هل تتجه الثورة المصرية نحو التسلُّح؟

هل مصر على خُطى سوريا! حيث سيُفرض الصدام المسلح فرضا على الناس كما فُرض في سوريا؟

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -


يحافظ الثوار المصريون على سلميتهم، هؤلاء الثوار الذين يملؤون الشوارع نهارًا لكسر الانقلاب وتعريف العالم بطعنة الظهر التي ضربها العسكر في ظهر المسلمين، ويملؤونها ليلًا تحديًا لحظر التجوال الذي يفرضه العسكر على البلاد من السابعة مساء إلى السادسة صباحًا كل ليلة!

لم يبق بيتٌ في مصر لا يعرف شهيدًا أو مصاباً أو معتقلًا، حتى تلك البيوت الذي نزل جُلُّ أفرادها يُفوِّضون السيسي -وزير الدفاع الانقلابي- لفضّ الاعتصامات السلمية بقوة السلاح!

لقد تلقَّى الشبابُ العُزَّل طلقات الرصاص في رؤوسهم وأعناقهم وصدورهم، قنصًا ببنادق متطورة بعيدة المدى من فوق البنايات أو من المروحيات أو رشقاً بالبنادق الآلية ذات العيار الثقيل؛ تلك المثبتة فوق المدرعات وهي ذات ذخيرة خارقة للدروع! فكانت الطلقة الواحدة تمرُّ في أجساد ما يزيد على 6 متظاهرين فتُسقطهم بين قتيل وجريح! وفي كل حالة كان القاتل هو الجيش أو الشرطة أو من يعاونهم من البلطجية والمجرمين!

إنه السلاح الانقلابي يحصد أطهر من في مصر! فتجد الثمار قتيلةً غارقةً في دمائها؛ لكنها كلها تبتسم!

تلك الابتسامات التي تبشّرنا أنهم نالوا وعد صاحب ياسين وأنها رسالة لنا تطمئنا عليهم في عالم البرزح! فصاحب ياسين قائل كلمة الحق لقومه الجائرين صدح بها إِنِّي {آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس:25] فاعتدى عليه قومه فقتلوه! وقد رُوي أنهم ضربوه حتى خرجت أمعاؤه من دُبُره! فقبضه الله إلى رحمته، وبشرته الملائكة {قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ} [يس من الآية:26] فحرص على تبشير الناس من ورائه {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ} [يس:26-27] وإنا نحسب شبابنا هؤلاء نالوا ذات الوعد الكريم، وأنهم يبشروننا!

ورغم رجاءنا في الله أن من يُقتل في سلميته ضد السلطان الجائر سيُكتب من شهداء كلمة الحق! إلا أن الحال يزداد عُنف! والطاغوت يزداد بطشًا! ولا ينافس السيسي في مذابحه على وجه الأرض إلا بشّار الذي بدأ الضرب بالسلاح الكيماوي ليكسر أرقام السيسي القياسية اليومية في تعداد القتلى! بدأ الضرب الكيماوي في يوم الأربعاء 21/8 بعد أسبوع واحد من مجزرة السيسي التي فض فيها اعتصام رابعة السلمي بقوة السلاح!

فهل مصر على خُطى سوريا! حيث سيُفرض الصدام المسلح فرضا على الناس كما فُرض في سوريا؟

إن الدلائل الآن تُشير إلى سير السيسي على ذات خُطى بشّار!

فالسيسي يواجة التظاهرات السلمية بـ (الرصاص الحيّ)، وينسب المتظاهرين السلميين إلى (الإرهاب)، وله أتباع هم (الفلول) يعبدونه إلها من دون الله ينزهونه عن كل خطأ ويدعمون سطوته على الناس! وقد أطلق (البلطجية) -وعمادهم من (النصارى)- وقام بتسليحهم يقتلون الناس جنباً إلى جنب مع قوات الجيش الفاجرة!

وكذلك كان بشّار يفعل! فقد واجه التظاهرات بـ (الرصاص الحيّ)، ونسب السلميين إلى (التخريب) و(الإرهاب)، وله أتباع هم (المنحبكجية) يعبدونه من دون الله ينزهونه عن كل خطأ ويدعمون سطوته على الناس! وقد أطلق (الشبيحة) -وعمادهم من (العلويين)- وقام بتسليحهم يقتلون الناس جنبًا إلى جنب مع قوات الجيش الفاجرة!

