هل أصابنا مرض بني اسرائيل؟

ملفات متنوعة

  • التصنيفات: دعوة المسلمين -
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..


أيها الأخ المبارك، إن الله تبارك تعالى يقول:
{
أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ أَإِلَـهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62] فهل بعد هذه الضرورة التي تعيشها أمتنا ضرورة؟


وهل بعد هذا السوء الذي تعايشه الأمة سوء ؟
ومن الذي يكشفه إلا الله؟ ومن الذي يجيب ضرر هذه الأمة فيرفعه إلا الله؟؟

النصارى، عباد الصليب، أمسكوا بمقاليد أمتنا اليوم.
فإذا هم أولياء أمورنا، مصالحنا بأيديهم، قضايانا أوراقها في أيديهم.

اليهود، الذين لم تقم لهم دولة منذ آلاف السنين تجمعوا اليوم وأقاموا لهم دولة في أحضان أمتنا، والنصارى من خلفهم ومن أمامهم وعن أيمانهم وشمالهم يحمونها ويرعونها.

الرافضة مجوس هذه الأمة، الذين عاشوا ألم القهر والخسف سنيناً عدداً وعقولاً طوالاً، إذا بهم اليوم يرفعون رايتهم ويستعلون بدعوتهم ويمدون قضيتهم وعقيدتهم الكاسدة الفاسدة في أماكن من عقر دار الإسلام وعقر التوحيد حتى استعلوا على صعيد عرفات بلعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومطالبة بإقامة الشرك في طيبة مدينة رسول الله صلى وسلم عليه.

أبعد هذه ضرورة ؟
أبعد هذا السوء سوء؟.
فهل صدعنا السماء بالدعاء؟ إن هذه الأمة لا تخلوا من عبد صالح لو أقسم على الله لأبره.
ولكن هل ضججنا بالدعاء؟ هل حظر هم الدين وقضيته في دعاءنا؟؟

العمل للإسلام مجال واسع، لكل مسلم موقع من هذا العمل..
فكل مسلم بانتمائه للإسلام عامل للدين، مهما كان عليه، ومهما كان فيه من خطأ ومهما اعتراه من تقصير..
فهذا يعلّم الناس أمور دينهم، وهذا يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء، والكل يعمل لهذا الدين، وذاك في الثغور مجاهد في سبيله ولإعلاء كلمة الله ورفع راية التوحيد لا إله إلا الله ، فالعمل للدين مسؤولية الجميع.

وخيار هذه الأمة يفترقون على حسب الأعمال المطلوبة في هذا الدين، الجهاد والدعوة والعلم والمطالب الشرعية الأخرى، وهو من المطلوب أن تأخذ كل طائفة وضع شرعي تعمل فيه، ويجب علينا نحن أن نقتسم هذه الواجبات...

وكما هو معلوم لدى الجميع أن نصر أي طائفة هو نصر للطائفة الأخرى، فمثلاً نصر المجاهدين نصر للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وقوة العلماء وأهل الحق ونصرتهم في بلادهم نصر وفتح للمجاهدين في الثغور، ومشوار الدعاة إلى التوحيد وإنارة العقول نصر للعلماء وأهل الحق..
فكل نصر لطائفة من المسلمين هو نصر للأخرى.

بل من صور الوسطية الصحيحة -لا التي أصبحنا بسبب من استخدمها في غير مقصدها نخشى من ذكرها من صورها الصحيحة- توزيع الواجبات والتمسك بها، والأمة فيها كفاءات وطاقات مختلفة فهم يتوزعون على الواجبات الكفائية..

وللأسف فإن كثير من المسلمين أصابهم بعض أمراض بني إسرائيل، والتي ذكرها الله في تنزيله الكريم..

فقال تعالى وقوله الحق:

{
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة:113]

أقوال المفسرين في قوله تعالى: {
كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}


في تفسير الطبري ج1/ص497

"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله أخبر تبارك وتعالى عن قوم وصفهم بالجهل ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين، أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء.

وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى ( والآن يأتي الشاهد من كلامه رحمه الله ) ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى إذ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ولا من جهة النقل المستفيض".


تفسير ابن كثير ج1/ص156

"وقوله تعالى {
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ}" بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم"

"وقوله {
كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون مِثْلَ قَوْلِهِمَْ} بيّن بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من القول، وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيمن عنى بقوله تعالى {ْالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فقال الربيع بن أنس وقتادة {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون} قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم، وقال ابن جريج: قلت لعطاء من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل وقال السدي كذلك {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ، فهم العرب، قالوا ليس محمد على شيء، واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحداً من هذه الأقوال،والحمل على الجميع أولى، والله أعلم"



وكما هو مشاهد واضح ما يحصل في الأمة اليوم..
فالأمة مصابة اليوم، بنفس الداء؛ فكل طائفة تقول للطائفة الأخرى لست على شيء، وكذلك اليهود قالت: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى أيضاً: ليست اليهود على شيء..
والمصيبة لم تكتمل بعد؛ فهم مع قولهم هذا وتناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم، كما قال ابن كثير آنفاً -واصفاً اليهودً-، وصفهم الله أنهم يتلون الكتاب..

