أيها الحاج استأنف عملك

عبد الوهاب بن ناصر الطريري

  • التصنيفات: فقه الحج والعمرة -

تضيفت الشمس للغروب عشية عرفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم باسط كفينضارعتين، داعياً بخشوع وخضوع وإخبات، ثم أرسل يديه وأقبل على بلال يقولله:"يا بلال استنصت الناس". فنادى فيهم بلال واستنصتهم، فأطافت القلوب،وأصاخت الآذان، واشرأبت الأعناق، وأَبَّدَت العيون بصرها إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم الذي ناداهم:"إن جبريل أتاني فبشرني أن الله قد قَبِلَ من محسنكم، وتجاوز عن مسيئكم، وتحمل عنكم التبعات". وهنا انطلق إليهالعبقري الملهم عمر بن الخطاب ليقول:" يا رسول الله هذه لنا خاصة أم للناسعامة"، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل للناس عامة"، فقال عمر: "كثر خيرربنا وطاب".


ما أروع هذه البشرى النبوية وهي تسكب في قلوب الحجيجالواقفين بعرفات سويعة النفرة إلى المزدلفة، فتخب بهم مطاياهم وكأنما تعرجبهم إلى السماء، وقد تخففوا من سيئاتهم، وبوركت حسناتهم. وكما تجلّت فيهذه البشرى النبوية الرحمة الإلهية والفيض الرباني الغامر، فقد تواردتنصوص أخر بهذه البشائر والفيوض الإلهية.

روى الإمام مسلم في صحيحه، في حديث لعمرو بن العاص رضي الله عنه قال: فلماجعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينكفلأبايعك. فبسط يمينه. قال فقبضت يدي. قال "مالك يا عمرو؟" قال قلت : أردتأن أشترط. قال"تشترط بماذا؟" قلت: أن يغفر لي. قال" أما علمت أن الإسلاميهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كانقبله؟ ".


إن الحج هدم لكل ركام الخطايا والذنوب السالفة، كما أنّ الإسلام يهدم كل خطايا الكفر.
ومثل ذا قوله صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». إن الحج ميلاد جديد للإنسان، فهل علمت مولوداً جاء إلىالدنيا وفي صحيفته ذنب فعله، أو خطيئة قارفها؟! ألا فإن الحاج يعود من حجهوصحيفته بيضاء نقية كأنما خرج إلى الدنيا من بطن أمه.

فإلى كل منحج بيت الله الحرام ووقف في تلك المواقف، حيث مشاهد التجلي الإلهي، وتنـزلالرحمات، إلى من بسط في تلك المشاهد كفيه، وحسر رأسه، وتجرد لله في لباسالعبودية والذل والمسكنة..


أبشروا وأملوا ما يسركم، فبشرى رسول اللهصلى الله عليه وسلم صدق، وموعود الله حق {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِيُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

 

أيها الحاج لقد دعوت رباً عظيماً، براً كريماً، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولافضل أن يعطيه، فأحسن ظنك بربك، وبالغ في الإحسان، فإن ربك عند ظنك، وعطاءالله أعظم من أملك، وجوده أوسع من مسألتك؛ لقد دعوت ربك الذي إذا تقربتإليه شبراً تقرب إليك ذراعاً، وإن تقربت إليه ذراعاً تقرب إليك باعاً، وإنأتيته تمشي أتاك هرولة.
احتسب عند ربك يوم تجلى الله على أهل ذاك الموقف -وكنت معهم-، فقال العزيز الجبار لملائكته وهو أعلم: »انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم«.


احتسب عند ربك يوم أفاض أهل الموسم حاسري الرؤوس -وأنت معهم-، فقال الله عزوجل:«أفيضوا مغفوراً لكم». احتسب عند ربك أن هذا الموسم الذي شهدته شهدهمعك شُعْثٌ غُبْر لا يعرفون ولا يُؤبه لهم، ولو أقسم أحدهم على اللهلأبرّه، فقبلهم الله وقُبِل من معهم، وقال:"هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

أيها الحاج: ظن بربك ولا تظن إلا خيراً، ومن حسن ظنك بربك أن تظن بيقين أنه قدقبل حجك، وغفر ذنبك، وأجاب دعاءك، وضاعف عطاءك، وأنه ما استزارك إلاليقبلك، ويهب لك خطأك، ويغفر زلتك، ويبيض صحيفتك، ومهما ظننت ففضل اللهأوسع مما تظن وتؤمل. وهكذا كان شأن الصالحين والعلماء الراسخين في تلكالمشاهد والعرصات.
قال ابن المبارك:"جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة،وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تهمِلان، فالتفت إليَّ، فقلت له: من أسوأ هذاالجمع حالاً؟ قال: الذي يظنُّ أن الله لا يغفر لهم".


وروي عن الفُضَيلأنه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشيَّة عرفة، فقال:"أرأيتم لو أن هؤلاءصاروا إلى رجلٍ فسألوه دانِقاً، يعني: سدس درهم، أكان يردُّهم؟ قالوا: لا. قال: والله، للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجلٍ لهم بدانِقٍ".

وإنـــــي لأدعــو الله أســألُ عفوه          وأعـــلــــــم أن الله يعفـو ويغفـر
لئن أعــــظم الناس الذنوب فإنها          وإن عظمت في رحمة الله تصغر

أخي الحاج، اجعل في أذنيك وقراً عن سماع نوع من المواعظ تُضيق الطريق إلىالله، وتتحجر واسع رحمته، وتقنط الناس من قبول صالح أعمالهم، فإذا جدَّأحد في طاعة وقفوا له قائلين: ليست العبرة بالعمل ولكن الشأن في القبول،ولا تدري هل قُبِلَ عملك أم لا؟ وكأن هذا القبول ضربة حظ لا يدري أحد هلتصيبه أم لا؟ وهل اليأس من روح الله إلا هذا؟


إن يقيننا بالله أن كلعمل صالح ابتغي به وجهه فسبيله القبول والمضاعفة، وأن الله عز وجل أكرموأفضل من أن يردّ على عبده عملاً صالحاً عمله خالصاً له، وأن من ظن باللهغير ذلك فقد ظن به ظن السوء؛ {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنشَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً}


فيا أخيالحاج هنيئاً لك وبشرى وقرة عين، فقد ولدت بحجك هذا ميلاداً جديداً، وتركتوراءك ركام الذنوب، وحصيلة العمر من الآثام، وعدت كيوم ولدتك أمك، فاجعلمن حجك بداية حياة جديدة، ومعاملـة صادقة صالحة مع الله، واستأنف عملك فقدكفيت ما مضى، ولكن الشأن فيما بقي.


واعلم -بورِكَتْ حياتك- أنه ليس منشرط قبول العمل العصمة بعده، ولا أنك بحجك ستتخفف من بشريتك وتعرج فيملكوت الملائكة بلا نوازع ولا شهوات.. كلا، فليس شيء من ذلك بمقدورك وإنجهدت، ولكنك ستبدأ بعد حجك جولة جديدة وأنت خفيف الظهر من تراكمات الماضي،وتبدأ حياتك برجاء كبير وإقبال على الله، تستكثر من الطاعات، وتجاهد النفسعن السيئات، فإن زللت بسيئة أتبعتها حسنة، « وأتبع السيئة الحسنة تمحها«، وكل حسنة فسبيلها المضاعفة والتكثير، وكل سيئة سبيلها المغفرة والتكفير،ولا يهلك على الله إلا هالك.

أخي الحاج، كان السلف الصالح يتلقونالحجيج عند قدومهم يسألونهم الدعاء، ويقولون: استغفروا لنا؛ لأنهم قدعادوا من حجهم بلا ذنب فهم مظنة قبول الدعاء.

وإني أستقبلك في هذاالمقال سائلاً منك الدعاء لكل إخوانك المسلمين أن يغفر الله ذنوبهم، ويهديقلوبهم، ويصلح شأنهم، ويصرف السوء عنهم، ويتولاهم بما تولى به الصالحين منعباده .

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
 

المصدر: موقع الإسلام اليوم