حرمة دماء المسلمين

ماهر ياسين الفحل

أخي المسلم الكريم: إياك إياك الوقوع في دماء المسلمين فإنَّ مما عُلِمَ من الدين بالضرورة وتواترتْ به الأدلة من الكتاب والسنة حُرمة دم المسلم، فإنَّ المسلم معصوم الدم والمال، لا تُرفعُ عنه هذه العصمة إلاّ بإحدى ثلاث، إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كَفَرَ بعدَ إسلامهِ، أو زَنَى بعد إحصانهِ، أو قَتَلَ نفساً بغير نفس))

  • التصنيفات: قضايا إسلامية -


أخي المسلم الكريم:

إياك إياك الوقوع في دماء المسلمين فإنَّ مما عُلِمَ من الدين بالضرورة وتواترتْ به الأدلة من الكتاب والسنة حُرمة دم المسلم، فإنَّ المسلم معصوم الدم والمال، لا تُرفعُ عنه هذه العصمة إلاّ بإحدى ثلاث، إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يَحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كَفَرَ بعدَ إسلامهِ، أو زَنَى بعد إحصانهِ، أو قَتَلَ نفساً بغير نفس» (أخرجه: أبو داود [4502]، وابن ماجة [2533]، والترمذي [2158]، والنسائي [7/91] وفي الكبرى، له [3482] من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه).

وما عدا ذلك، فحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة، بل من الدنيا أجمع. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» (أخرجه: النسائي [7/82] وفي الكبرى، له [3448] من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما)، وهذا الحديث وحده يكفي لبيان عظيم حرمة دم المسلم، ثم تبصّر ماذا سيكون موقفك عند الله يوم القيامة إنْ أنت وقعت في دم حرام، نسأل الله السلامة.

قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].

"يقول الله تعالى: ليس لمؤمنٍ أنْ يقتل أخاه بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين (أخرجه: البخاري [9/6] [6878]، ومسلم [5/106] [1676] [25])؛ عن ابن مسعود: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلُ دم امرىء مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، ثم إذا وقع في شيء من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أنْ يقتله، وإنَّما ذلك إلى الإمام أو نائبه" (تفسير ابن كثير: [514-515]).

وقال ابن كثير في تفسير نفس الآية: "وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ} [الفرقان من الآية:68]، وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} إلى أنْ قال: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام من الآية:151]، والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً" (تفسير ابن كثير: [516]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جحد آية من القرآن، فقد حل ضرب عنقه، ومن قال: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فلا سبيل لأحد إلاّ أنْ يصيب حداً فيقام عليه» (أخرجه: ابن ماجة [2539]، وابن عدي في "الكامل" [3/280]).

وفي رواية عن أنس رضي الله عنه: «فإذا شهدوا أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حُرّمتْ علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم» (أخرجه: البخاري [1/109] [393]).

وعلى المسلم أنْ يقف كثيراً عند قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد:22].

فانظر أخي المسلم إلى عظمة كلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، والحصن والأمان الذي تضفيه على صاحبها إلاّ باستثناءات ذُكرتْ آنفاً.

ومما لابد من علمه أخي المسلم أن الله عز وجل لم يجعلْ عقوبةً بعد عقوبةِ الشرك بالله أشدَّ من عقوبة قتل المؤمن عمداً حيث يقول: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].

وقد اختلف السلف في هذه الآية فذهب بعض الصحابة إلى أنَّ هذه الآية محكمةٌ وأنها آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن ذهب إلى ذلك الإمام الحبر الصحابي الجليل وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فعن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس أنَّ رجلاً أتاه فقال: "أرأيتَ رجلاً قتل رجلاً متعمداً؟" قال: {جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}، قال: "أُنزِلتْ في آخر ما نزل، ما نسخها شيءٌ حتى قُبضَ رسولُ الله رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال: "أرأيتَ إنْ تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟" قال: "وأنى له التوبة، وقد سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثكلتْهُ أُمُه رجلٌ قتلَ رجلاً متعمداً يجيء يومَ القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره وآخذاً رأسه بيمينه أو شماله تشخبُ أوداجه دماً في قبل العرش يقول: يا رب سَلْ عبدك فيم قتلني؟» (أخرجه: الحميدي [488]، وأحمد [1/240]، وعبد بن حميد [680])".

