رمضان توبة وإنابة

خالد بن علي المشيقح

رمضان شهر الصفاء والإخاء وترك التشاحن والتباغض والتدابر، وقد سبق في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، ومن أعظم الجود أن تصل من قطعك وأن تعطي من حرمك وأن تعفو عمن أساء إليك، فحري بالأزواج الذين بينهما شيء من التنافر والتناحر والتقاطع، أو الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء والزملاء أن يغتنموا بركات هذا الشهر وأن يعودوا إلى الله عز وجل بالعفو والصفح، {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور:22].

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان - خطب الجمعة -

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ و سلم وبارك على بنينا محمد، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

عباد الله.. شهر رمضان شهر الخيرات والبركات، شهر مواسم الطاعات، لقد تميز شهر رمضان بخيرات كثيرات، ومواسم وشعائر معظمة، حري بالمسلم وجدير به أن يستفيد منها، وأن يستغلها، وأن تتحقق فيه حكمة الصيام، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

فرمضان هو شهر الدعاء، قال البني صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وصححه المنذري:  «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم»، فليحرص المسلم على الدعاء عند الإفطار؛ فللصائم دعوة عند فطره لا ترد.

كذلك ليحرص على الاستغفار بالأسحار، قال الله عز وجل: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17].

وليتخلق بآداب الدعاء من: حضور القلب، والإلحاح في الدعاء، والبدء بحمد الله والثناء عليه، والختم بالصلاة والسلام على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والتوسل بالوسائل المشروعة في الدعاء، كالتوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وهل غاب عن ذهنك أيها المقصر أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا مع التوبة وصدق التوجه.

فتذكر ذلك جيدًا وادع الله بالتوبة النصوح، واسأله من خيري الدنيا والآخرة، وأرج رحمة ربك، وأن تكون من عتقائه من النار.

وإنه لفرق بين من يتصور هذه المعاني عند لحظات الإفطار وبين من هو غائب شارد لا يقطع حديثه المعتاد إلا سماع الأذان، وربما كان في كلام محرم فكانت الخسارة أعظم.

فاستفيدوا من الصيام يا معاشر الصوام، وانتبهوا لحظات قبول الدعاء فهي حرية بالاهتمام.

رمضان شهر الذكر، فكثرة الذكر تشرح الصدور وتطمئن بها القلوب، وتصبح النفوس متهيئة للتوبة، {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]، والذكر طارد للشيطان جالب لملائكة الرحمن، فضلًَا عما في الذكر من تكفير الخطايا والذنوب، وقد صح في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفر له ما تقدم من ذنبه».

رمضان شهر الصدقة، الصدقة برهان على الرغبة في الخير، ولاسيما صدقة السر التي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأنها: «صدقة السر تطفأ غضب الرب» (صححه في صحيح الجامع).

والصدقة تطفأ الخطيئة كما يطفأ الماء النار كما روى ذلك معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة.

وإذا كانت الصدقة مستحبة في كل زمان، فلها في شهر الصيام مزية على سائر العام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم".

وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "في شهر رمضان إنما هو إطعام للطعام وقراءة للقرآن".

رمضان شهر تلاوة القرآن، تلاوة القرآن مستحبة في كل زمان، ولا شك أن للقرآن أثره على قارئه في كل حال، كيف لا وهو الكتاب العظيم الذي تكلم الله عز وجل به الذي، لو أنزل على صم الجبال لتصدعت خاشعة من خشية الله، {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21].

وتبقى القلوب التي لا تلين أو تتأثر بالقرآن كالحجارة أو أشد قسوة، {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:74].

للقرآن في رمضان مزية خاصة، ففيه أنزل، وبه كان جبريل عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، به تزداد المساجد في رمضان تلاوة وصلاة وخشوعًا، وبه يتهيأ لكثير من الناس القراءة أكثر من غيره، وإن كان حري بالمسلم أن يداوم على قراءة القرآن في رمضان أو غير رمضان، لكن فضل الزمان يدعو إلى كثرة التلاوة والتدبر للقرآن.

في رمضان يجتمع الصيام مع تلاوة القرآن فيكون أسمى للروح وأخف للجوارح لعدم امتلاء البطن بالطعام.

قارئ القرآن بتدبر وتمعن يقوده إلى التوبة ولا بدّ، فلا بدّ أن يعود إلى ربه ويستغفره من ذنوبه لعدة دواعي منها:

- أنه يقرأ ما أعده الله للمتقين من النعيم والحبور الدائم، مما تطرب له النفوس وتتعلق به القلوب ويزداد شوقه إذا قرأ أن في ذلك النعيم ما لا يستوعبه الخيال، أو تحيط به العيون والأسماع، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]، يقوده ذلك إلى التوبة حين يقرأ أخبار المعذبين من المعرضين والكافرين.

- قارئ القرآن يستشعر التوبة، لأنه يقرأ أخبار وقصص التائبين، وفي مقدمتهم آدم -عليه السلام، لم تقعد به الخطيئة عن التوبة والاستغفار، ولم يتجبر أو يتكبر كحال إبليس الذي كان مصيره إلى النار وبئس القرار، ويستشعر من هذا أن كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون، فيتأمل في نفسه ويعقد العزم على التوبة ويكون هذا الشهر الكريم بداية عتقه من النار، ويكون القرآن دليله إلى النجاة وقاربه إلى بر الأمان.

