المشهد اللبناني من وجهة نظر إسلامية

فتحي يكن

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -


شهد لبنان -ولا يزال- سباقاً بين أبناء الطوائف والمذاهب والأحزاب والقوى، في إعادة بناء كياناتها وبيوتها وترتيب أوضاعها وتقوية وتدعيم مرجعياتها السياسية والدينية، في حين بقي أهل السنة والجماعة الأضعف بناءً وكياناً ومرجعية.

ولا يغرن أحداً ما يقال عن أكثرية نيابية في هذا الإطار، لأنها في الحقيقة أكثرية قوى تسلّقت جدران هذه الطائفة وامتطت ظهرها وحققت أغراضها على حسابها، متاجرة بدم الرئيس الحريري، أو متباكية في خيمة قرب ضريحه في ساحة الحرية!!

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن مرجعيات هذه الطائفة نفضت يدها من أبنائها وتبرأت من مسيرتهم السلمية الحضارية التي خرجت كسائر المسيرات في العالم نصرة لدينها، مستنكرة الإساءة الموجهة إلى رسولها الأعظم، مما أضاف إلى تلكم الإساءات إساءة أكبر وأمر لأنها جاءت هذه المرة من ذوي رحمها وقرباها!!

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة           على المرء من وقع الحسام المهند

لقد غدا البعض من أبناء هذه الطائفة رافعة لمن وضعهم الله، وأنصاراً لمن أخزاهم الله، وحلفاء لمن ناصبوا المسلمين العداء على مدى عقود من الزمان، في حين خذل هؤلاء أحباب رسول الله وأولياءه، مما أغرى السلطة بهم، فملأت بهم السجون والمعتقلات لغير ذنب ارتكبوه، إلا أنهم قالوا ربنا الله، { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } [التوبة:40].

نعم {
إِنَّ اللّهَ مَعَنَا }، ومن كان الله معه كان الأقوى والأعز والأكرم، وليأذن الآخرون بحرب من الله ورسوله، وهو القائل: « من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب »، { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ . وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [الصافات:171-173].


أفلا يرى هؤلاء كيف أخرج الله من رحم فلسطين جيلاً يحب الموت والشهادة، أكثر مما يحب الآخرون الحياة، ولقد بوأهم اليوم بفضله مواقع القرار؟


كتائب عز الدين قد نظمت قصائـــدها       وهــــــي بالــدمـــا خطّــت دواويــنـــــا
أحجــــار غــــزة للأعداء قد هـَــزَمَت        أذاقَــتْ القــوم زقّــوماً وغسلـيــــنــــــا
إن يصدق الشعب يهـزم كل طاغيـة         فالشعـــب أسقـط شاميـــرا وشــــــارونا
صـــواريخ قسّـــامنا دكَّـت معاقلهــم         وأحمد ياسيــن غــــدا رمـــز العــلا فينا
حماس مـاضية ولن تهدأ جحافلهــا       سترفع الراية لـــــــن تخشى الســـلاطينا
وفي العراق سيلقى بوش مصرعـه    وفي لبنــان سيـُـذكر شـؤم مارينا (المارينز)


ثم ألا يرى هؤلاء كيف أخرج الله في لبنان أبطالاً أسقطوا أسطورة الدولة التي لا تقهر، شهدتهم صيدا عبر "قوات الفجر"، كما شهدهم الشريط الحدودي عبر المقاومة الإسلامية؟

أفلا يرى هؤلاء كيف جعل الله لحملة راية القرآن مكان الصدارة في أرض الكنانة، بالرغم من ممانعة أهل الظلم والطغيان؟؟

ثم ألا يرى هؤلاء كيف أخزى الله قوات الاحتلال في العراق، إذ بعث فيهم عباداً له مؤمنين مقاومين لا يخافون في الله لومة لائم، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، وباتت أمريكا تبحث عن مخرج يحفظ بعض ماء وجهها المسفوح في بلاد الرافدين؟!

وعوداً على بدء أقول: حيال هذا الواقع المتردّي الذي تعيشه الطائفة في لبنان وغياب مرجعيتها، وعلى وقع المسيرات المليارية التي يشهدها العالم نصرة وانتصاراً للرسول صلى الله عليه وسلم، انبثقت قوى العمل الإسلامي في لبنان، كما انطلق "تجمع الجمعيات والشخصيات الإسلامية في بيروت"، كخطوة على طريق التأسيس لمرجعية تتكافأ مع حجم هذه الأمة ودورها.. لا لتمارس عدواناً على غيرها، بل لتأخذ على يد من يريد احتكار تمثيلها، واختزل حجمها، واختصار شأنها، واغتصاب دورها.

أما عن حقيقة الصراع الدائر في لبنان فنقول: إنه صراع هوية وعلى الهوية، إنه صراع انتماء وعلى الانتماء.. يبدو أن ميثاق الوفاق الوطني لم يفلح في انتزاعه من العقل الباطن والخلفية الموروثة!


فمنذ قيام لبنان وحتى اليوم الصراع قائم بين من يعمل على خطف لبنان وتغريبه ومن يحرص على وطنيته وتعريبه!!