وفي الحديث الصحيح الذي يرويه النسائي في المجتبى [7/81] وفي "الكبرى"، له [3446] عن معاوية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعته يخطب يقول: «كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أنْ يغفره إلاّ الرجلُ يقتلُ المؤمنَ متعمداً أو الرجل يموتُ كافراً» فأيُّ خطر هذا، وأي مهلكة يقدم عليها المرء ويجازف بها، حياةٌ لا ممات فيها وخلودٌ في مستقر لا تَقَرُّ به عينٌ ولا تُرفعُ به عقيرةٌ فخراً وزهواً، وغَضَبٌ من الله وعذابٌ عظيم وخزي في الدنيا والآخرة مع مكث ولبث طويلين لا يعلم أمدهما إلاّ الله جل في علاه نسأل الله السلامة لنا ولمن اتعظ واتّبع.

ثم تبصّرْ أخي المسلم الكريم الحديث جيداً لتنظر كيف أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد قرن بين قتل المؤمن والشرك بالله تعالى، وجعلهما مشتركين في استبعاد الغفران.

واعلم أخي المسلم أنَّ أول ما يُقضَى يوم القيامة بين العباد في الدماء ففي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ الصلاةُ، وأولُ ما يُقضَى بينَ الناسِ الدماءُ» (أخرجه: البخاري [9/3] [6864]، ومسلم [5/107] [1678] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه -دون الشطر الأول-).

وما ذلك إلا لعظم خطرها يوم القيامة فاستعد للموقف العظيم، والسؤال الصعب الذي ما بعده إلا جنة أو نار. وكل الذنوب يُرجَى معها العفو والصفح إلاّ الشرك، ومظالم العباد. ولا رَيبَ أنَّ سَفْكَ دماء المسلمين وهَتْكَ حرماتهم لَمِنْ أعظم المظالم في حق العباد، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس من عبد يلقَى اللهَ لا يشرك به شيئاً، ولم يتند بدم حرام إلاّ دخل من أي أبواب الجنة شاء» (أخرجه: أحمد [4/148]، وابن ماجة [2618]، والحاكم [4/ 351-352]).

قوله: «ولم يتند»: أي لم يصب منه شيئاً أو لم ينل منه شيئاً ويقول الرسول الأعظم في حديث رواه البخاري في صحيحه ([9/7] [6882] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما): «أبغض الناس إلى الله ثلاث: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرىء بغير حق ليهريق دمه».

وعن جندب رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «من سَمّعَ سَمّعَ اللهُ به يوم القيامة»، قال: «ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة»، فقالوا: "أوصنا". فقال: «إنَّ أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاعَ أنْ لا يأكل إلاّ طيباً فليفعل، ومن استطاع أنْ لا يحال بينه وبين الجنة ملء كف منْ دم أهراقه فليفعل» (رواه البخاري [9/80] [7152]).

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل مؤمناً فاغتبط [1] بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» (أخرجه: أبو داود عقب [4270 ]).

وإياك إياك أخي المسلم أنْ تُضيع على نفسك فرصة النجاة فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراماً» (أخرجه: البخاري [9/2] [6862]).

أخي المسلم الكريم، هل أنت على استعداد أنْ تفوّت على نفسك فرصة النجاة العظيمة من النار، وقد روى البخاري ومسلم (أخرجه: البخاري [1/41] [121]، ومسلم [1/58] [65] [118]) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».

ثم اجعل دائماً أخي المسلم نُصْبَ عينيك أنَّ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض، ولا تحل إلا بإذن الله ورسوله.

