مالي: جورج بوش فرنساوي.. اشتراكي!

طلعت رميح

فرنسا التي تحدَّثت كثيرًا عن رفضها ممارسات واعتداءات جورج بوش، عادت لتبدو أمام العالم وكأنَّ حاكمها هو جورج بوش، وفي هذه المرَّة تبدو المفارقة أنَّ رئيس فرنسا، هو زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، أي نحن أمام جورج بوش اشتراكي فرنسي، فيما يجعلنا نحن الآخرين نعيد التذكير بأنَّ مصالح الدُّول -الحقيقية الطَّبيعية أو الاستعمارية- لا تعرف تغييرًا في ثوابتها الإستراتيجية مهما تغيَّر الحكام، أو تغيَّرت الانتماءات السِّياسيَّة والحزبيَّة على رأس السُّلطة،

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -


بدت فرنسا متحمِّسة، أو لنَقُل أنَّها بدت متهوِّرة في تعاملها مع أزمة مالي، وإذا كانت إسطوانة الدِّفاع عن الشَّرعيَّة، ومقاومة الإرهاب والتَّطرف، والحرب على الإرهاب، هي ذاتها التي أطلقتها فرنسا، كقنابل دخان للتَّغطية على قرارها، قد أصبح متعودًا عليه، في مثل تلك الأشكال من العدوان الغربي على دول أخرى، فإنَّ هذا التحرُّك العسكري الفرنسي، جاء معيدًا ذكريات تاريخيَّة، وبات يطرح دلالات إستراتيجيَّة وسياسيَّة مهمَّة للغاية، بل يتوقَّع أن يغيِّر من التَّوازن في هذا الإقليم، وربَّما في وضعيَّة ودور فرنسا على الصَّعيد الدُّولي.


فرنسا التي تحدَّثت كثيرًا عن رفضها ممارسات واعتداءات جورج بوش، عادت لتبدو أمام العالم وكأنَّ حاكمها هو جورج بوش، وفي هذه المرَّة تبدو المفارقة أنَّ رئيس فرنسا، هو زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي، أي نحن أمام جورج بوش اشتراكي فرنسي، فيما يجعلنا نحن الآخرين نعيد التذكير بأنَّ مصالح الدُّول -الحقيقية الطَّبيعية أو الاستعمارية- لا تعرف تغييرًا في ثوابتها الإستراتيجية مهما تغيَّر الحكام، أو تغيَّرت الانتماءات السِّياسيَّة والحزبيَّة على رأس السُّلطة، حتَّى إن قيل لنا: هذا اشتراكي، وذاك ليبرالي، فالأمر لا يتغيَّر في التَّعامل معنا، ومع قضايا أمَّتنا.

فرنسا تعود لتصعيد دورها الاستعماري بالقوَّة العسكريَّة، هذا ما أفادت به أحداث الثورة الليبيَّة، ومن قبلها كانت هناك أحداث ووقائع أخرى في أفريقيا، غير أنَّ الأمر في هذه المرَّة جاء أشد وضوحًا؛ إذ نحن أمام حرب فرنسيَّة شاملة على مالي، أيًّا كانت المبرِّرات، وأساليب الحشد والتَّعبئة الجارية؛ لدولٍ في المحيط الجغرافي لمالي.
فرنسا تحارب الآن في مالي، مثلما فعلت أمريكا في العراق وأفغانستان، ويقوم جيشها بعمليَّة احتلال لهذا البلد، بعيدًا عن ألاعيب السِّياسة والدُّبلوماسيَّة والإعلام، وبعيدًا عن كلِّ الحكايات التي تُروى عن تهديد حكم شرعي، وعن أعمال إرهابيَّة.
 

فرنسا لا تدافع هناك إلا عن مصالحها الاستعمارية، هذا ما يجرى باختصار في الحرب الجارية في مالي، وفرنسا تخوض تلك الحرب، من أجل وقف حالة تراجع نفوذها الاستعماري أمام الهجوم الأمريكي والصِّيني والرُّوسي وغيرها.

