ما الذى فعله العريفي؟

العريفي في مصر ضرب المثال الأروع للداعية المستشعر خطرا داهما يحدق بأمته؛ وقدم النموذج لخطيب المنبر المتمكن من أدوات صناعته...

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -


لم تخفُت هيبة المنبر في قلوب المصريين ولا للحظة ٍواحدة؛ لكنه -أي المنبر- استعاد بعد خطبة (العريفي) كثيرا ًمن رونقه؛ إذ إن (العريفي) ببساطة ضرب المثال الأروع للداعية المستشعر خطرًا داهماً يحدق بأمته؛ وقدم النموذج لخطيب المنبر المتمكن من أدوات صناعته؛ سواء أكانت لغةً فصيحة أو ترتيب أفكارٍ أو حسن عرضٍ أو شمولية َ نظرة ٍأو أداءً صوتياً ولغة جسد ٍمتناغمين مع فقرات الخطبة. لذلك فإن أغلب الدعاة في مصر يحتاجون إلى دراسة خطبة (العريفي) بنظرة متفحصة ليتداركوا ما فاتهم ويعالجوا خللاً واضحًا في خطابهم جعل الجماهير عطشى لمثل خطاب (العريفي).

خطبة (العريفي) أفسدت حالة الذعر والإرجاف التي تضافرت كثيرٌ من القنوات الفضائية على بثها بعد نتيجة الاستفتاء بيومين فقط وحتى وقتنا الراهن؛ أفسدت التكالب غير الطبيعي والتزايد المحموم غير المبرر للطلب على (الدولار).
قنوات وجرائد ومواقع إنترنت ميزانياتها مجتمعة قد تكسر حد المليار جنيه؛ لم تكلف نفسها عناء تقديم مبادرات أو اقتراح حلولٍ أو انتقادٍ موضوعي؛ إنما هي فقط تنتقل من حالة الشماتة والتشفي إلى حالة اللطم والعويل بانتظامٍ ومثابرة؛ فأتت خطبة واحدة لتحوي التضامن والعرفان بالجميل وشحذ الهمم وتوحيد الصف ووضع أفكار الخروج من المأزق موضع التنفيذ. فأي صنيعٍ ينقمه الناقمون على (العريفي)؟

ما الذى يجعلنا ننقم على (العريفي)؟ هل كانت دعوته طائفية تعمق الخلاف وتزيد حالة الانقسام أم أنها كانت دعوة تجميعٍ وحرصٍ على وأد الفتن ولملمة للصف المبعثر؟
هل قدح في جبهة المعارضة مثلا ًوشكَّك في انتمائها ونعتها بالخيانة؟ أم إنه وصفها بالأحزاب الوطنية وشملها بدعوته للاتحاد ونبذ الفرقة؟
هل تكلم بنبرة استعلاءٍ عن أفضال بلاده مثلاً واختال بمالها وثرواتها؟ أم إنه ظل على مدار ساعة ٍكاملة يتغزل بمصر وفضلها وسبق ريادتها ويمتدح أهلها ويذكر أياديهم البيضاء على العرب كافَّة؟
هل أساء (العريفي) إلى مسيحيي مصر تلميحًا أو تصريحًا؛ أو حتى استثناهم من حديثه فلم يُعرهُم انتباهًا؟ أم إن الرجل قد تعمد ذكرهم بالطيب من القول أكثر من مرة؟

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ أم أصبح العرف عندنا أن يُقابَل الإحسان بالجحود والنكران؟
ولنسرح بخيالنا بعض الشيء وننظر هل لو كان بابا الفاتيكان مثلاً زار مصر وقدم خطابًا مشابهًا أكانت الدعوات ضده ستخرج من نفس الذين يعيبون اليوم على (العريفي)؟

والحق أن شيخ الأزهر له من العرفان بالجميل نصيبٌ وافر أخشى أن ينساه المنصفون في غمرة انشغالهم؛ فشيخ الأزهر هو الذي استضاف (العريفي) وأكرم نُزله وقدمه ليعتلي منبر عمرو بن العاص؛ وآثر بعد ذلك البعد عن تصدر المشهد؛ وكذا يكون نهج القادة والرواد.

نُكران الجميل وجحود الفضل صفات ٌ غريبة على أهلنا وشعبنا؛ لذا تجد السواد الأعظم من شعبنا قد استقبل (العريفي) وخطبته استقبالا حسنًا وبادلوا الرجل ودًاً بودٍ؛ ولكأني بهم يطبقون حديث «ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» (مسند أحمد: 7/195، إخراجه صحيح).


نادر بكار -الثلاثاء 15 يناير 2013- 8:00 ص