واعلم أخي المسلم: أنَّ ما أوردناه غيض من فيض وقليل من كثير فهو إشارات لكثير من العبارات التي وردت في الكتاب والسنة، تحث المسلمين على الورع والكف عن دماء إخوانهم، ولما سبق ذكره كان الصحب الكرام والتابعون لهم بإحسان أشد ما يكونون من الورع والوجل من أنْ يغمس أحدهم يده بمظلمة في حق مسلم، وكانوا كذلك رحمهم الله ورضي عنهم لشدة ما سمعوا ووعوا من كلام النبوة في التحذير من الانغماس في الفتن والشبهات والتزام النفس والبيت، وعدم الولوج في حرمات المسلمين حتى بالكلام، صوناً لهم عن التسبب في مظالم للمسلمين فضلاً عن الخوض فيها.

قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: "إنَّ بعدكم فتناً القاعد خير من الساعي، حتى ذكر الراكب، فكونوا فيها أحلاس بيوتكم" (أخرجه: نعيم بن حماد في الفتن [489]).

وعن جندب رضي الله عنه قال: "ستكون فتن، فعليكم بالأرض، وليكن أحدكم حلس بيته؛ فإنه لا ينبجس لها أحدٌ إلاّ أَرْدَتْهُ" (أخرجه: نعيم بن حماد في الفتن [490]).

وحينما اعتزل سعد بن مالك وعبدُ الله بن عمر رضي الله عنهم الفتنةَ قال علي رضي الله عنه: "للهِ دَرُّ منزلٍ نَزلَه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، واللهِ إنْ كان ذنباً إنه لصغير مغفور، ولئن كان حسناً إنه لعظيم مشكور" (أخرجه: الطبراني في الكبير [319]).

تذكّر أخي المسلم ما في الصحيحين (رواه البخاري [1/14] [31]، ومسلم [8/169] [2888] [14]) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قلت: "يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول"، قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».

وفي الصحيحين -سبق ذكره- أيضاً من حديث الأحنف بن قيس قال: ذهبتُ لأنصر هذا الرجل يعني: علي بن أبي طالب فلقيني أبو بكرة فقال: "أين تريد؟" قلت: "أنصر هذا الرجل"، قال: "ارجع فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار …»" ثم ذكر بقية الحديث.

وفي رواية أخرى للبخاري ([9/64] [7083]) عن الحسن قال: خرجتُ بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكرة فقال: "أين تريد؟" قلت: "أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، وفي رواية لمسلم ([8/170] [2888] [16]): «إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلا جميعاً»".

وهذا كله إذا كان القتل غير مأذون به شرعاً، وقد قصّ الله علينا في كتابه العظيم خبر أول حادثة قتل وقعت في تاريخ البشرية حين قتل أحد ابني آدم أخاه قتله ظلماً وبغياً وحسداً فقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27] ومع إن هذا القاتل قد هدّد أخاه بالقتل وأكد ذلك بقوله: {لأَقْتُلَنَّكَ} فقد تلطّف معه لعله أنْ يرجع عن عزمه، وأخبره أيضاً أنه لن يمد يده ليقتله مهما هدده، بل إنه حتى ولو باشر عملية القتل فسيكف يده أيضاً خوفاً من الله ربّ العالمين.

فقال له: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة:28] ثم أخذ ينصح أخاه ويعظه لعله يرجع عما هَمَّ به، ومع كل هذا التلطف والنصح فلم ينفع ذلك أخاه، ولم يثنه عن عزمه على قتل أخيه.

وكذلك الظلم والحقد والبغي والحسد كل ذلك يعمي القلب عن الحق، ويصم الأذن عن سماع الحق، فلا يزال القلب مُصِرّاً على المعصية والإثم والموبقة، والشيطان يدفعه إلى تلك المعصية، فالشيطان هو العدو الأول للإنسان فيدفعه إلى ذلك دفعاً، ويهوِّن عليه الأمر حتى إذا وقع فيها تخلى عنه الشيطان وتبرأ منه، ثم بعد ذلك تَظْلَمُّ عليه الدنيا وتضيق عليه الأرضُ بما رَحُبَتْ، قال تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30].