هذه هي الحالة بصراحة شديدة ودون مواربة، فالمتابع لما يجرى في أفريقيا، يعرف أن الدُّول الكبرى تتصارع هناك بمختلف الطُّرق والوسائل، وأنَّ فرنسا صاحبة السَّبق والوجود الاستعماري، وأنَّها الدولة الأشد تراجعًا في هذا السِّباق في السَّنوات الأخيرة، باعتبار أفريقيا أحد أهمِّ مناطق العالم التي سيطرت عليها فرنسا -من بين الدول الاستعمارية منذ زمن طويل- وظلَّت هناك وحدها لفترة طويلة. أمَّا الحديث عن مشاركة دول الجوار لمالي في العمليات، ومشاركة قوات أفريقية تحت هذا العنوان أو ذاك، فكلُّ ذلك يندرج تحت عناوين ثلاثة:
1- فرنسا لا تريد أن تبدو في موقع الخارج على القانون الدولي -الاستعماري- ولذا سعت منذ البداية إلى أخذ قرار مستعجل (على الطاير) من مجلس الأمن الدولي.
2- المخطط الفرنسيُّ في الحرب على مالي، لا يستهدف مالي وحدها، بل هو عنوان لحرب وتغيير إستراتيجي في كلِّ دول محيط مالي، تمامًا كما فعلت أمريكا بباكستان، ودول السَّاتانات الإسلامَّية الخمس: أفغانستان، طاجكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان.
3- فرنسا تعلَّمت من أمريكا وتجربتها في أفغانستان وحروب الخليج، أنْ يتحمَّل الآخرون تكاليف نشاطها الحربي الاستعماري، ولذا هي تسعى لوجود عسكري، ومساهمة ماليَّة من دول الإقليم والخارج.

خطأ إستراتيجي:
 

لكن! فرنسا حين تخوض تلك الحرب، أو تقوم بهذا التدخل العسكري، ترتكب خطأ إستراتيجيًا كبيرًا وخطيرًا؛ إذ يمكننا القول بأنَّ فرنسا دخلت إلى حرب، ستكون الأخطر على دورها ونفوذها في أفريقيا، أو ستكون الحماقة الأكبر في تاريخها الحديث، منْ بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م، الذي كان إعلانًا نهائيًا بضعفها وخروجها من ساحة الفعل العسكري الاستعماري؛ إلا اذا قررت القيام بضربة إجهاضيَّة، دون الوقوع في فخِّ الاستنزاف الإستراتيجي لمقدراتها. خطؤها ناتج عن ردة فعل عسكرية، فقد تراجعت قدراتها ونفوذها في أفريقيا، التي كانت العنوان الأبرز الدائم لها في العالم، حتَّى اعتبرتها قارة النفوذ والمصالح الفرنسية الخارجية، أو لنَقُل أنَّ دور القوة النَّاعمة الفرنسية التي اعتمدت طوال الفترة الماضية، مع قدْرٍ مكثَّفٍ من النَّشاط الاستخباراتي العسكري، لم تعد قادرة على الصُّمود أمام دول أخرى، سعت لتوسيع المصالح والدور والنفوذ على حساب فرنسا في أفريقيا، هو ما دفع فرنسا لاستخدام جيشها لإعادة بسط دورها ونفوذها بالقوَّة.

فرنسا اتخذت القرار الخطأ في التَّوقيت الخطر، وستصبح مالي بمثابة أفغانستان فرنسا، وسينتج عن الحرب ما نتج لأمريكا في أفغانستان وأكثر، لأسباب كثيرة من بينها اختلاف قدرات البلدين، والقرار الفرنسي يُظهر أنَّ فرنسا لم تقرأ جيدًا ما يجري في العالم، وما جرى جديدًا في أفريقيا. ويمكن القول بأنَّ فرنسا طاش عقلها، وعادت إلى الفكرة الاستعمارية التقليدية، جرَّاء ما رأت نفوذها يُتعرَّض له، وأنَّها قرأت جانبًا من الحالة الصِّراعية مع المنافسين الدوليين الكبار، دون أن تقرأ أنَّها حتَّى لو نجحت فإنَّها ستكون منهكة في الصِّراع مع الطَّرف الذي لم تدرك أبعاد قوَّته، لتصبح في وضع من يُهدي انتصاره إلى منافسيه الأمريكان والصِّينيين والرُّوس والألمان!

تلك البقعة من العالم الممتدَّة من الصُّومال على المحيط الهادي إلى موريتانيا على ساحل المحيط الأطلسي، هي أهمُّ منطقة في أفريقيا الحاضرة على صعيد الصِّراع الدولى؛ إذ تضمُّ دول الحدث والصِّراع من الصُّومال إلى أريتريا إلى أثيوبيا إلى السُّودان إلى النَّيجر ونيجريا وكينيا إلى مالي إلى موريتانيا، وهذه الدول لم تشهد تنمية حقيقية في واقع الحال، طوال مرحلة ما بعد الاستقلال الشكلي، ورغم أنَّها من دول الثَّروات في أفريقيا، ونقطة تقاطع كلِّ النَّشاطات الاقتصادية والإستراتيجية دوليًا، وليس من بينها أية دولة لا تشهد اضطرابات حادَّة، وصراعات مسلحة، تلك المنطقة تحتلُّ مكانة كبيرة في الصراع الدولي منذ فترة طويلة، لكنَّ تحولًا جرى على هذا الصراع، رأته فرنسا الأخطر عليها، وصارت تسوِّق خطورته للآخرين، الذين على ما يبدو قد اختاروا أن يدفعوا فرنسا للدخول في المواجهة مع هذا التحدِّي الجديد، حتَّى يحصدوا أهمَّ النَّتائج في نهاية المطاف.

