن يؤرخوا بها، فخيَّرهم الفاروق عمر رضي الله عنه بين حادثتين لا ثالث لهما، وهما: الهجرة والبعثة، ولم يعتبروا مولده صلى الله عليه وسلم من الأهمِّية التي تجعله حدثًا يؤرخون به.

الدروس المستفادة من حادث الهجرة:

1- كان حدث الهجرة المبارك نقطة تحول في التاريخ الإسلامي، فقد حوَّلت مجرى التاريخ، وغيرت مسيرة الحياة ومناهجها التي كانت تحياها وتعيش محكومة بها في صورة قوانين ونظم وأعراف وعادات وأخلاق وسلوك للأفراد والجماعات وعقائد وتعبدات وعلم ومعرفة وجهالة وسفالة وضلال وهُدى، وعدل وظلم [محمد رسول الله (2/423)].

2- تعتبر الهجرة من أهم الأحداث في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد كان المسلمون قبلها أمة دعوة يبلغون دعوة الله للناس دون أن يكون لهم كيان سياسي يحمي الدعاة أو يدفع عنهم الأذى من أعدائهم. وبعد الهجرة تكونت دولة الدعوة، وأخذت على عاتقها نشر الإسلام في داخل الجزيرة العربية وخارجها.

3- ظهر بوضوح وجلاء كيف أن العقيدة الصحيحة السليمة من الشرك سبب من أسباب إزالة العداوات والضغائن، وفي التأليف بين القلوب والأرواح، وهو دور لا يمكن لغير العقيدة الصحيحة أن تقوم به، فجمعت بين الأوس والخزرج وأغلقت باب الضغائن والمكائد وفتحت باب المحبة والمودة بين الناس [الهجرة النبوية المباركة (ص: 205)].

ثالثًا: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:

موت النبي صلى الله عليه وسلم فهو حدث جليل عظيم، ولم يختلف على يوم وفاته حيث كان يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، ورأى الجمهور أنه كان في اليوم الثاني عشر منه، يقول ابن رجب رحمه الله: "ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهش فخولط، ومنهم من أُقْعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية" [لطائف المعارف (ص: 114)].

قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي؛ فإنّها أعظم المصائب» [رواه ابن ماجة (1599)، وهو صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة، رقم (1106)].

قال القرطبي: "وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه" [تفسير القرطبي (2/176)].

فأشار رحمه الله إلى أمرٍ عظيمٍ انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهو: انقطاع الوحي الذي كان يتنزل من يوم أهبط آدم إلى الأرض؛ فانقطع بموته صلى الله عليه وسلم.

دخل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على أم أيمن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يتفقدانها، فوجداها تبكي، فقال لها أبو بكر: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أنّ الوحي انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان (أخرجه مسلم (103)).

لقد كان موت النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة ابتُلِيت بها الأمة مُطلقًا، وكان له أثر عظيم على نفوس الصحابة وحالهم؛ حتى صدق فيهم وصف عائشة رضي الله عنها: "صار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم".

يقول أنس رضي الله عنه: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا" (أخرجه الترمذي (3618)، وابن ماجة (1631)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3861)).

فأيُّ احتفال يكون في يوم رزئت فيه الأمة بأعظم مصيبة في تاريخها، يقول الفاكهاني: "هذا مع أنّ الشهر الذي وُلِد فيه صلى الله عليه وسلم هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه".

بعض الدروس والعبر في وفاته صلى الله عليه وسلم:

1- كان هذا الحدث الذي هو من أعظم مصائب المسلمين في دينهم، كا قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فإنه أعظم المصائب» (سبق تخريجه)، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه [تفسير القرطبي (2/176)].

2- إن قضية التوحيد أخطر قضية في حياة الإنسان، فقد كان ينادي بها صلى الله عليه وسلم قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه وفي حياته وفي لحظات مماته، ففي سكرات الموت يقول: «لا إله إلا الله»، وفي سكرات الموت يقول أيضًا: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (رواه البخاري رقم (437)، ومسلم رقم (530)).