ثم بعد ذلك ماذا حصل للقاتل؟ ندم على ذلك الفعل الشنيع، ولكن هل ينفع الندم على قتله؟

لا ينفع الندم؛ لأنَّ أخاه قد مات، ولن يرجع إلى الحياة الفانية، ثم ماذا يصنع هذا القاتل بعد جريمته تحيّر وبقي يحمله مدة طويلة. أولُ قتيل لا يدري ماذا يصنع به هل يحمله ويضعه في الماء أم هل يضعه فوق الجبال، أشكل عليه الأمرُ، فالأمر معضلة ومشكلة، لأنَّه أول حادثة قتل تحدث على الأرض.

فأظهر القاتل ندمه على سوء فعلته وصنيعه فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يدفن أخاه حتى أراه الله كيف يدفن الغراب غراباً.

وقد بيّن لنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه ما من نفس تُقتل ظلماً منذ ذلك التاريخ وحتى آخر يوم من الدنيا إلا كان لهذا القاتل كفلٌ منها؛ لأنه أول من سن القتل، وهذا شأن كل مَن سَنّ ضلالة أو دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقد بيّن الله سبحانه في كتابه بعد أنْ ذكر قصة ابني آدم أنَّ جريمة القتل عظيمة، وأنَّ من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً يقول الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة:32].

وهذا الحكم وإنْ كان ظاهره خاصاً ببني إسرائيل إلا إنه عام فينا وفيهم فقد سأل سليمانُ بنُ علي الحسنَ عن هذه الآية فقال: "قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل فقال: والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دماءنا" (أخرجه: الطبري في "تفسيره" [9211]، وما تقدم من كلام عن هذه القصة اقتباس من محاضرة للشيخ فهد الحربي بعنوان: "القاتل والمقتول") جزاه الله خير الجزاء.

أخي المسلم الكريم، إنَّ الله تبارك وتعالى قد نهى عن قتل النفس بغير الحق في كتابه الكريم، وأثنى عز وجل على الذين يجتنبون هذه الجريمة العظيمة، وقد توعّد سبحانه من يفعلها باللعنة والغضب والعذاب العظيم والخلود في نار جهنم فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء:93].

فاستحضر أخي المسلم هذا التهديد العظيم وهذا الوعيد الكبير فأيُّ تهديدٍ بعد هذا وأيُّ وعيد بعد هذا الوعيد كل ذلك؛ لأنَّ المسلم له مكانة عند الله تعالى. ودم المسلم هو أغلى الدماء التي يجب أنْ تُصانَ، وأن يُغضَب لإراقتها.

أخي المسلم الكريم قد بيّن الله سبحانه وتعالى حرمة المسلم ومكانته عند الله تعالى فقد صحّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» (سبق تخريجه) وفي رواية أخرى: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلمٍ» (أخرجه: الترمذي [1395] بهذا اللفظ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه).

وفي حديث آخر: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق» (أخرجه: ابن ماجة [2619] من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه) فهذه مكانة المسلم عند الله تعالى فتدبّر أيها القاتل ماذا تصنع بفعلتك؟!

فلزوال الدنيا كلها أهون من قتل رجل مؤمن بغير حق، زوال الدنيا بأموالها ومزارعها ومصارفها ومصانعها وتجاراتها وبناياتها ودولها وأحلافها، وكل ما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق. بل المسلم له حرمة حتى بعد موته فقد نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن كسر عظم الميت، وأخبر أنَّ عظم الميت إذا كُسر فكأنما كُسر وهو حيٌّ، فقد صحّ عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً» (أخرجه: بهذا اللفظ ابن الجارود [551] وأخرجه: أبو داود [3207]، وابن ماجة [1616] بلفظ: «كسر عظم الميت ككسره حياً»).

أخي المسلم الكريم، إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد حذّر أمته أشد التحذير من هذه الجريمة فقال: «سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفر» (أخرجه: البخاري [1/19] [48]، ومسلم [1/57] [64] [116] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه).