اليوم..
بعض أهل الجهاد يتّهمون غيرهم بأنهم أهل قعود وعدم نصرة، ثم يأتي ردة للفعل عليهم من بعض طلبة العلم أنتم خوارج وأنتم تكفيريون، وأنتم وأنتم..

وتنظر لهم فترى أن كلاً منهم يسرد من النصوص الصحيحة الثابتة، نعم إنها مصيبة؛ فكلا الطائفتين يتلون الكتاب..

ثم ماذا؟؟ تنشأ حالة من التنافر بين طائفتين من المسلمين، كل طائفة منهما تقوم على فريضة محكمة من الإسلام؛ والسبب هو دخول بعض طوائف من الناس إلى الدين من خلال هذه الشعيرة فيظن أنها لب الدين، فمثلاً رجل استقام على أمر الله وعَرف الدين من خلال الدعوة إلى الله والأمور الدعوية، فيتعصّب لها ويرى أن لب الدين في هذه الأمور، والأمثلة على غيره أوضح..
وهو المعروف لديكم بنقص في البناء العقلي للرؤية المنهجية، فهو انحراف في الأذهان والعقول، وكلٌ ميسر لما خلق له..

والإنسان مهما بلغ، سيبقى عنده نقص في العلم ونقص في النظر، وهو ليس عيباً وهي تتكامل بتوفيق الله والجد والاجتهاد والعمر..


أخيراً علينا أن نتّهم عقولنا ورأينا، ونفعل الواجب، وبعد ذلك لا نبتأس بما كانوا يفعلون..

ويقول الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين -رحمه الله-:

" وليحرص على جمع كلمة المسلمين، وليحاول ما استطاع أن يذب عن عرض إخوانه، وليحاول ما استطاع أن يُصلح ما أفسد الناس، وليحاول ما استطاع إذا سمع خطأً عن شخص أن يتصل به اتصالاً مباشراً عن طريق المباشرة واللقاءات، أو عن طريق الهاتف، أو عن طريق الكتابة، وليقل: بلغني كذا وكذا، فهل هذا صحيح؟ إن كان صحيحاً فالأمر خلاف ما تقول،( ويبين له وجهة نظره )، وإذا كان غير صحيح فبيِّن ذلك حتى أنشر للعالم أنه غير صحيح."

ثم يقول -رحمه الله- وكأنه يخاطب حالنا أي وربي:

"إنني أوجه الموعظة لهؤلاء الذين اُبتلوا بهذا الداء أن يتوبوا إلى الله عز وجل، أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، وألا يفتحوا في الأمة باب النزاع والتفرق، وأن يعلموا أنهم مخطئون على كل تقدير، لأنهم بدل من أن تنصبّ أقوالهم وسبهم وغيبتهم على أهل الباطل من المنافقين والملحدين، صارت تنصبّ على إخوانهم ممن يشاركونهم في الدعوة!
يا سبحان الله!!! إذا انصبت الأقوال -أقوالهم- على إخوانهم من أصحاب الدعوة، وقلّت ثقة الناس بهم، فستقل ثقة الناس بهؤلاء الآخرين الذين سبّوهم، سواءٌ دافع أولئك عن أنفسهم أم لم يدافعوا، سيكون الناس الآن بين طرفين؛ كل واحد منهما يضلل الآخر، ويقدح فيه، وحينئذٍ ينبري لقيادة الأمة من ليس أهلاً للقيادة لا في علمه، ولا في دينه. وحينئذٍ يفرح هؤلاء المنافقون -من العلمانيين وغيرهم- بما جرى بين أهل الصحوة، ويقول: ( الحمد لله الذي كفانا، كفانا أن بعضهم يقدح في بعض!! وأن بعضهم يسب بعضاً!! فإن هذا هو الذي نتمناه، ونسهر ليل نهار على أن نحققه)."

كما أتمنى أن ندرك جميعاً أن الدعوة دين ولا تؤدى إلا بالطاعة، فالبحث عن صور الطاعة المختلفة في الدعوة والعمل في سبيل الله عز وجل واجب من أقدس الواجبات، وعلينا أن نتسلح بسلاح الصدق والإخلاص والأمل في النجاح، ونجمِّل كل ذلك بجمال التضحية.

ونسأل الله التوفيق