3- الإنسان لا محالة ميت وملاقٍ ربه سبحانه وتعالى، ولا بدّ له من المثول أمام الله، والسؤال عن عبادته وأمانته وقد قال صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» (رواه أبو داود، رقم (5134)).

● أبرز المخالفات التي ارتبطت بهذا الشهر

الاحتفال بالمولد النبوي:

المولد هو وقت الولادة، والمراد به هنا: إقامة احتفالٍ بوقت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار الفرح والسرور بذلك.

ويكون ذلك عادةً بإقامة الولائم يصاحبها إقامة مجالس لقراءة الكتب التي أُلِّفت من أجلها، وهي مشتملة على ذكر مولده صلى الله عليه وسلم، وما صاحب ذلك من أحداث، وذكر شمائله، ومعجزاته، وتعداد أهل بيته، ومناقبهم.

حكم الاحتفال بالمولد النبوي:

إن بدعة المولد النبوي بدعة منكرة، يضلل فاعلها، لأن دين الله تعالى قد كمل ولله الحمد، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: من الآية 3]، قال الإمام مالك: «فما كان في ذلك اليوم دين، فهو دينًا، وما لم يكن في ذلك اليوم دينًا فليس من الدين» (الاعتصام للشاطبي (1/494)).

ولا شكَّ أن بدعة المولد أحدثها العبيديون حكام الدولة الفاطمية، وهم زنادقة ملاحدة، ولم يجرِ عليها عمل القرون الثلاثة المفضلة، فهي بدعة محدثة، وكل بدعة فهي ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة».

وكل أمر محدث فهو مردود على صاحبه بقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، قال النووي: "قال أهل العربية: الرد عنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به" (شرح صحيح مسلم (12/16)).

وقال: "وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات" [المرجع السابق]، وقال: "وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به" [المرجع السابق].

أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي:

قال المقريزي: "ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعيّة وتكثر نعمهم؛ كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد علي بن أبي طالب، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة الزهراء رضي الله عنهم، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه... إلى آخر سرده لتلك الأعياد والمواسم" [الخطط (1/490)].

"وأكد هذه النسبة إلى الفاطميين من المعاصرين الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية (المتوفى سنة 1354هـ)، بل ذكر أن أوّل من أحدثها بالتحديد منهم المعز لدين الله الفاطمي" [أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام لمحمد بخيت، (ص: 44-45)].

"واتفق الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مع الأستاذ علي محفوظ على أن الملك المظفر أبا سعيد إنما أحدث المولد النبوي بمدينة إربل في القرن السابع بعد الفاطميين" [أحسن الكلام (ص: 52)، والإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ (ص: 126)].

هؤلاء الفاطميون لم يعترف بنسبهم إلى أهل البيت أحد من أهل العلم الثقات، بل ألفوا في الطعن والقدح فيهم الكتب والمحاضر، وشهدوا عليهم بالإلحاد والزندقة والإباحية. قال الباقلاني: "هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض" [نقلًا عن ابن كثير في البداية والنهاية (11/387)].

وكانوا يحدثون في هذه الاحتفالات أمورًا شنيعة ذكرها المقريزي في خططه عقّب عليها الشيخ محمد بخيت المطيعي بقوله: "وأنت إذا علمت ما كان يعمله الفاطميون في المولد النبوي جزمت بأنّه لا يمكن أن يحكم عليه بالحلّ" [أحسن الكلام (ص: 52)].

فهذا الاحتفال لا شكّ أنّه محدث بعد القرون الثلاثة، وأن الذين أحدثوه هم من أخبث الفرق التي انتسبت إلى الإسلام إن لم تكن أخبثها.

