حرب فرنسا على مالي... إعادة غزو العالم الإسلامي (الركن الأفريقي)

هل من يقتل مليون شخصاً في الجزائر، من يغتصب نسائهن، ويبقر بطون حواملهن؟ هل يرق قلبه لامتعاض بعض سكان شمال مالي من بعض السلفيين، يهدمون أضرحة أو ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية؟

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -



1- حقوق إنسان أم وعود شيطان: سؤال ساذج!
هل من يقتل مليون شخصاً في الجزائر، من يغتصب نسائهن، ويبقر بطون حواملهن؟ هل يرق قلبه لامتعاض بعض سكان شمال مالي من بعض السلفيين، يهدمون أضرحة أو ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية؟ هل من يسرق خيرات وموارد أفريقيا، ويترك أطفالها مرضى وجوعى وعرايا، يموتون يومياً من نقص في غذاء أو دواء؟ هل هذا يرق قلبه لحقوق الإنسان في مالي، ضد ما يراه خطر حكماً إسلامياً؟

2- التشدد لإسلاميين مالي: قد رأينا صوراً ممنهجة في الإعلام ذو المركزية الغربية منذ فترة، لمقاتلين إسلاميين يهدمون أضرحة بشمال مالي يقولون نطبق الشريعة، في عالمنا الإسلامي هناك من يرى في هذا إيجابية، ويعتقد أن هدم الأضرحة واجب، وهناك من يستنكر ويدين، لكن الحل أساسه إسلامي إسلامي، وقد كان الدعاة في أمتنا على استعداد للتحاور مع السلفيين الجهاديين، في هذه المسألة وكان يمكن الاتفاق، إلا أن فرنسا لم تعطي أحداً المجال، وما كان يمكن مناقشته بنموذج السلفية السلمية في مصر وغيرها، انتهى لتجعل خيار الجهاد هو الوحيد وليس الحوار.

3- المصالح الفرنسية: علمتنا السياسة الغربية تاريخياً، أن المصلحة والصراع هما أساس حركتهم الدولية، فها قد زحفت قوىً جديدة على مناطق النفوذ الإستراتيجي الفرنسي، ولا يمكن لفرنسا ولا الاتحاد الأوربي مجتمعين أن يواجهوا اقتصادياً الصين، وقد كشفت دراسات الشركات الصينية لموارد النفط والغاز، التي حاول الغرب إخفاءها كاحتياطي، مؤكداً منذ فترة أنه لا توجد بتلك الصحراء تلك الثروات، فضلاً عن يورانيوم وذهب وثروات أخرى، فما كان أمام فرنسا إلا حذو أمريكا في العراق وأفغانستان، فالقوة العسكرية على الأرض هي وسيلة مقايضة الصين والآخرين.

4- المدخل الحضاري للصراع: شمال مالي يعني (تمبكتو)، أحد منارات نشر الإسلام والثقافة العربية الإسلامية عبر الصحراء إلى وسط وغرب أفريقيا، فما أبهى مخطوطاتها تحمل القرآن والسنة، تنثر الشعر والأدب، بلسانٍ عربي مبين، شمال مالي يعني (جاو) مركزاً اقتصادياً، جسراً تجارياً بين العرب والأفارقة... الصحراء الكبرى لم تكن حاجزاً بين العرب والأفارقة، بل كانت بحراً من الرمال ماج بسياحة وعلم وتجارة، وفيه اشترى الطوارق عمامتهم الكبيرة من مصر وأطلقوا عليها مصر، وحصلوا من مصر على الذرة التي يقال لها شامية وهم سموها بالذرة المصرية، من مالي كانت الممالك الإسلامية وكان المعمار الإسلامي المالي، الذي انتشر في غرب أفريقيا، لنرى المساجد بأربع مآذن يتوسطها قبة جميلة، وهنا ضرب شمال مالي حضارياً كضرب بغداد.