وقال: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (سبق تخريجه) وبيّن أنَّ هذه الجريمة من السبع الموبقات المهلكات فقد قال: «اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (أخرجه: البخاري [4/12] [2766]، ومسلم [1/64] [89] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

وقال أيضاً: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور» (أخرجه: البخاري [3/225] [2654]، ومسلم [1/64] [87] [143] من حديث أبي بكرة رضي الله عنه).

وروى النسائي ([7/88] وفي الكبرى، له [3472]) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر كان له الجنة»، فسألوه عن الكبائر فقال: «الإشراك بالله وقتل النفس المسلمة والفرار يوم الزحف».

وروي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله -يعني سرّه ذلك وفرِح به- لن يَقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» (سبق تخريجه).

وقاتل المسلم مهما فرَّ في هذه الدنيا، فإنَّه لن يفلت يوم القيامة، ولن يتركه المقتول يوم القيامة، فقد صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب هذا قتلني فيقول له: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لك فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب، إنَّ هذا قتلني فيقول الله: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان فيقول الله تعالى: إنها ليس لفلان فيبوء بإثم» (أخرجه: النسائي [7/84]، وفي الكبرى، له [3460] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه).

وفي رواية للنسائي ([7/84] وفي الكبرى، له [3461] من حديث جندب رضي الله عنه) أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سَلْ هذا فيم قتلني؟» فهذا هو الحساب وهو أشد أنواع الحساب فهو ليس تحقيقاً دنيوياً يستطيع به بعضهم أن يتخلص ببعض من يكون للخائنين ظهيراً.

فاحذر أخي المسلم كل الحذر أنْ تقع في دم حرام فتقتل أحداً من أجل فلان أو مُلْكِ فلان أو إمارة فلان، فإنهم لن ينفعوك شيئاً عند الله، ولن يدفعوا عنك شيئاً من عذاب الله.

وروى النسائي ([7/85] و[8/63]، وفي الكبرى، له [3462] و[7072]) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل تشخب أوداجه دماً فيقول: أي رب سَلْ هذا فيم قتلني؟».

وعند ابن ماجة (سنن ابن ماجة [2621]) والترمذي (الجامع الكبير [3029]) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً فيقول: يا رب سَلْ هذا فيم قتلني؟ حتى يدنيه من العرش».

إذن احذر أخي المسلم أنْ يكون لك أحدٌ بالمرصاد يوم القيامة فإنَّ من تقتله في الدنيا لن يتركك في الآخرة، بل هو لك بالمرصاد. والله سبحانه وتعالى لما جعل للنفس المسلمة هذه الحصانة الكبيرة؛ ذلك لأنَّ نفس المسلم لها مكانة وحرمة، فليس أحد يملكها أو يملك إزهاقها، بل إنَّ ذلك ممنوع غاية المنع، ولا يجوز إلا بإذن من الله تبارك وتعالى وإذن رسوله صلى الله عليه وسلم.

بل حتى نفسك التي بين جنبيك لا تملكها أنت ولا يحل لك إزهاقها؛ ولهذا جاء الوعيد الشديد فيمن يقتل نفسه متعمداً؛ ففي الصحيحين (أخرجه: البخاري [7/181] [5778]، ومسلم [1/72] [109]) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من تَردَّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يَتردّى فيها خالداً مُخلَّداً فيها أبداً، ومن تَحسَّى سُماً فقتل نفسه فَسُمُّه في يده يتحسَّاهُ في نار جهنم خالداً مُخلّداً فيها أبداً، ومن قتلَ نفسَه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مُخلّداً فيها أبداً».

وروى البخاري ([2/121 [1365]) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «والذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار».

وفي الصحيحين ([أخرجه: البخاري [8/18] [6047]، ومسلم [1/73] [110] [176]) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّبَ به يوم القيامة، ومن لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله».

ولفظ جامع الترمذي (الجامع الكبير [1527]): «ليس على المرء نذر فيما لا يملك، ولاَعِنُ المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عُذِّبَ بما قتل به نفسه يوم القيامة».