قاموا على هذه الاحتفالات بغية التأثير على العامة المحرومين، ظنًّا منهم أن هذه الموالد ستؤكد نسبهم المزعوم، فوسعوا على الناس فيها، وصرفوا الأموال الطائلة عليها، فأقبل الناس على تلك الموائد العظيمة التي كانت تُعدُّ لهم، وصاروا ينتظرونها كل عام بنفس مستشرفة، وهكذا توالت السنوات، وتعارف الناس عليها؛ حتى صارت عقيدة يموت عليها الكبير، وينشأ عليها الصغير، ثم انتهت دولة بني عبيد ولكن الاحتفال بها استمر إلا من هدى الله واستمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ومن طريف ما يذكر من منكرات هذا المولد، أن السيوطي ذكر في كتابه الحاوي: "أن الملك المظفر مبتدع بدعة المولد -أخذها عن حكام بني عبيد- قد أعد سماطًا في أحد الموالد التي يقيمها، وضع عليه خمسة آلاف رأس غنم مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبديَّة، وثلاثين ألف صحن حلوى، وأنه أقام سماعًا للصوفية من الظهر إلى الفجر، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين" [مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي (681-682)].

قال الشيخ أبو بكر الجزائري: "فكيف تحيا أمة ملوكها دراويش يرقصون في حفلات الباطل؟! و {{C}{C}إِنِّا لِلهِ وَإِنِّا إِلَيهِ رَاجِعُون{C}{C}}" [الإنصاف (ص: 362) مطبوعة ضمن مجموعة رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي].

القيام في المولد:

القيام الذي يكون في المولد يسمّى بـ (الفزة) ومرادهم منه القيام بسرعة، وذلك عند ورود ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه إلى الدنيا، ويسمّى عندهم أيضًا بـ (الحضرة)؛ لأنّ كثيرًا منهم يزعم أنّ روح النبي صلى الله عليه وسلم تحضر عندها، ويقولون: (حضر، حضر)، ويتركون النافذة مفتوحة لتدخل روح النبي صلى الله عليه وسلم منها، فجمعوا بين البدعة وبين إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يجعلونه مخالفًا لما أمر الله به في كتابه قال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: من الآية 189].

هذا القيام قد استحبَّه صاحب رسالة [(حول الاحتفال) (ص 24-31)]، مع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته نهى عنه وكرهه من الصحابة، فكيف يقع استحبابه عليه في بدعة الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم.

قال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا» (أخرجه أحمد (21677)، وأبو داود (5230)).

وقال أنس رضي الله عنه: "ما كان شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" (أخرجه أحمد (11936)).

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد كره القيام له، ونهى عنه وأخبر أنه من فعل الأعاجم، فكيف بالقيام عند ذكر ولادته وخروجه إلى الدنيا؟! فهذا أولى بالنهي لجمعه بين البدعة والتشبه بالأعاجم. والقوم لا يقفون عند هذا الحد، بل يزعمون أن هذا القيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم لأجل أن روح النبي تحضر في ذلك الوقت، وأنه يصافح المجتمعين في المجلس، وهو اعتقاد ليس عليه كتاب ولا سنة، ولا أثر عن خير القرون.

● الأشعار الشركية التي تُتلى في المولد:

الأشعار التي فيها الشرك الصريح؛ لا يرى القوم في روايتِها شيئًا من ذلك؛ لأنّهم يرون أنّ الكاف في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» للتمثيل، أي: لا تقولوا فيَّ قول النصارى في عيسى، وقولوا ما سوى ذلك؛ لذلك يقول البوصيري:

 

دع ما ادعته النصارى في نبيهم *** واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف *** وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له *** حدٌّ فيعرب عنه ناطق بنعم



والصحيح أن الكافَ في الحديث للتعليل وليست للتشبيه كقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً} [البقرة: من الآية 151]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: من الآية 191]، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينهى أمته عن إطرائه الموصل إلى الغلو؛ لأجل ما حصل للنصارى، فقالوا: عيسى ابن الله.

ويبين ذلك ويوضحه ما حكاه عبد الله بن الشخير، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: «السيد هو الله تبارك وتعالى». قلنا: وأفضلنا فضلًا وأعظمنا طولًا، فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» (رواه أبو داود (4806)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (4021)).

فهم يتقربون إلى الله بالشرك، ويمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم بما حارب عليه المشركين، فما أشدّ ضلالهم وأبعدهم عن الهُدى.