رمضان شهر الصفاء والإخاء وترك التشاحن والتباغض والتدابر، وقد سبق في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، ومن أعظم الجود أن تصل من قطعك وأن تعطي من حرمك وأن تعفو عمن أساء إليك، فحري بالأزواج الذين بينهما شيء من التنافر والتناحر والتقاطع، أو الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء والزملاء أن يغتنموا بركات هذا الشهر وأن يعودوا إلى الله عز وجل بالعفو والصفح، {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور:22].

اللهم اجعلنا ممن يصوم هذا الشهر إيمانًا واحتسابًا، وممن يقومه إيمانًا واحتسابًا وممن يستفيد من خيراته وبركاته ودروسه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا اله الله وحده لا شريك له، ولي المتقين وأشهد أن محمدًا عبده ورسله سيد الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

قال الله –عز وجل-: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187]، في هذه الآية الكريمة ذكر الله –عز وجل- أصول المفطرات، وفي السنة تمام ذلك، فمن ذلك:

- الجماع وهو إيلاج الذكر في الفرج: وهو أعظم المفطرات وأشدها حرمة، وتجب فيه الكفارة المغلظة، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

- ومن المفطرات: إنزال المني إذا كان ذلك باختيار من الصائم: سواء كان ذلك بمباشرة الزوجة أو بالاستمناء، وفي الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري يقول الله عز وجل: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي».

وإذا علم المباشر الذي يباشر أهله أنه إذا باشر أنه سينزل فإنه يحرم عليه أن يباشر، لحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يُقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه" خرجاه في الصحيحين، ولأن المباشرة حينئذ تكون طريقًا إلى إفساد الصوم، وما كان طريقًا إلى محرم فإنه محرم.

أما إنزال المني بالاحتلام أو بالتفكر فإنه لا يفسد الصوم، لأن الله تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل، ولأن النائم مرفوع عنه التكليف.

- ومن المفطرات: خروج دم الحيض والنفاس: لحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أليس إذا حاضت لم تصل أو تصم».

فلو أن المرأة رأت دم الحيض أو النفاس قبل الغروب، ولو بلحظة واحدة فسد عليها صومها، ولو أحست بانتقال الحيض ولكنه لم يخرج إلا بعد الغروب فإن صيامها صحيح.

ولو رأت الدم بعد غروب الشمس ولم تدر هل خرج قبل الغروب أو بعده فإن صيامها صحيح، لأن الأصل صحة العبادة.

وإذا استيقظت من نومها فوجدت أنها طاهرة ولم تدر هل طهرت قبل طلوع الفجر أو بعده فإن صيامها غير صحيح، لأن الأصل بقاء دم الحيض.

- ومن المفطرات عباد الله: الأكل والشرب: وهذا بالإجماع وقد سبق قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187].

ومن ذلك ما يوجد في أزمنتنا هذه من الإبر المغذية التي يكتفى بها عن الطعام والشراب، أما بقية الإبر والحقن التي لا تغدي فإنها لا تفطر، ومن ذلك ما يستعمله أصحاب مرضى السكري.

وأما قطرة العين والأذن فإنها لا تفطر والحديث الوارد في الكحل: (ليتقيه الصائم) حديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن هذه القطرة ليس لها منفذ إلى المعدة.

وأما قطرة الأنف فلا تستخدم نهار رمضان، لحديث لقيط ابن صبرة رضي الله تعالى عنه وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا».

- ومن المفطرات: إخراج الدم بالحجامة، لحديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم» (رواه الإمام احمد وأبو داود بإسناد صحيح).

ويلحق بالحجامة التبرع بالدم الكثير، وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن يتبرع بالدم إلا عند ضرورة المريض إليه وأما سحب الدم للتحليل ونحوه فلا يفسد الصوم، لأنه لا يقوم مقام الحجامة في إضعاف البدن.

ومما لا يفسد الصوم بخاخ الربو أو غاز الأكسجين إذا احتاج المريض إلى ذلك.

وكذلك أيضًا التحاميل التي يؤخذ عن طريق الدبر أو عن طريق الفرج فإنها لا تؤثر على الصوم.

ولا يستخدم الصائم المعجون ولا السواك المعطر، لأن هذه الأشياء لها طعم قوي ينفذ إلى المعدة هذا هو الأولى بالمسلم وليقتصر على السواك.

ومما يفسد الصوم القيء، وهو إخراج ما في المعدة عمدًا، أما إذا ذرعه القيء دون أن يتعمد ذلك فانه لا يؤثر على الصوم.

ولا يستنشق الصائم دخان البخور، لأن له أجزاء تصعد إلى المعدة وتطبقها.

أما ما يتعلق بالغسيل الكلوي فإنه مفطر للصيام.

وأما ما يتعلق بحفر السن أو قلعه أو معالجته ونحو ذلك فإنه لا يؤثر على الصيام، ولو خرج منه شيء من الدم، لكن لو تيقن أن شيئًا من أجزاء الدواء ذهب إلى المعدة فانه يعيد صومه.

عباد الله.. ويشترط لهذه المفطرات:

- أن يكون عالمًا، وعلى هذا لو تناول هذا المفطر وهو جاهل لا يدري أنه مفطر فلا شيء عليه، وكذلك أيضاً لو كان جاهلًا بالحال كما لو كان يعلم الوقت، كأن يأكل ويظن أن الفجر لم يطلع أو يظن أن الشمس قد غربت فإن صيامه صحيح.

- والشرط الثاني: أن يكون ذاكرًا، وعلى هذا إذا كان ناسيًا فإنما أطعمه الله وسقاه.

- والشرط الثالث: أن يكون مختارًا، وعلى هذا إذا كان مكرها على هذه المفطرات فإن صيامه صحيح.

أسأل الله سبحانه وتعالى الفقه في دينه، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.