5- الجزائر في الميزان بعد ضرب ليبيا: إن مشروع إعادة غزو عالمنا الإسلامي، يقوم عليه قوى دولية تهدف إلى مصلحتها، وهنا يأتي ما أسميه بالمسئولية الحضارية لأركان الأمة، نعم مازال يضربنا الفقر وآثار الاستبداد والفساد والاحتلال، لكن كل ركن يسأل عن دوره الحضاري، فإذا كان حماية غزة ودعمها أول ما يسأل عنه مصر، وظهرها عالمنا الإسلامي، فإن أول من يسأل عن ضرب مالي هي الجزائر، ومن ورائها العالم الإسلامي، كان القذافي وإن اخلتفنا معه، شوكة لفرنسا في الصحراء، وقد كتب له الطوارق بدمهم ولاءً، فكان لا بد من أن تسعى فرنسا للتخلص منه، فمنذ عامين صرح برفضه لفكرة إقامة قاعدة عسكرية فرنسية في الصحراء الأفريقية، وتبقى المسئولية للجزائر، ولنختبر قوتها ومدى فهم وإخلاص نظامها الحاكم لأمنهم القومي.

6- التركيبة القبلية للمنطقة: أغلب سكان شمال مالي هم من الطوارق، وهي قبيلة تعيش في ظروف أقرب إلى صحراء الجزيرة العربية، فالطوارق أقرب إلى البدو في قسوة الحياة، والرعي وجلد الرجال والذكاء، والقدرة المتميزة على استخدام السلاح للحماية من السرقة ووحوش الصحراء، لونهم بدرجات البني ومنهم الأسود يلقبونه بالبوذو وجميعهم مسلمون، ويلقبون أنفسهم بحماة الصحراء، وقد أرهقوا فرنسا بمقاومة كبيرة مع بداية غزوها للمنطقة في القرن العشرين، العصبية والقبلية عندهم كبيرة، ويشعرون بظلم لعقود بأن سلم المحتل الفرنسي حكمهم للجنوبيين السود، لا يقبلون نفسياً أن يحكمهم أفريقي أسود، وقد همشوا لعقود فتراكم في نفسيتهم الرغبة في الثورة، وأعلى درجات مطالبهم أن تجمعهم دولة في الصحراء..

لكنهم في رأيي يقبلون بحكم فيه عدل مع الأفارقة السود، يميلون للعرب، وكانوا طالبوا فرنسا بأن تضمهم للجزائر، إلا أنها رفضت، وفي ظني هذا من سياسة ذراعة الكراهية والتفرقة لإيجاد طريق لإعادة الغزو في الوقت المناسب كما نرى الآن.

يدخل في المعادلة قبائل عربية في موريتانيا، قوية ماهرة في القتال، تعشق الدين، تشدو بأشعار عربية هزت قلوب الطوارق الأقوياء، فمزجت بينهم اجتماعياً، وما بين العرب والطوارق تأتي قبيلة التوبو المسلمة، كذلك تمتلك ذات الروح الإيمانية القتالية، خاصة إذا كانوا من أهل تشاد، حيث الاشتهار بالشجاعة والقتال، فهم صوماليو غرب أفريقيا، وهنا يرى من يعرف المنطقة بأن قوات أفريقية مجتمعة لا يمكنها هزيمة هؤلاء، والسؤال هنا، هل تضرب فرنسا ثم تنسحب لتترك الأفارقة يتطاحنون، أم تضرب فتحقق انتصارات؟ لكنها ستستنزف مما يجعلها في النهاية تنسحب وتترك جراحاً وثأراً بين الأفارقة من ناحية، والعرب والطوارق والتوبو من ناحية أخرى، وهذا في رأيي ما تريده ففي التفرقة سيادتها.

