تداعت علينا الأمم.. فهل إلى نهوض من سبيل؟

لماذا يتباطأ الوجدانُ العربي المسلِم الجمعي، المثقل بكلِّ هذه الإرهاصات بالاستيقاظ المبكر، بعد أن تداعتْ عليه التحديات مِن كل حدَب وصوْب، وأنهكت حاله؟ لكي ينتخِيَ على عجل لذاته، ودِينه وأمَّته، ويستنفرَ كل عناصر القوَّة الكامنة في الأمَّة، اقتصاديًّا وبشريًّا، وزجها في إستراتيجية معاكسةٍ لإستراتيجية الشرق الأوسط الكبير؛ بقصْد إعادة صياغة الحال، والعمل على تكاملها بأيِّ صيغة ممكِنة، وصولاً إلى توحيدِ أقاليم الأمة.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -


لا جرَم أنَّ الرسولَ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- جسَّد أقصى درجاتِ التطلُّع للمؤمن، في تعامله مع حقائقِ الحياة الإنسانية، إذ كان ينظُر إلى متطلَّبات البناء والإعمار، بعين التفاؤل على طولِ الخط، في نهجِه النبويِّ الكريم، ويمكن أن يتلمَّس الباحثُ في المنهج النبوي ذلك الأسلوبَ المتطلع جليًّا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنْ قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلة، فإنِ استطاع ألاَّ تقومَ حتى يغرسَها، فليغرسْها» (رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد)، وهذا منتهى التطلُّع المتفائِل، الذي قلَّما نجده في أيِّ نهْج آخر.

فإذا كان النهجُ النبويُّ المحمدي على هذه الدرجة العالية من التطلُّع، فإنَّه لا مناص مِن القول بأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما خرَج عن سِياق هذا النهج، يوم عمَد إلى إخْبار المسلمين إلى ما سيؤول إليه حالهم، بشيءٍ من النظرة القاتمة، إنما يعكِس حقيقةً نبوية، تستجلي ملامحَ مستقبل ذلك الحال على حقيقة أيلولته، مع كلِّ ما تحمله تلك الرؤية مِن غيب المستقبل، بالارتكاز إلى خاصية الوحي الإلهي، الذي عصَمَه مِن البتِّ في الأمور المركزيَّة في الحياة بالاجتهاد الشخصي، الذي يكون في جانبه الإنساني، عُرْضةً للصواب والخطأ، مهما كان ذلك الاجتهاد رشيدًا، مما قدْ لا يتناسَب مع مقام النبوَّة، وفي مثل هذا الأمر الحيوي بالذات، كون النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- يعزُّ عليه عنتُ حال المسلمين، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، ناهيك عمَّا اتَّسم به هديُ دِين رسالته السمحاء، مِن كمال مطلَق، في أصولها وأركانِها الحياتيَّة، والعقائديَّة، والغيبيَّة؛ مصداقًا لقول الله -عز وجل-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3].

مِن هذا المدخَل السريع إلى الموضوع، نجد أنَّ الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- نبَّه المسلمين الأوائل مِن جيل الراشدين إلى خطورة مآل الحال، في اللاحِق مِن السنين، والقادم مِن الأعوام، وذلك على الرغمِ مِن كل ما كانوا عليه، مِن عزٍّ، وقوَّة فتيَّة، وإيمان متطلِّع إلى النهوض، بحيوية فائقة، عندما لفت نظرَهم بشيء من الحسرة والألَم، إلى هذا الأمر الخطير، بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يُوشِك أنْ تتداعى عليكم الأُمم، كما تتداعى الأكَلَةُ إلى قصعتها»، قالوا: أومِن قِلَّة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنَّكم غثاءٌ كغثاءِ السيل» (صححه الألباني).

وبقليلٍ من التفحُّص للدَّلالات العميقة، التي ساقها الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه الأجلاَّء في ذلك الوقت، يستنتج الباحث أنَّ رد فعل الصحابة جاء متسائلاً بشيءٍ من الاستغراب، لينصبَّ على ترجيح عامل قِلَّة العدد، كعلَّة في حصول هذا الأمر، باعتبار أنَّ الكثرة، والتفوق العددي، أحد أسباب القوة والمنعة، في استنتاج منطقي منهم، مبني على أساس حسابٍ فنِّي مجرد لعوامل التفوُّق وقتئذٍ، برؤية إنسانية عادية.

وما إن توالتِ الأيام، وانتشَر الإسلام في أرجاء المعمورة، وازداد المسلمون عددًا وبأسًا، حتى ازدهرتِ الحضارة الإسلامية، وقامتِ الدولةُ الإسلاميَّةُ المركزية، المترامية الأطراف مِن حدود الصين شرقًا، إلى الأندلس غربًا، حتى إنَّ المسلم -تمشيًّا مع حسابات القوة، على أساس التفوُّق في الكثرة العددية- لا يكاد يخال أنَّ هذه الدولة العظمى، ستأفُل شمسها، وستغيب عن الوجود، وتختفي مِن ساحة التأثير في يومٍ من الأيام، مع غناها بخزينٍ هائل، من القِيم التي تفتقر إليها الحضاراتُ الأخرى.

لكن استقراء الرسول -صلى الله عليه وسلم- بحسِّه القيادي يومَ ذاك، المدعوم بتجليات النبوَّة، كان يُشير إلى حقيقة زوال هذه النعمة، وحتمية انهيار الدولة الإسلاميَّة الكبرى، وتفكُّكها إلى كيانات ضعيفة، حتى لا يكاد أعداءُ الإسلام يقيمون لها ساعتَها وزنًا، في حسابات القوى، وإستراتيجيات التوازن، من واقِع يقينه التام بانحسار رُوح القِيم، وتراجُع الزخم الإيماني، في مسيرة الأجيال اللاحقة مِن المسلمين، وتخلُّفها عن أداءِ جيل السابقين، الذين -رضي الله عنهم ورضوا عنه- فكان حقًّا على الله نصرُهم.

ومع مرور الأيام، واشتدادِ التآمُر على الإسلام والمسلمين، وخفوتِ وهج الإيمان في الضمير الإسلامي للأجيال التالية، وعجْزهم عن قيادةِ المرحلة برُوحية مبادرة الجيل الأوَّل، تحقَّقتْ نبوءةُ النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- فانهارت الدولةُ الإسلامية المركزيَّة فعلاً، وبادتْ حضارتهم، وأصبحوا أثرًا بعد عين، حتى إنَّ الكثير مِن كتَّاب التاريخ في الغرْب، كان يجافي حقائقَ التاريخ، ولا يكاد يمرُّ على ذِكر الصور المشرقة من تاريخ الحضارة الإسلامية، إلا مرورَ الكرام، ولا يتعاطَى مع إنجازاتها الثرة وإشراقاتها البهية على البشرية بشكل منصف، في محاولةٍ ربَّما تكون مقصودةً على الأرجح، لطمس التاريخ والدور معًا.

ومع ظُهُور المرحلة الاستعماريَّة الحديثة، اشتدَّ التآمُر الغربي على العرَب والمسلمين بشكلٍ ملفت للنظر، فحصَل الاستعمارُ العسكري المباشِر لأقاليم الوطن العربي والإسلامي، وتَم نهْب الآثار والمخطوطات والمراجع العلميَّة، في عملية سطو بربرية، إيغالاً في الإيذاء، والامتهان، والطمس.

وكما يبدو مِن سلوك المستعمر، فقد كانتْ مقاييس المدنية الغربية المعاصِرة، مبنية على البراغماتيَّة، وازدواجيَّة المعايير، وتغليب مصلحةِ المستعمر، ومجافاة مقاييس الرأفة، بعكس ما اتَّسمتْ به الحضارةُ الإسلاميَّة مِن مقاييسِ العدل والإنصاف، حيث قامتْ على القسط، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، فكانتِ المدنيَّة الغربية في صورتها الراهنة مدنيَّةَ قهر، قائمةً على القوة الغاشمة، والتفوُّق العلمي والاقتصادي والعسكري، فتبرَّمتْ في صورة هيمنة مطلقة، تجلَّتْ بقطبية أحادية منفلتة، لتطالع العربَ والمسلمين بمشروع الشَّرْق الأوسط الكبير، كواحدٍ مِن أخبث مبتكراتها الحديثة، بهدف تغيير وإعادة صياغة خارطةِ الشَّرْق الأوسط، مِن خلال إشاعة الفوْضى الخَلاَّقة، التي عصفَتِ بالوطن العربي ابتداءً، والتي سيدفع العرَبُ والمسلمون كلفتها ثمنًا باهظًا، وهو مشروع أكثر سوءًا من مشروع التقسيم، الذي كرَّسته اتفاقيةُ (سايكس بيكو) سيِّئة الصِّيت.

وإذا كان راهن الحال العربي المسلِم على هذا النحو مِن المآل السيئ، وهو واقِعٌ مُزرٍ، سبق تصوره على حقيقته مِن قِبل الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وجيل صحابته الأجلاَّء، قبل أكثر مِن خمسة عشر قرنًا من الآن، في إعجاز غيبي عمَلي مبهِر، شاهد بالحق على نفاذ البصيرة القيادية للنبيِّ الكريم -صلى الله عليه وسلم- التي عمَّقتْ تجلياتها عنايةُ العصمة الإلهية، حيث لا ينطق عن الهوى، فإنَّ الأمر يتطلَّب من العرَب المسلمين وقفةً جادة متأملة، وأن يُعيدوا قراءةَ الخبر النبوي، بعين الحاضِر من جديد، وأن يستلهموه كإستراتيجيَّة عمل للنهوض مِن هذا السُّبات المهين.

والسؤال اليوم: لماذا إذًا يتباطأ الوجدانُ العربي المسلِم الجمعي، المثقل بكلِّ هذه الإرهاصات بالاستيقاظ المبكر، بعد أن تداعتْ عليه التحديات مِن كل حدَب وصوْب، وأنهكت حاله؟ لكي ينتخِيَ على عجل لذاته، ودِينه وأمَّته، ويستنفرَ كل عناصر القوَّة الكامنة في الأمَّة، اقتصاديًّا وبشريًّا، وزجها في إستراتيجية معاكسةٍ لإستراتيجية الشرق الأوسط الكبير؛ بقصْد إعادة صياغة الحال، والعمل على تكاملها بأيِّ صيغة ممكِنة، وصولاً إلى توحيدِ أقاليم الأمة، والاقتراب المتجسِّد بها من التاريخ، ويعمل على امتلاك ناصيةِ العِلم والتكنولوجيا والتصنيع، بما يسَّره الله للعرَب من إمكانات، من أجل النهوض بالحال، لكي يتخطَّى العربُ والمسلمون باقتدار شراكَ التدخل الأجنبي في صياغة مصيرِهم، ويُعيدوا لأنفسهم الاعتبار، ويُعاودوا دورَهم المسؤولَ على الساحة الإنسانية، في مسعى جادٍّ لإنقاذ البشرية المعذَّبة مِن شرِّ طواغيت العصر، فيكونوا دومًا كما أرادهم الله خيرَ أمة أُخرِجت للناس.
 



نايف عبوش