بل إن في مصر من المشايخ النظاميين من يقف موقف (حسون) ومن المشايخ غير النظاميين من يقف موقف (البوطي) ويسيرون سيرهما حذو القذّة بالقذّة في تحليل دماء الثائرين وتثبيت أركان حكم الطاغوت القاتل الفاجر السفّاح!

حتى ان السيسي قتل الشاب محمد بيومي الذي أنشد (تنشل الأيادي اللي بتقتل ولادي) كما قتل بشار المنشد إبراهيم القاشوش الذي أنشد (يلعن روحك يا بشار)!

حتى ذات مخطط التقسيم الذي يجري تنفيذه في سوريا الآن على قدم وساق بإعطاء مناطق الأكراد للأكراد في إقليم كردي انفصالي جديد ينضم لكردستان الكُبرى ونواتها كردستان العراق، وفي صيانة المناطق العلوية في السواحل من هجوم الجيش الحر ليتم تأسيس دولة علوية فيها يبقى فيها بشار حاكمًا، مع إعطاء البقية من أرض سوريا لدولة علمانية ذات نكهة سنية وتحت إشراف أردني، مع كبت الكتائب الجهادية في المستقبل كأحرار الشام وجبهة النصرة! حتى هذا السيناريو يتم الآن في مصر بعزل سيناء وإثارة القلاقل في النوبة والصعيد لفصلهما عن مصر! وبالطبع فإن طائفة الأقلية الممكنة في مصر هي المسيحيين الأرثوذوكس الذين هم تحت الحماية والدعم والتسليح الكامل من الغرب وجيش الانقلاب! بينما في سوريا هم العلويون!

التشابه بين مجريات الأمور في مصر الآن وبين ما جرى في سوريا قبل أن تتحول ثورتها من السلمية إلى ثورة مسلحة هو تشابه كونيٍّ سُنَنيٍّ مُذهِل!

هذا التشابه ينبِّيء بقوة واقتدار أن مصر تسير نحو تسلُّح ثورتها رغمًا عن أنف ثائريها!

ولو لم يُرد الإخوان هذا التسلُّح؛ فغالب الظن أن جماهير الثائرين من غير المؤدلجين سيبدأونه عفويًا دفاعاً عن الإسلام والدماء والأعراض والأموال.. دفاع فِطري بديهيٌّ.

والسؤال الذي ينبغي طرحُه حتى نعلم هل ستنزلق مصر إلى تسلُّح ثورتها أم لا؛ هو:

ما موقف الغرب من تسلُّح شعب بحجم الشعب المصري؟

قرابة الـ 100 مليون مسلم! ولا يزيد غير المسلمين -كل طوائف غير المسلمين- في مصر عن 6 ملايين وفق آخر إحصاءات المخابرات المركزية الأمريكية.

إن الغرب قد أنهكه الصراع في العراق وأفغانستان؛ حتى فقدت أمريكا وحدها 500 ألف آلية عسكرية هناك وهي الآن تلتقط أنفاسها بصعوبة ومنحت زمامها لإدارة الديموقراطيين ذات القوة الناعمة بدلًا من الجمهوريين الذين يمكن أن يورطوها في حرب واسعة جديدة تقضي على اقتصادياتها وقوتها .

والغرب يخشى من عواقب التوحش في البلدان الإسلامية؛ حيث تُفرز الشعوب المسلمة في الأزمات والانفلات رجالًا يدرون التوحُّش وينشؤون جماعات وتنظيمات تؤمن بالجهاد حلًا ولا ترضى عن الصراع بديلًا. وهذا حادثٌ في سوريا الآن وهم يعضون أصابع الندم!

لأن الجهاد الإسلامي الآن -أيا كان انتماء من يقوم به- قد اقترب كثيرًا من القدس! وصار ظاهرًا في العرب وقريباً من بوابة جزيرة العرب! قريب للدرجة التي تدفع آل سعود وحكام الإمارات والبحرين والأردن بل وحكومة رام الله؛ لدعم الانقلاب المصري دعمًا مباشرًا حتى يكبت المارد الإسلامي القادم في مصر بقوة كاسحة! حتى لو كان هذا المارد الذي يكبته الانقلاب هو مارد الإسلام السياسي! يخشون منه لأنه قابل في أي لحظة أن يتحول لمارد إسلامي صدامي لا يرضى بالظلم ولا بحكم الظالمين ويدعم التحرر الإسلامي في كل الأقطار ومنها الخليجية!