فتنبه أخي المسلم الكريم دائماً بأنَّ مسألة قتل النفس بغير حق من الأمور الخطيرة التي تضيّق على من ارتكبها الدنيا بما فيها، فمجرد أنْ يقع المسلم في هذه الجريمة تضيق عليه الأرض وتضيق عليه نفسه لذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً» (أخرجه: البخاري [9/2] [6862] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما).

وفي رواية لأبي داود (سنن أبي داود [4270]) عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال المؤمن مُعنقاً -والمعنق هو طويل العنق الذي له سوابق بالخير- ما لم يُصِبْ دماً حراماً».

وروى البخاري ([9/2] [6863]) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حلة».

ونبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم قد بيّن لنا فضل من خرج من الدنيا ولم يتلطخ بدم المسلم فقال: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً لم يتند بدم حرام دخل الجنة» (أخرجه: ابن ماجة [2618] من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه).

فهنيئاً لمن خرج من الدنيا ولم يتلطخ بدم مسلم، وهنيئاً لمن خرج من الدنيا ولم يحمل مسلماً على ظهره يأتي به يوم القيامة، هنيئاً لمن خرج من الدنيا وقد سلم المسلمون من لسانه ويده، هنيئاً لمن فارق الدنيا ولم يقترف جريمة يسفك بها دم مسلم.

تذكّر أخي المسلم وصية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إنَّ أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أنْ لا يأكل إلا طيباً فليفعل، ومن استطاع أنْ لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم أهراقه فليفعل» (سبق تخريجه).

فاحذر أخي المسلم كل الحذر أنْ يحول بينك وبين الجنة ملء كف من دم تهريقه بغير حقه.

واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يحذِّر أمته من الأمور التي تدعو الإنسان إلى أنْ يقتل مسلماً أو أنْ يجرح مسلماً، ومن ذلك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى أنْ يمر المسلم، ومعه السهام في أسواق المسلمين، أو في مساجد المسلمين، أو في أي مكان من أماكن تجمعهم، إلا أن يكون النصل مغطىً حتى لا يجرح به مسلماً، وهو لا يشعر.

فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إذا مَرَّ أحدكم بمسجدنا أو في سوقنا، ومعه نبل فليمسك عن نصالها بكفه، لا يعقر مسلماً» (أخرجه: البخاري [1/122] [452]، ومسلم [8/33] [2615] [124] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه).

ومن تلك الأمور التي حذّر منها النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه نهى عن الإشارة إلى المسلم بأي شيء يحتمل أنْ يقتله أو يجرحه، نهى عن ذلك وأخبر أنّ من فعل ذلك فأنَّه ربما نال اللعنة والوعيد الشديد؛ لذلك قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا يُشِرْ أحدُكم على أخيه بالسلاح؛ فإنَّه لا يدري لعل الشيطان ينزع يده فيقع في حفرة من النار» (أخرجه: البخاري [9/62] [7072]، ومسلم [8/34] [2617] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

وصحّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإنَّ الملائكة تلعنه، وإنْ كان أخاه لأبيه وأمه» (أخرجه: مسلم [8/34] [2616] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

وصحّ أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى أنْ يُتعاطَى السيف مسلولاً (أخرجه: أبو داود [2588]، والترمذي [2163] من حديث جابر رضي الله عنه)، وكل هذا الاحتراز لشدة حرمة المسلم على المسلم؛ فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك خشية أنْ يكون هناك خطأ فيقع السيف ويجرحك أو يؤذيك أو يقع على أخيك، وإذا كان ذلك في الأسلحة القديمة فهو في الأسلحة الحديثة أشد تأكيداً؛ لأنَّ الضرر أعظم، والخطر أكبر، والعلة تدور مع الحكم وجوداً وعدماً.