التدخل العسكري في مالي ليس بعيدًا عن التركيز الاستراتيجي الأمريكي، على منطقة وسط أفريقيا منذ أن قرَّرت الولايات المتحدة تغيير استراتيجيتها في أفريقيا، من الإهمال الحميد -كما يطلق الخبراء الأمريكان على الاستراتيجية الأمريكية القديمة- إلى التوسُّع والتركيز والاحتلال، والسَّيطرة على الأرض والثَّروات من بعد عام 2000م . لقد بدأت أمريكا هذا التَّركيز مبكرًا منذ التدخل العسكري في الصُّومال، وتوسَّعت إلى كلِّ الدول المحيطة، حتَّى وصلت للسُّودان، وركَّزت فيه، ووصلت إلى تشاد، وهكذا، حتَّى وصلت بطريقة أو بأخرى إلى مالي ..الخ. وتحرَّكت الصين نحو أفريقيا، حتَّى صارت الدولة الأكثر دورًا ونفوذًا على الصَّعيد الاقتصادي -إلى درجة أن دول أوروبا أطلقت صيحات تحذِّر الأفارقة ممَّا سمَّته بالاستعمار الصِّيني- ووصلت إلى منابع الطاقة، وأصبحت الأولى في إقامة المشروعات والتجارة في أفريقيا، وخاصة في الدول المحيطة بمالي، وهكذا الحال بالنسبة لألمانيا المتطلعة إلى دور دولي حثيث؛ إذ حرَّكتها مطامعها الجديدة نحو مناطق كثيرة في العالم، وفي أفريقيا خاصَّة، وكذا الحال بالنسبة لروسيا، التي تريد استعادة ماضي الاتحاد السُّوفيتي في أفريقيا، وكل ذلك جاء متواكبًا مع تغييرات سياسية كبيرة شهدها هذا الإقليم، على صعيد الحكومات والقبائل والجماعات المسلحة، وعلى صعيد البعث الحضاري.

فرنسا كانت في مواجهة كلِّ ذلك، وفق حالة الطَّرف المكبَّل بإستراتيجياته القديمة هناك، والطَّرف المطمئن إلى خبراته وعلاقاته في الإقليم، والطَّرف الذي يقول لنفسه: دعْهم يتحرَّكون وأنت في مكانك تحصد ..الخ. حتَّى أفاقت على إعادة انبعاث حضاري في الإقليم، فشعرت بأنَّ الخطر جاء كبيرًا، فتحرَّكت مستعجلة في بيئة وسط صراع، وفي مواجهة خصم لم تتعَّود على مواجهته.


جاء التدخل والعمل العسكري الفرنسي على خلفية التغيير الحضاري، أو إعادة إنتاج الخريطة الحضارية في تلك المنطقة.

لقد عملت فرنسا منذ بدأت حركتها وخطتها الاستعماريَّة في أفريقيا على تغيير الهويَّة الحضاريَّة لكلِّ تلك الدُّول ومجتمعاتها، بما في ذلك اللُّغة والدِّين، وأسماء الأشخاص والدُّول، التي أصبحت فرنسيَّة أو تنطق بالفرنسية، غير أنَّ حالة الصَّحوة الإسلاميَّة عامَّة، قد بدأت تزحف على تلك المجتمعات؛ لتواجه الدَّور والنشاط الفرنسي الرسمي والكنسي. وأخيرًا أدركت فرنسا أنَّ الامور قد أفلتت من الوضعية التي تعوَّدت عليها، وأنَّه لم يعد بالإمكان مواجهة ما يجري وفق أساليبها القديمة؛ إذ اعتمدت فرنسا على صناعة الرُّؤساء وحمايتهم، وتشكيل الحراسات الرسمية، والجيوش من قبل جنرالاتها، وتدبير الانقلابات في داخل القصور، وصناعة بعض الحركات المسلحة وتفكيكها ..الخ. هكذا صارت فرنسا في مواجهة ليست من ذلك النَّوع الذي تعاملت معه من قبل. كانت متعوِّدة على صراعات قبليَّة، ومجموعات عرقيَّة، ومجموعات من عملائها الباحثين عن الفساد والسُّلطة، فإذا بها تجد نفسها في مواجهةٍ ذات طابع حضاري، تتخطَّى حكايات وأحاديث المجموعات المسلحة والإرهاب وغيرها، ممَّا يجري تداوله في اللُّغة الإعلاميَّة الاستعماريَّة.