(نماذج): بيار إده، وإميل إده، وريمون إده، ومشروع تدويل لبنان وكميل شمعون، وحلف بغداد، والأسطول السادس الأمريكي عام 1972م - وإلغاء عطلة الجمعة واستبدال عطلة السبت والأحد بها، مجزرة صبرا وشاتيلا والغطاء اللبناني - جيش العميلين لحد وحداد - أمين الجميل والاجتياح الإسرائيلي واتفاق 17 أيار الخياني - مشاريع العلمنة - الزواج المدني - إلغاء التعليم الديني.


وهي مشاريع وأطروحات تغريبية مشبوهة جرى تقديمها وطرحها في المجلس النيابي في دورة 1992م، وكلها تستهدف هوية الأمة وأصالتها.

اعلموا يا أحباب رسول الله أن رسولكم وإسلامكم وأمتكم تعرّضت على مدار التاريخ لمؤامرات حيكت لها، وحروب شُنَّت عليها، ولقد خرجت منها جميعاً منتصرة بعون الله تعالى وتأييده.

- لقد تعرض رسول الله للاغتيال من قبل أحزاب الجاهلية وقبائلها: {
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال:30].

- وتعرض المسلمون يوم الأحزاب لهجمة شرسة، {
إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } [الأحزاب:10-11].

- وتعرضت الأمة لحرب المغول والتتار والصليبيين.
- وتعرضت الخلافة الإسلامية للاستباحة والإسقاط من خلال مؤامرة مشتركة صليبية صهيونية.
- وتعرضت الأمة للتقسيم والتفتيت والاحتلال، عبر مؤامرة سايكس بيكو.
- واليوم تتعرض عسكرياً لأسلحة الدمار الشامل، واقتصادياً للحصار والإفقار، ومعنوياً للإذلال وانتهاك الحقوق والكرامة في سجون الاحتلال الأمريكية والصهيونية.
- وتعرض الإسلام ورسول الإسلام والمصحف الشريف لكل ألوان المؤامرات.
وما معتقلات جوانتنامو وأبو غريب عنا ببعيدة!! يضاف إلى ذلك مئات من النشرات والكتب السامة من أمثال: "كتاب محنة العقل في الإسلام لمصطفى جحا"، و"كتاب الآيات الشيطانية لسلمان رشدي" وغيرهما.

أخيراً وباسم الجماهير المسلمة في لبنان والعالم، نطالب الحكومة ممثلة بكل مؤسساتها القضائية والأمنية والعسكرية، إطلاق الموقوفين، وجلهم أبرياء لم تثبت إدانتهم، أما الذين ثبتت إدانتهم فالمطلوب إعلان إدانتهم على الرأي العام اللبناني والعربي والدولي لينالوا جزاءهم العادل، مذكرين بالخطاب القرآني {
وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } [النساء:58]، ومنذرين بقوله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج:39-40].

ثم لا يسعنا بعد ذلك إلا أن نحذر من ربط ملف الأشرفية بملف رئاسة الجمهورية، أو ملف نزع سلاح المقاومة، أو ملف مزارع شبعا، أو ملف جريمة اغتيال الرئيس الحريري، أو أي ملف من الملفات المطروحة على طاولة الحوار؟ كما تم ربط ملف شباب الضنية بملف الإفراج عن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع!!

ولابد أن نقول للذين ضاقوا ذرعاً بالمقاومة ويحتجون لنزع سلاحها بعدم وجود مقاومة على الجبهات العربية الأخرى مع العدو الصهيوني، نقول لهؤلاء: لو أنكم أدركتم الشرف الذي حظي به لبنان بقيام المقاومة على أرضه، لانخرطتم جميعاً في المقاومة، ولحرصتم على نيل شرفها، ىولكنكم قوم تجهلون
{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:227].

أما بشأن مزارع شبعا التي غدا الحرص على لبنانيتها اليوم ذريعة لنزع سلاح المقاومة، لا يؤكد بالتالي عروبة فلسطين المحتلة، كما لا يعني انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وانتهاء باغتصاب إسرائيل للأرض المقدسة التي بارك الله حولها!

وعن ملف رئاسة الجمهورية، فإن ما يعنينا منه في هذا المقام هو التأكيد على رفض الاحتكام به إلى الشارع، وعلى أن هذا الموقع ممنوع ومحرم على أي عميل لإسرائيل، موال لأمريكا والاستكبار العالمي، عدو للعروبة والإسلام!!

وأخيراً أجد نفسي مضطراً لقرع جرس الإنذار المبكر من خطر سلاح هو أفتك من أسلحة الدمار الشامل تلجأ إليه أمريكا و"إسرائيل" عندما تجري الأمور لغير صالحها.. إنه سلاح الفتنة المذهبية الذي لا يبقى ولا يذر.. نرى اليوم بعض معالمه في العراق، ومسؤوليتنا أن ننتزعه من الساحة العراقية قبل أن يصبح وباء قاتلاً يضرب في كل مكان.


الله أكـــــرمـــنــــا بنــور محــمـد          فعن البصائر يا ظلام تبددي
يا هذه الدنيا أصيخــي واشهدي          أنا بغـيــر محمـــد لا نقتــدي