ومن الأمور التي يستفاد منها خطورة أمر دماء المسلمين، هو أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حذّر من الدخول في الفتن، وما ذلك إلا لأن لا يقع المسلم في دماء المسلمين؛ لخطورة الأمر وشدته، فالفتن مظنة لأنْ يكون هناك قاتل ومقتول، فالفتن إذا سعرت وابتدأت صعب على الناس إطفاؤها. فنبينا صلوات الله وسلامه عليه قد حذّر أمته من الفتن، وبيّن أنَّها ستحدث وستكون في هذه الأمة فقد صحّ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي من تَشرّف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجئاً أو معاذاً فليعذ به» (أخرجه: البخاري [4/241] [3601]، ومسلم [8/168] [2886] [10] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه) هكذا بيّن لنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ المخلَص من الفتن أنْ يهرب منها المسلم قدر الاستطاعة.

فاحذر أخي المسلم من الوقوع في الفتن، فالفتنةُ قد تُريكَ الحقَ باطلاً والباطلَ حقاً. وقد تعميك وتصمك وأنت لا تشعر، وقد أخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الفتن ستقع في أمته فقال: «إذا وضع السيف في أمتي لم يرتفع عنها إلى يوم القيامة» (أخرجه: الترمذي [2202] من حديث ثوبان رضي الله عنه).

وأخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه ستأتي فتن في آخر الزمان يكثر فيها القتل وتكثر فيها الفتن حتى أنه من شدة الفتن يمر الرجل على القبر ويتمرّغ عليه ويقول: يا ليتني صاحب هذا القبر، من شدة ما يرى من الفتن والأمور العظيمة؛ ففي الصحيحين (رواه البخاري [9/73] [5117]، ومسلم [8/182] [157] [53])؛ من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بالقبر فيقول: يا ليتني مكانه». وقال أيضاً: «والذي نفسي بيده ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يدري القاتلُ في أيِّ شيءٍ قَتَلَ، ولا يدري المقتولُ على أيِّ شيءٍ قُتِلَ» (أخرجه: مسلم [8/183] [2908] [55] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

وفي رواية لمسلم: «والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يومٌ، لا يدري القاتل فيم قَتَلَ ولا المقتول فيم قُتِلَ، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: «الهرج القاتل والمقتول في النار» (أخرجه: مسلم [8/183] [2908] [56] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

ونبينا صلى الله عليه وسلم حينما يذكر ذلك إنما يذكره ليحذرنا من أن نكون من أولئك أو من أن نشارك في سفك تلك الدماء أو أن نتلطخ فيها، أو أن نلقى الله بها، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: «يَتقاربُ الزمانُ ويُقبَضُ العلمُ ويُلقَى الشحُّ ويَكثرُ الهرجُ»، فقيل: وما الهرجُ؟ قال: «القتل» (أخرجه: البخاري [8/17] [6037]، ومسلم [8/59] [157] [11] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).

وقال أيضاً: «إنَّ بين يدي الساعة لهرجاً»، قال: قلت: يا رسول الله ما الهرج؟ قال: «القتل»، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضاً، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته» فقال بعض القوم: يا رسول الله، ومعنا عقولنا ذلك اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، تنزع عقول أكثر ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم» (أخرجه: ابن ماجة [3959] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو حديث صحيح).

فعلى المسلم أن يبتعد عن الفتن كل الابتعاد؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إذا أدركوا الفتن أو أحسوا بالفتن أنْ يبتعدوا عنها كل الابتعاد، وأنْ يهربوا منها كل الهرب؛ لأنَّ الفرار من الفتنة من الدين؛ لذا بوّب البخاري في صحيحه: باب من الدين الفرار من الفتن (صحيح البخاري [1/11]).

أخي المسلم الكريم، إنَّ المسلم ينبغي له أنْ يحذر من الدخول في الفتن، وأنْ يستعيذ بالله تعالى منها، فقد كان عمار بن ياسر يستعيذ من الفتن، وأنْ يحذر أنْ يشارك فيها بقول أو فعل أو رأي أو بغير ذلك؛ فإنَّ الفتن إذا صارت لم يسلم منها أحد إلا مَن رَحِمَ اللهُ.

هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسلمياً كثيراً.

ــــ

1- (هم الذين يَقتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم فيرى أنه على هداً ولا يستغفر الله منه أبداً. مسند الشاميين [2/266]).

 

المصدر: صيد الفوائد