دافع إستراتيجي:


تحتلُّ مالي أهميَّة حاسمة في إقليمها؛ إذ هي مجمَّع صغير من كلِّ دول إقليمها، وتعيش حالة تعدُّد عرقي وإثني ولغوي، بما يجعل من يسيطر عليها قادر على الوصول والتغلْغُل إلى كلِّ دول الجوار.


الجزائر، وموريتانيا، والنَّيجر، وبوركينا فاسو، وغينيا، والسِّنغال، كلُّها دول جوار لمالي، وهي كلُّها منطقة نفوذ سابق وحالي لفرنسا، وهو ما يجعل مالي نقطة سيطرة إستراتيجية لفرنسا، لا تريد لأحد آخر أن يمسك بها؛ إذ من يمسك بها تفتح أمامه آفاق الدُّخول والفعل في داخل كلِّ دول الإقليم. وبطبيعة الحال فإنَّ مالي واحدة من أغنى الدُّول بمصادر ثرواتها.

هكذا كان دافع فرنسا للتدخُّل هو أهميَّة مالي، والدُّور الفرنسي الاستعماري، ومواجهة النُّفوذ، والدور الدولي القادم والمتطور والمتنامي، لكنَّها لم تحسب حسابها جيدًا، فيما يتعلَّق بكونها دخلت مواجهة ذات طابع حضاري، ومع جماعات غير نظاميَّة، وفي بلد تعمُّه الفوضى، ممَّا يجعلها ترتكب نفس الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة في أفغانستان.

فرنسا تدخل في مواجهة ذات طابع حضاري، لن ينتج عنها إلا زيادة وصول لون جديد من المقاتلين والمواجهين لها؛ إذ تتحدَّث فرنسا عن الدِّفاع عن مالي وحكمها وجيشها، فهي لن تجد من تعتمد عليه في البقاء، ولعب الدور العسكري في الحرب؛ إلا قواتها التي ستتعرض إلى حالة استنزاف، كتلك التي تعرَّضت لها القوات الأمريكيَّة والأطلسيَّة في أفغانستان. ويبدو أنَّ الرِّسالة جاءتها واضحة -بغضِّ النَّظر عن رأينا- إذ أُعدم لها مخطوف في الصُّومال، وصدر ضدَّها بيان من حركة طالبان، تذكِّرها بأنَّها لم تتعلَّم الدَّرس في أفغانستان، كما جاءتها اللَّطمة هي وغيرها في عملية الاختطاف في الجزائر، مع بداية عدوانها في مالي.

لقد استعجلت فرنسا التدخُّل العسكري في مالي، بعدما استصدرت قرارًا دوليًا في مجلس الأمن بشكل عاجل، يقضي بتقديم الدَّعم اللازم لحكومة مالي، في منع زحف قوات المعارضة نحو عاصمة البلاد، ودعم قوة عسكرية من منظمة غرب إفريقيا "الإيكواس" وتدريبها للتدخل في مالي. لكنَّها تعجَّلت في التدخُّل العسكري الذي فاجأ المراقبين، وأثار ضجَّة كبيرة خصوصًا في الجزائر، والدُّول التي تصوَّرت أنَّ الأمور تسير باتجاه حلٍّ سلمي للأزمة.


هكذا تدخل فرنسا في حرب مع التَّنظيمات الإسلامية في مالي، التي عادت من ليبيا بأحدث أنواع الأسلحة، بعد سقوط نظام العقيد معمَّر القذافي. كما انضمَّ مئات من أفضل عسكريي الجيش المالي إلى صفوف الإسلاميين، بعدما تدرَّبوا جيدًا على أيدي الخبراء الأمريكيين؛ لمحاربة الإرهاب عدَّة سنوات، وهو ما يمهِّد لسيناريو أفغانستان أكبر وأخطر، خصوصًا أنَّ مساحة مالي أكبر ثلاث مرات من مساحة أفغانستان. كما يفتح الأفق لتوسُّع الحرب في دول الإقليم كلِّها، ضدَّ النُّفوذ والوجود والدَّور الفرنسي.

أخيرًا:


لعلَّ ما قاله الرَّئيس الفرنسي الأسبق: فاليري جيسكار ديستان، من أنَّ العمليَّة العسكريَّة الفرنسيَّة في مالي تكْتَسِب، مع بدء مرحلتها البريَّة، طابعًا استعماريًا جديدًا.
هذا أفضل تعبير عمَّا ذهب إليه الرَّئيس الفرنسي الاشتراكي، وعمَّا يُتوقَّع أن يحدث لفرنسا.