التمرد العلماني على إسلامية مصر

ممدوح إسماعيل

إن تمرد هي حركة تمرد حقيقا على الشرعية ظاهرها سياسي وباطنها تمرد حقيقا أيدلوجي على رئيس إسلامي ومشروع إسلامي قادم يتخوف منه كثير من العلمانيين على مكتسبات تمركزوا فيها خلال الستين عام الماضية حتى تغير شكل مصر تماماً والشعب المصري غير عنيف بطبعه يميل إلى التدين بطبعه ولذلك يعمد المتمردون العلمانيون لإخفاء حقيقة محاولاتهم الانقلابية على الشعب المصري ويتخفون وراء حاجات الناس.

  • التصنيفات: الواقع المعاصر -


 

 

ظلت مصر حوالي مائتي عام تحت حكم العلمانية. فمنذ أن قام الإسلاميون ممثلون في الأزهر الشريف والعلماء والنقباء بتولية محمد على حكم مصر عام 1805م عمل محمد علي على تأسيس علمنة الحكم في مصر وإبعاد الإسلاميين عن الحكم. فكان أول قرار إقصاء الرمز نقيب الأشراف العالم الأزهري المجاهد عمر مكرم عام 1809. وإضطهاده ليكون مثال لغيره ورسالة لهم من الحكم الجديد لأسرة محمد علي وفي ذلك يقول الرافعي: (عندما قام محمد علي بالقضاء على دور العلماء وإحلال النخب المغتربة محل العلماء في قيادة الأمة سقطت مصر في قبضة الاحتلال الإنجليزي سنة 1882م. وتوالى الإقصاء للشريعة حتى تغيرت القوانين التي تحكم الحياة إلى قوانين وضعية تم استيراد ونقل معظمها حرفياً من القانون الفرنسي).

وعانى أصحاب المنهج الإسلامي من الاضطهاد على مختلف نظم الحكم حتى بعد التحول للنظام الجمهوري. ولكنهم استمروا ثابتين في الدعوة إلى الله ومقاومة طمس الإسلام كمنهج حياة واحتسبوا كل ظلم في سبيل الله تعالى.

والآن بعد ثورة 25 يناير، تحرر الإسلاميون من القيود وصعدوا إلى سدة الحكم -رئيس الجمهورية ووزراء ومجلس الشورى، ومن قبله مجلس الشعب حصل الإسلاميون على أغلبية فيه- وكأن المشهد عودة الرمز الذي تم إقصائه منذ مائتي عام عمر مكرم (القائد) - الأزهر (الدور القوى في الحياة للدين) - الأشراف (أهل الحل والعقد المجلس التشريعي) - إرادة الشعب الإسلامية - يعود مرة ثانية رغم الاضطهاد. وهو مما أثار حفيظة وحقد التيار العلماني بمختلف توجهاته فهو برغم اختلافاته الشديدة فكرياً وحزبياً من العلمانية إلى الليبرالية إلى الاشتراكية إلى الشيوعية الماركسية المتطرفة الملحدة، فإنها لم تعانى من قهر طوال 60 عاماً.

وخلال حكم مبارك لم يسجن منها شخصية واحدة. بل كان أقصى درجات القهر يتمثل في عدم التمتع بالوظائف القيادية لمن لا يتزلف للحاكم فقط، هذا هو أقسى أنواع القهر وقد تمتعت النخب العلمانية بكل أطيافها حتى الملحدة منها بالآتي:

1- التمكن من تولي مناصب قيادية كثيرة في البلاد.
2- التمكن من أجهزة الإعلام المرئية والمقروءة.
3- التغلغل في العمل السياسي والتمكن من كثير من أدواته خلال العقود السابقة.
4- الانتشار الفكري في أوساط شريحة من المثقفين والنخب في كآفة المؤسسات.

ساعدها حالة القهر ضد التيار الإسلامي على التمدد بأريحية في قطاعات الدولة ووظائفها التي منع منها الإسلاميون. ومع قيام ثورة 25 يناير انقسمت تلك الحالة العلمانية بكل تنوعاتها إلى قسمين:

1- قسم كبير جداً مؤيد لنظام حكم الرئيس مبارك رافض للثورة والتغيير أطلق عليه اسم الفلول وهم أكثر الناس الذين استفادوا من حكم مبارك سواء بالفساد القيمي أو المادي.
2- جزء صغير شارك في الثورة ولهم أسماء متعددة وكانوا يطمعون أن يقودوا الشعب من خلال تلك الثورة.

وبعد نجاح الثورة في رحيل مبارك بدأت لهجة القسم المؤيد لمبارك في التراجع ومحاولة القفز على قطار الثورة لركوب أي قاطرة منه. وفي ظل التمكن الإعلامي للتيار المعادى للإسلاميين عملوا على محاولة وأد أي نجاح للإسلاميين وقتل أي نجاح له. وكانت انتخابات البرلمان المصري في نهاية عام 2011 مقدمة لظهور التيار العلماني المعادى للإسلاميين بقوة عبر:

1- استغلاله للإعلام بتحريض مكثف على المرشحين والأحزاب الإسلامية، لكن نجح الإسلاميون بفضل الله ثم بالعاطفة الدينية عند المصريين في اجتياز اختبار صعب بالفوز بنسبة حوالي 72% من مقاعد البرلمان، وعمل مجلس الشعب المصري تحت ضغط وهجوم مكثف واصطياد لأي عثرة.
2- تسليط الضوء الإعلامي على العثرات الصغيرة وجعلها مثل الجبال واستغل الإعلام العلماني المعادى للإسلاميين حالة الحرية المفتوحة بطريقة واسعة بدون أي ضابط أسوأ استغلال وبدلاً من استغلالها في بناء وعي جديد وبناء مقومات جديدة للدولة المصرية الجديدة استغلها في الهدم لأي نجاح وساعده في ذلك ما سمي فلول الدولة القديمة المسيطرين على كثير من المؤسسات التي لم يشملها تغيير حقيقي.
3- أسفر تعاون المؤسسات مع الإعلام على حل مجلس الشعب المصري في ضربة قوية للإسلاميين بعد نجاح لم يستمر غير خمسة أشهر.

وجاءت انتخابات الرئاسة بالرئيس محمد مرسى المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين لتبدأ سطور معركة جديدة شملت الحرب على الرئاسة والحرب على الهيئة التأسيسية التي تضع الدستور. وما إن نجحت الهيئة التأسيسية في وضع الدستور ووافق عليه الشعب بنسبة 63% حتى أصبحت الحرب العلمانية تأخذ منحنى آخر وهو حرب الشوارع والاعتصام في الميادين والحرق بالمولوتوف نظراً لما احتواه الدستور من مواد ترسخ هوية مصر التشريعية الإسلامية وقد عمد التيار العلماني على:

أ- إدخال مصر في حالة من القلق الأمني تصعد إلى فوضى أمنية ثم تتراجع إلى بعض الفشل الأمني مما كان له أثر كبير في التراجع الاقتصادي (ظهور البلاك بلوك والأناركية).
ب- صنع فتن طائفية وإثارتها وتضخيمها.
ت- إفشال أي نجاح للحكومة بتنظيم مظاهرات فئوية باستغلال حاجات الناس للبنزين والخبز والسولار والغاز وإثارة الجماهير بشكل دائم.
ث- محاولة استدعاء العسكر للمشهد السياسي وخلق أزمة بينهم وبين الرئاسة.

مع فشل كل تلك المحاولات وصل الحال إلى تبني ما سمي حركة تمرد مؤسسها معادي للإسلام والدعوة إلى إسقاط الرئيس في 30 يونيو بجمع توقيعات من الناس لا يعلم مدى صحتها ولا يوجد لديها حجة قانونية أو دستورية وألتف حول تمرد كل التيار العلماني حتى شواذه من الماركسيين واليساريين وعملوا على تصعيد الموقف بصورة تحريضية عنيفة عبر الفيس بوك وتويتر والإنترنت وبعض القنوات الفضائية ليصل التحريض مداه بدعوات سافرة للفوضى والدم وتشكيل مجلس رئاسي بعد إسقاط الرئيس مرسى.

في الاتجاه المقابل لم يسكت التيار الإسلامي الذي وجد نفسه في حرب لم يبدأها وحرب لم يعلنها فأعلنت بعض فصائله الدعوة للرد بحشد مليونيات والبعض أعلن عن رد العنف بالعنف مما جعل الشعب المصري يكتم أنفاسه وهو يشاهد تحريض يصل إلى مقدمات حرب أهلية ودعوة لإسقاط رئيس انتخبه بإرادته الحرة و لم يمر على ولايته سنة وورث تركة ثقيلة محملة بالفساد والخراب وظل المشهد المصري ملبد بالغيوم ما بين مستبشر بمطر الخير ينظف الشارع المصري وما بين متوقع ريح عقيم.

وفي الختام أتوقف مع الآتي:

1- تمرد هي حركة تمرد حقيقا على الشرعية ظاهرها سياسي وباطنها تمرد حقيقا أيدلوجي على رئيس إسلامي ومشروع إسلامي قادم يتخوف منه كثير من العلمانيين على مكتسبات تمركزوا فيها خلال الستين عام الماضية حتى تغير شكل مصر تماماً.
2- الشعب المصري غير عنيف بطبعه يميل إلى التدين بطبعه ولذلك يعمد المتمردون العلمانيون لإخفاء حقيقة محاولاتهم الانقلابية على الشعب المصري ويتخفون وراء حاجات الناس.
3- الأطراف استعدت لمعركة فاصلة ويحاول كثير من العقلاء سكب الماء على أي نار للتحريض حتى لا تشتعل مصر بين أنصار مشروعين مشروع قديم هو الإسلامي الذي هو هوية وضمير مصر منذ أن فتحها عمرو بن العاص وحققت مصر به المجد ويحاول أنصاره حمايته في رجوعه لمكانه الطبيعي في نظام الحكم في مصر ومشروع جديد جاء مصر عبر محمد على وأسسه بقوة المستعمر البريطاني وطابوره الخامس فسرق الوعي والهوية وتمكن بالقهر والاضطهاد من التمركز في أماكن كثيرة في حكم البلاد ويصارع من أجل البقاء فيها.
4- لا يخفي أن مصر التاريخ والريادة مستهدفة من أعداء الإسلام في الخارج وهم غير غائبين عن دعم وإدارة مخطط الفوضى وعدم التمكين للمنهج الإسلامي في مصر وقد كتب في ذلك الكاتب المسيحي المصري رفيق حبيب حيث قال: (إن المجتمع المصري يتعرض لحرب على هويته الإسلامية، بسبب التغريب والتدخل الخارجي،وأصبحت معارك السياسة معارك حول الهوية).

يبقى أن مصر الشعب -مصر التي تعيش بالإسلام فإذا ما ابتعدت عنه ماتت- مصر الشعب لن تترك هويتها الإسلامية والمصريون لن يتركوا حقهم في إرادتهم في انتخاب رئيس عقدت معه عقد على مدة حكم أربع سنوات أن يضيع حقهم ووفائهم بعهدهم مع فوضويين لا يريدون لمصر السلام.

ستكون محن لكنها مهمة للتمحيص والثبات على طريق عودة مصر لجوهرها الإسلامي الأصيل ولن تترك مصر ريادتها التي لن تكون إلا بالإسلام والله المستعان.