والانقلاب في مصر يثبت فشله يومًا بعد يوم ويحرج الغرب بمذابحه التي لا يخشى الغرب فيها على الدماء المسلمة؛ بل يخشى من رائحة هذه الدماء أن تُفيق المارد الإسلامي من سباته العميق ليحمل سيفه ويمضي قدماً في مصادمة الباطل وأهله بكل أرض خاصة أراضي العرب؛ التي يجاهد الغرب للحفاظ على سيطرته عليها وعلى نفطها وأموالها!

الانقلاب الآن كالسفينة الغارقة التي يغادرها ربابنتها واحدًا بعد آخر وأشهرهم البرادعي الذي استقال أخيرًا من منصب نائب الرئيس.

الانقلاب الآن يخسر دعم الفلول أنفسهم بعد أن استحرّ القتل في المصريين فصارت بيوت الفلول أنفسهم تملؤها رائحة الدم.

رائحة الدم التي تدعو للثأر والكفيلة بدفع الثورة المصرية ضد العسكر إلى التسلُح والصدام!

إنني أرى بعد استقراء خشية الغرب من صحوة مصر بتعدادها الهائل وانضمامها لخط الجهاد، وبعد استقراء حالة الانقلاب نفسه، أرى أن مصر لا تسعى للسيناريو السوري حتى إذا اتجهت الثورة للتسلُّح! بل أراها تسير مجبرة إلى السيناريو الليبي! حيث يُمكن للغرب بتدخُّل طفيف (كتدخل الناتو في ليبيا) أن يزيل رؤس الانقلاب ويُعيد الإسلام السياسي إلى الحكم خشية من الإسلام الصدامي الذي لن يرحم مصالح الغرب أثناء الصراع!

أو أن الغرب سينشط بعض أوليائه داخل الجيش، الذين هم ظاهريًا أكثر شرفًا من السيسي ليحدث انقلابًا عسكريًا محدود داخل الانقلاب العسكري الكبير، فتطيح هذه القيادة بالسيسي وتفتح باب الهدوء على مصر وتُعيد د. مرسي أو غيره من الحكام المدنيين عبر ديموقراطية تُعيد الإسلام السياسي إلى السلطة أيضاً!

وحين أتكلم عن عودة الإسلام السياسي بعد كسر الانقلاب فأنا أتكلم عن (الإخوان) وحلفائهم ليس إلا! فلم يعُد لـ (حزب النور) الذراع السياسي للدعوة السلفية عينًا يرفعها في الإسلاميين بعد مشاركته علنًا في انقلاب 3 يوليو اللعين وتورطه في هذه الدماء التي تُراق أنهاراً كل يوم!

إذًا.. فإذا رأى الغرب أن تسلُّح الثورة ضد العسكر سيؤدي لعلو راية الجهاد فإنه سيتدخل لإنهاء الانقلاب بعد أن يكون قد اطمأن لإضعاف الحركة الإسلامية كلها بقتل واستهداف الكثير والكثير جدًا من كوادرها العاملة برصاص الجيش والشرطة والبلطجية.

فتدخل الغرب لإنهاء الانقلاب سيعني حراكًا داخل الجيش، أو دعمًا من الناتو، أو فلننتظر السيناريو السوري بكل وحشيته وأكثر؛ ذلك السيناريو السوري الذي سيستعير من الوضع العراقي نظام (الصحوات) تلك الوجوه السنية التي تقاتل مع الاحتلال وإلا فأين سيذهب داعمو الانقلاب من أدعياء الإسلامية إذا انقلب الوضع إلى سلاح وسلاح مضاد؟ سيُوالون أسيادهم ويعادون إخوانهم الذين خانوا من قبل دماءهم بالطبع! سننتظر صامدين راجين الله أن يستعملنا لرفع راية دينه طالبين منه تعالى النصر والتمكين والعافية.

لم أقل قولي هذا انتظارًا لنُصرة الغرب بل تحذيرًا منها! ولم أقله تثبيطًا للثائرين بل توضيحًا لما أراه بعين قلبي! فقلوبنا ودماؤنا وأرواحنا جميعًا في خندق واحد. وقلوب الانقلابيين ودماؤهم وأرواحهم في خندق العدو.

أقول قولي هذا تبياناً لما أراه محتملًا، ناصحًا بالإعداد لكل الاحتمالات والظروف، داعيًا الله حقن دماء المسلمين على وجه يُرضيه لا ادعاءً كادِّعاء من يبكِّتون القتلى بقولهم كقول المنافقين الشامتين: {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران من الآية:156].



إسلام أنور المهدي
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام