وهذا يغضبه كثيرا أيها المحب!

مهدي بن علي قاضي

عن عائشة رضي الله عنها: «ما خير النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله».

  • التصنيفات: محبة النبي صلى الله عليه وسلم -


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:

إلى أمتنا الطيبة الخيرة كلها، أمة الخير والحب لرسولنا صلى الله عليه وسلم.

كَمْ تُفْرِحُ الغيرة -المنضبطة- التي رأيناها من الملايين من أمتنا تأثرا من الفيلم المسيء، وما حدث من تفاعلات يدل على عمق هذه المحبة في أمة الإسلام، ونسأل الله أن يعيد للأمة عزها لتؤدب المتطاولين المعتدين، ولتذيقهم مباشرةً الجزاء الذي يستحقونه.

ولكن لنتذكر أن رسولنا صلى الله عليه وسلم، لو كان بيننا لغضب من بعض صور التقصير الذي نعيشه في حق ديننا، أكثر من فيلم مسيء أنتجه كفرة حاقدون.


وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، ولكن يغضب إذا انتهكت محارم الله، ففي الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: «ما خير النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله».

قال الإمام النووي رحمه الله: "وانتهاك حرمة الله تعالى هو ارتكاب ما حرمه، وفي مجمع الزوائد عن أنس رضي الله عنه قال: «وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقم لنفسه من شيء إلا إن انتهكت لله حرمة، فإن انتهكت لله حرمة كان أشد الناس غضبا لله»، وكثيرا ما يقال عنه في وصفه صلى الله عليه وسلم أنه: كان إذا أوذي في نفسه لا ينتصر لها وإذا اعتدي على حرمات الله فإنه لا يقوم لشدة غضبه شيء" (1).


ومن أكثر المنكرات الظاهرة والمنتشرة والمُصرُّ عليها في عصرنا، منكرات الكثير من وسائل الإعلام والقنوات المرئية في بلاد المسلمين، والتي يجاهرُ فيها العظيم الجبار بطامات من المنكرات التي لا يرضاها سبحانه، بدءا من ظهور المذيعات والممثلات المتبرجات والكاسيات العاريات، وانتهاءً بعرض صور المجون والعلاقات المحرمة، والحب والخلاعة وقلة الحياء المفسدة للشباب والشابات..

ويصل الأمر إلى حد أن بعض المسلسلات والأفلام المعروضة، نجزم القول عنها أنها بطريقتها دعوة وتشجيع للزنا والحرام بطريقة غير مباشرة، هي أخطر من التشجيع المباشر الذي يُنتبهُ له ويُحذر منه، خاصة أنهم في هذا الإعلام يُسمون من يقومون بهذه المنكرات أبطالا وبطلات، فيخدعون بهم شباب وشابات الأمة، ويشجعونهم على هذه السلوكيات المنحرفة المعروضة، كما يلهونهم بذلك عن معالي الأمور وما ينفع الأمة ويُعزَّها.

وكيف لا يغضب حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وإعلام الأمة في مشارق الأرض ومغاربها -في أغلبه- يخالف أوامره في العديد من الأمور ليلاً ونهارا، بإصرار واستمرار ومجاهرة واضحة جلية.

ونحن أصبحنا بين مأساة قنوات تعرض المحرم والمنكر، وصحف تشجعه وتنشر دعايات عنه، وتتحدث عنه وعن من يقومون به وكانه أمر حلال، مع أنه محرم يبغضه العظيم رب العالمين.


ومن مشكلات منكرات الإعلام، أنها تربي وتُعوّد على التساهل بأوامر الشرع وكسرها حتى في أمور أخرى، بعد أن عودت وشجعت مجتمعات المسلمين على التساهل في رؤية المحرمات التي يعرضونها على مدى السنين والأعوام، أي أنها تكسر حاجز الخوف والتوقي من الذنوب، وتكون عاملا في إضعاف التقوى في نفوسنا وفي مجتمعاتنا.

وقد يستغرب بعض الكرام كثرة كلامي عن منكرات الإعلام، ولعل ما وضحته في السطور السابقة عن مدى انتشار هذا المنكر ومدى الجرأة على أوامر الله سبحانه فيه، وبعض آثاره التربوية يوضح ذلك، وأعود وأقول في سطرين أنه في عصرنا هذا أكثر ما يؤثر في الشعوب هو الإعلام المرئي، فإن كان الغالب المؤثر فيه يقود للخير، حدث الخير والفلاح والعكس صحيح، وكما قيل في المثل الياباني: "أعطني شاشة أعطيك شعبا".

وكلنا مسؤولون عن هذه المنكرات؛ بأن نبعدها أولا عن منازلنا وعن أي مكان نحن مسؤولين عنه، وبأن ننصح الآخرين ونذكرهم بحرمة هذه الأمور وواجب التناصح حولها، وبأن نُذكِّر من يقومون بنشرها في الأمة بأن يتقوا الله وأن يخافوا من مسؤوليتهم العظيمة تجاه نشرها ابتداءً، وتجاه ما يحدث نتيجةً لها من انحرفات وأخطاءٍ في أبناء أمتنا.

فهلا انتفضنا انتفاضا حقيقيا -حكيما- حباً لرسولنا صلى الله عليه وسلم تجاه هذه المنكرات، التي لا شك أنه لو رآها صلى الله عليه وسلم لتأثر منها ومن تساهلنا بها، ولعاتبنا عتابا كبيرا عليها.


وقبل الختام..
من المهم أن نتذكر أن هناك منكراً آخر أعظم من المنكر السابق يغضب رسولنا صلى الله عليه وسلم أشد الغضب لو أنه رآه، وهو: ما يحصل في الأمة من تخاذل وعجز عن إنقاذ إخواننا المسلمين الذين يقتلون ويضطهدون ويبادون أمام أعيننا، وإنما قُدِّمَ المنكر السابق لأنه مع غيره من المعاصي عموما من أسباب عيش الأمة أوضاع ذل وعجز وخذلان عن نصرة أبنائها المذبحين؛ لأن المعاصي تبعد التمكين عن الأمة، وتؤخر عودة عز الأمة الذي يجعلها في وضع تحمي فيه أبناءها مباشرة، وعندها لن يتجرأ الأعداء على إخواننا وأمتنا كما يفعلون الآن، بل إن هذا الهوان الذي سببته المعاصي خاصةً التي يُجاهر العظيم بها سبحانه، هو الذي أدى إلى عدم مبالاة الأعداء بنا وتطاولهم على رسولنا صلى الله عليه وسلم وعلى قيم ديننا ومقدساتنا، كما يفعلون مع دمائنا التي أصبحت للأسف الأرخص في عصرنا الحاضر.

نسأل الله أن يبرم لأمتنا أمر رشد يعود فيه عزها، وتُحمى فيه دماؤها، ويوقف فيه تطاول الكافرين، ويؤدب المعتدون.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

المصدر: موقع عودة ودعوة