● الآثار الناتجة عن بدعة المولد:

1- التعبد لله تعالى بما لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما حكم بأنّه ضلالة.

2- القدح في كمال الشريعة الإسلامية، وردّ قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: من الآية 3].

3- الطعن في أمانة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يؤدِ الأمانة، ولم ينصح الأمة.

4- يصير هذا اليوم عيدًا يحرم فيه الصوم ويُمنع، كما أفتى بذلك ابن عبَّاد وابن عاشر، وبيَّنه الحطَّاب [في مواهب الجليل (2/406)].

قال أحمد بن بابا: "قال ابن عباد في رسائله: كنت قدمًا خرجت يوم مولده صلى الله عليه وسلم إلى ساحل البحر، فوجدت هناك السيد الحاج ابن عاشر وجماعة من أصحابه معهم طعام يأكلونه، فأراد منّي الأكل، فقلت: إني صائم، فنظر إليَّ السيد الحاج نظرة منكرة، وقال: هذا يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصوم كالعيد، فتأملت مقاله فوجدته حقًا، وكأنه أيقظني من النوم" [الديباج المذهب في أعيان المذهب (ص: 71)].

5- الطعن في محبة الصحابة، حيث لم يقيموا له مولدًا.

6- التشبه بالنصارى في احتفالهم بعيد ميلاد عيسى؛ جاء في التبر المسبوك في ذيل السلوك للسخاوي (ص: 14) في معرض تقريره أن الاحتفال يوافق اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر".

فتعقبه الملا علي قاري في المورد الروي في المولد النبوي بقوله: "مما يرد عليه أنّا أُمِرنا بمخالفة أهل الكتاب" (ص: 29-30).

7- اعتقاد ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر، وهو ما قرره القسطلاني المواهب اللدنية (1/135-136)، فردَّ عليه الملا علي قاري بقوله: "أغرب القسطلاني، وقال: ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة ذكرها، حيث لا يفيد الإطلاق مع أن الأفضلية ليست إلا لكون العبادة فيها أفضل بشهادة النص القرآني، {{C}{C}لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ{C}{C} [القدر: 3]، ولا تعرف هذه الأفضلية لليلة مولده، لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا عن أحد من علماء الأمة" المورد الروي (ص: 97).

8- الإسراف في المولد النبوي إسرافًا شديدًا جدًا، حتى قال محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية: "وأنت إذا علمت ما كان يعمله الفاطميُّون ومظفر الدين في المولد النبوي جزمت بأنه لا يمكن أن يحكم عليه بالحل" [سبقت الإشارة إليه].

9- ما اشتملت عليه هذه البدعة من المنكرات الأخلاقية، مثل:

أ- استعمال الأغاني وآلات الطرب، قال ابن الحاج: "مضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضَّلها الله، وعظمها ببدع ومحرمات" [القول الفصل (ص: 654)].

 

يا عصبة ما ضرَّ أمَّة أحمد *** وسعى على إفسادها إلَّا هي
طار ومزمارٌ ونغمة شادنٍ *** أرأيت قط عبادةً بملاهي؟!



ب- قلة احترام كتاب الله؛ فإنهم يجمعون بينه وبين الأغاني.

ج- الافتتان بالمردان؛ فإن الذي يغني في الاحتفالات ربما يكون شابًا جميل الصورة نظيف الكسوة حسن الهيئة.
د- اختلاط الرجال بالنساء.

10- تصيير المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، بسبب وقوعه في هذه الليلة.

11- رواية الأحاديث الموضوعة المنكرة، مما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (أخرجه البخاري (107)، ومسلم (2))، وقوله: «من حدَّث عني بحديث يُرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين» (أخرجه مسلم في المقدمة (ص: 9)).

12- اعتقادهم أن في هذا اليوم ساعة لا يوافقها عبدٌ بالدعاء إلا أجيبت دعوته، قياسًا على يوم الجمعة.

13- تلاوة الأشعار في مدح النبي صلى الله عليه وسلم على ما فيها من معانٍ شركية صارخة [من الملف العلمي للمولد النبوي بموقع المنبر].

فتاوى أهل العلم المعتبرين في بيان حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي:

سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله السؤال التالي:

هل يحل للمسلمين أن يحتفلوا في المسجد ليتذكروا السيرة النبوية الشريفة في ليلة 12 ربيع الأول بمناسبة المولد النبوي الشريف بدون أن يعطلوا نهاره كالعيد؟ واختلفنا فيه، قيل: بدعة حسنة، وقيل: بدعة غير حسنة؟

فأجاب رحمه الله بما يلي: "ليس للمسلمين أن يقيموا احتفالًا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة 12 ربيع الأول، ولا في غيرها، كما أنه ليس لهم أن يقيموا أي احتفال بمولد غيره عليه الصلاة والسلام؛ لأن الاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بمولده في حياته صلى الله عليه وسلم وهو المبلغ للدين والمشرع للشرائع عن ربه سبحانه ولا أمر بذلك ولم يفعله خلفاؤه الراشدون ولا أصحابه جميعًا ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة. فعلم أنه بدعة وقد قال صلى الله عليه وسلم: «{C}{C}من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد{C}{C}» (متفق على صحته)، وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري جازمًا بها: «{C}{C}من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ{C}{C}» (رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718)).

والاحتفال بالموالد ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بل هو مما أحدثه الناس في دينه في القرون المتأخرة فيكون مردودًا، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في خطبته يوم الجمعة: «{C}{C}أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة{C}{C}» (رواه مسلم في صحيحه برقم (867) وأخرجه النسائي بإسناد جيد وزاد: «{C}{C}وكل ضلالة في النار{C}{C}»).

ويغني عن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم تدريس الأخبار المتعلقة بالمولد ضمن الدروس التي تتعلق بسيرته عليه الصلاة والسلام وتاريخ حياته في الجاهلية والإسلام في المدارس والمساجد وغير ذلك، من غير حاجة إلى إحداث احتفال لم يشرعه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يقم عليه دليل شرعي.. والله المستعان، ونسأل الله لجميع المسلمين الهداية والتوفيق للاكتفاء بالسنة والحذر من البدعة" [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ بن باز رحمه الله (4/289)].

2- سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي فأجاب قائلاً:

أولًا: ليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ليست معلومة على الوجه القطعي، بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول وليست ليلة الثاني عشر منه، وحينئذ فجعل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه لا أصل له من الناحية التاريخية.

ثانيًا: من الناحية الشرعية فالاحتفال لا أصل له أيضًا، لأنه لو كان من شرع الله لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، أو بلغه لأمته ولو فعله أو بلغه لوجب أن يكون محفوظًا لأن الله تعالى يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فلما لم يكن شيء من ذلك علم أنه ليس من دين الله، وإذا لم يكن من دين الله فإنه لا يجوز لنا أن نتعبد به لله ﻷ ونتقرب به إليه، فإذا كان الله تعالى قد وضع للوصول إليه طريقًا معينًا وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟ هذا من الجناية في حق الله ﻷ أن نشرع في دينه ما ليس منه، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3].

فنقول: هذا الاحتفال إن كان من كمال الدين فلا بد أن يكون موجودًا قبل موت الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن لم يكن من كمال الدين فإنه لا يمكن أن يكون من الدين لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ومن زعم أنه من كمال الدين وقد حدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن قوله يتضمن تكذيب هذه الآية الكريمة، ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام، وإظهار محبته وتنشيط الهمم، على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي صلى الله عليه وسلم، وكل هذا من العبادات، محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، عبادة، بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم من العبادة، كذلك إلهاب العواطف نحو النبي صلى الله عليه وسلم من الدين أيضًا لما فيه من الميل إلى شريعته.

إذًا فالاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم عبادة وإذا كان عبادة فإنه لا يجوز أبدًا أن يحدث في دين الله ما ليس منه، فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم.

ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة مالا يقره شرع ولا حس ولا عقل فهم يتغنون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول، عليه الصلاة والسلام، حتى جعلوه أكبر من الله والعياذ بالله ومن ذلك أيضًا أننا نسمع من سفاهة بعض المحتفلين أنه إذا تلا التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله: "ولد المصطفى" قاموا جميعًا قيام رجل واحد يقولون: إن روح الرسول صلى الله عليه وسلم، حضرت فنقوم إجلالًا لها وهذا سَفه، ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يكره القيام له فأصحابه وهم أشد الناس حبًّا له وأشد منا تعظيمًا للرسول، لا يقومون له لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي فكيف بهذه الخيالات؟!

هذه البدعة -أعني بدعة المولد- حصلت بعد مضي القرون الثلاثة المفضلة، وحصل فيها من هذه الأمور المنكرة التي تخل بأصل الدين، فضلًا عما يحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات. ا.هـ [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (2/297)، فتوى رقم (350)].

3-سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء السؤال التالي:

ما حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول تعظيمًا له عليه الصلاة والسلام؟

فأجابت اللجنة بما يلي:

تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه إنما هو: بالإيمان بكل ما جاء به من عند الله، واتباع شريعته عقيدة وقولًا وعملًا وخلقًا، وترك الابتداع في الدين، ومن الابتداع في الدين الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم [فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فتوى رقم (3257)].

وقالت اللجنة في فتوى أخرى:

الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم بدعه: لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله لنفسه، ولا أمر بفعله، ولم يفعله أحد من الصحابة ي له، وهم أحرص الناس على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، والخير كله في اتباع هديه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (المصدر السابق، فتوى رقم (5005)).

حقيقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم:

إنَّ محبَّة النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده» (رواه مسلم (44))، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (أخرجه البخاري (15)، ومسلم (44)).

قال ابن رجب: "محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله ﻷ، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدّم عليهما محبة شيء من الأمور المحببة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: {{C}{C}قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ{C}{C}} [التوبة: 24].

ولما قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلَّا من نفسي فقال: «{C}{C}لا يا عمر، حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك{C}{C}» فقال عمر: والله أنت أحبُّ إليَّ من نفسي، قال: «{C}{C}الآن يا عمر{C}{C}» (أخرجه البخاري (6630)، فتح الباري لابن رجب (1/48)).

ولا تتم هذه المحبة إلَّا بالطاعة، قال تعالى: {{C}{C}قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ{C}{C}} [آل عمران: من الآية 31]، وعلامة ذلك تقديم محبة الرسول على محبة كلِّ مخلوق، وذلك فيما إذا تعارض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أوامره وداعٍ آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة؛ فإن قدَّم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي كان دليلًا على صحة المحبة.

وإنما تنشأ هذه المحبَّة عن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به، ولا سبيل إلى المحبَّة إلا بالطاعة، ولا سبيل إلى طاعته إلا بالمتابعة.

ومحبة الرسول كما يقول ابن رجب على درجتين:

- إحداهما فرض: وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات، والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات والرضى بذلك، وأن لا يجد في نفسه حرجًا مما جاء به، ويسلم تسليمًا، وأن لا يتلقى الهدى عن غير مشكاته، ولا يطلب شيئًا من الخير إلَّا مما جاء به.

- والدرجة الثانية فعلٌ مندوب إليه: وهي ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه، وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه، وفي أخلاقه الباطنة من كمال خشيته لله ومحبته له، وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه، وتعلق قلبه به دائمًا، وصدق الالتجاء إليه، والتوكل والاعتماد عليه، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها، ودوام لهج القلب واللسان بذكره، والأنس به، والتنعم بالخلوة ومناجاته، ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر.

وكان أبو بكر رضي الله عنه أكمل الخلق في المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان أكمل الخلق محبَّة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هو رضي الله عنه ولا غيره من الصحابة وهم أكمل الناس حبًّا للنبي صلى الله عليه وسلم يقيمون احتفالًا بيوم مولده، ولا رأوا أن ذلك دليلًا على الحبِّ.

فليس الحب دعوى باللسان وإلا لادَّعاه كلُّ أحد، قال الحسن البصري رحمه الله: "قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنّا نحبُّ ربنا، فأنزل الله عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: من الآية 31] فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عَلَمًا لحبه، وعذاب لمن خالفه" [أخرجه ابن جرير في تفسيره (3/232)].