7- قوات أفريقية وهمية ووهم القوة الفرنسية: عندما تتنقل براً بين بلاد غرب أفريقيا، فإنك تجد فارقاً كبيراً في الطبيعة المناخية، فالنيجر وتشاد ومالي صحراء، ويميلون لدرجات الحرارة المرتفعة، لكن بدءاً من بوركينا فاسو فنيجيريا وحتى ساحل العاج والسنغال، فإنك ترى غابات، والمناخ مختلف في دول تطل على محيط، بينما دول الصحراء حبيسة بلا بحار، وهنا تختلف التدريبات العسكرية، فقتال الصحراء يختلف عن قتال الغابات، والقوات الأفريقية القادمة حتى من بلاد أنجلوفون كنيجيريا وإن كانت لديها قدرة قتالية في الغابات، لكن ميدان الصحراء مختلف فيضعف من قدراتها، أما عن قوات دول الفرانكفون، فإنك ترى وهم على وهم، ففرنسا أرادت لجيوش هذه الدول أن يميل تعليمها للأمور المراسمية، كالتحية وطابور الانضباط أكثر من الأمور القتالية، حتى أن المدارس العسكرية الفرنسية غالباً ما يتخرج منها عسكريون أفارقة، قادرين على القيام بانقلابات عسكرية أكثر منها الدخول في معارك قتالية، وهذا لا يقارن مع مقاتلين من قبائل صحراوية قوية لديهم عقيدة قتالية راسخة..

أما عن وهم قوة فرنسا، فنعم فرنسا قوة فوق إقليمية -لا أقول دولية كأمريكا أو روسيا والصين في رأيي- لديها خبرة قتالية تاريخية في أفريقيا، لكن الزمان قد تغير، فمدافع نابليون التي واجهها المماليك بالسيوف وانتصروا، أحياناً قد امتلك مقاتلين الصحراء أسلحة حديثة، ومعروف دائماً أن الغلبة تكون عند حرب العصابات للمقاومين على المدى الطويل، وبالتالي فنحن مقبلون على حرب طويلة ممتدة منتشرة في أكثر من إقليم، تستنفذ فيها العسكرية والمصالح الفرنسية، لكن في نهاية الأمر الضحية الأولى هم الشعوب الأفريقية الفقيرة وأطفالها، فهم وحدهم في هم الجوع والفقر والمرض، فما بالك بحرب تزد معاناتهم بتشريد ونزوح جماعي، سياسة لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية، والجزاء لا بد أن يكون من جنس العمل.

8- حرباً بالوكالة: يردد من يحلل ويؤيد ضربة فرنسا، مصطلحاً أنها ضربة لجماعات وكيلة عن تنظيم ما يسمى بالقاعدة في منطقة الساحل والصحراء، وهنا أتساءل أليس هناك نظماً أفريقية تتصدر مشهد الحرب وكالة عن فرنسا؟! يعني حلال عليكو حرام عليهم؟! عند الحديث عن الوضع الأمني في مناطق عديدة، يتم ذكر وجود مقاتلين أجانب، مما يزيد الخطورة ويبرهن على وجود تنظيم دولي إسلامي إرهابي، بينما نجد ما يسمى بقوات متعددة الجنسيات أي أكثر من جنسية، إذا فيها تنوع وأجانب! لماذا هذه مقبولة لكن الأخرى خطيرة وغير مقبولة؟!


يذكرون بأنها تنظيمات مسلحة خاصة، ليست شرعية، إذا فهي إرهابية، لكن يسمون شركاتهم المسلحة الخاصة شركات أمنية دولية! علماً بأن من يعمل بها من بلاد متعددة، لكن هنا مقبولة، أما عن وجودها في الصف الآخر فهي دليل إدانة، مع أن الأمر بسيط، فهو تنادي فكل صاحب فكر أو مصلحة ينادي من يشاطره الأمر ويعمل معه لهدف مشترك.. إنه الظلم الدولي حتى في تعريف المفاهيم.. إلا أن الأمر واضح وبسيط.


كريم حسين