وقد جاء في تفسير هذه الآية أنها نزلت في وفد بني نجران من النصارى، وأنه أمرٌ من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفد نجران الذين قدموا عليه من النصارى: إن كان الذي تقولونه في عيسى من عظيم القول إنما تقولونه تعظيمًا لله وحبًّا له فاتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك عهد عيسى؛ إليكم [تفسير ابن جرير (3/232)].

لماذا نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟

1- موافقة مراد الله تعالى في محبته، فقد اتخذه سبحانه خليلًا وهو أحب الخلق إليه وأثنى عليه وأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم، فكان لِزامًا على المسلم أن يحبه صلى الله عليه وسلم.

2- مقتضى الإيمان: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينًا أن من مقتضى الإيمان حب النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره: «{C}{C}والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين{C}{C}» (رواه البخاري رقم (15)، ومسلم رقم (45)).

3- لشدة محبته صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته: فقد وصفه ربه {{C}{C}لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ{C}{C}} [التوبة: 128].

ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: تلا قول الله عز وجل في إبراهيم عليه السلام: {{C}{C}رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي{C}{C}}[إبراهيم: من الآية 36] الآية، وقال عيسى عليه السلام: {{C}{C}إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{C}{C}} [المائدة: 118]، فرفع يديه وقال: «{C}{C}اللهم أمتي أمتي{C}{C}»، وبكى، فقال الله عز وجل: «{C}{C}يا جبريل اذهب إلى محمد، وربُّك أعلمُ، فسلهُ ما يُبكيكَ{C}{C}؟»، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلمُ، فقال الله: «{C}{C}يا جبريلُ، اذهب إلى محمدٍ، فقل: إنَّا سنُرضيكَ في أُمتِكَ، ولا نسُوءُكَ{C}{C}» (رواه مسلم (346)).

4- لبذله جهدًا كبيرًا في دعوة أمته وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

دلائل محبته صلى الله عليه وسلم ومظاهر تعظيمه:

1- تقديم النبي صلى الله عليه وسلم على كل أحد:

قال تعالى: {{C}{C}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{C}{C}} [الحجرات: 1]، وقال تعالى: {{C}{C}قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{C}{C}} [التوبة: 24]، فعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقدم عليه أي شيء مهما كان شأنه.

2- سلوك الأدب معه صلى الله عليه وسلم:

وذلك بأمور:

أ- الثناء والصلاة والسلام عليه لقوله تعالى: {{C}{C}إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً{C}{C}} [الأحزاب: 56].

ب- التأدب معه عند ذكره بألا يذكر إلا مقرونًا بالنبوة أو الرسالة كما قال تعالى: {{C}{C}لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً{C}{C}} [النور: من الآية 63].

جـ- الأدب في مسجده وكذا عند قبره وترك اللغط ورفع الصوت.

د- توقير حديثه والتأدب عند سماعه وعند دراسته كما كان يفعل سلف الأمة وعلمائها في إجلال حديثه صلى الله عليه وسلم.

3- تصديقه فيما أخبره به:

وهذا أصل من أصول الإيمان.

4- اتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعته والاهتداء بهديه:

فطاعة الرسول هي المثال الحي والصادق لمحبته ولهذا قال تعالى: {{C}قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

5- الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم:

فهذا من علامات المحبة وقد سطّر الصحابة أروع المثل وأصدق الأعمال في الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم وفدوه في حياته صلى الله عليه وسلم بالمال والأنفس والأولاد في المنشط والمكره.

ومن وسائل الدفاع عنه بعد وفاته:

1- نصرة دعوته ورسالته بكل ما يملك المرء.

2- الدفاع عن سنته بحفظها ونشرها وتنقيحها ورد الشبهات عنها.

3- نشر السنة وتبليغها بين الناس.

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حقًا ومن المتبعين لسنته غير مبتدعين في الين ممتثلين أمره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



سليمان بن جاسر الجاسر