الأناقة طريق للقلوب (2-2)

يُعد إصلاح اللباس من تمام إصلاح الهيئة، حيث يُشكّل اللباس معظم هيئة الداعية الظاهرة، فرَثّ الهيئة عند إطلاقه ينصرِف إلى اللباس.

  • التصنيفات: فقه الملبس والزينة والترفيه - الدعاة ووسائل الدعوة -


الثاني: الضوابط المتعلقة باللباس

يُعد إصلاح اللباس من تمام إصلاح الهيئة، حيث يُشكّل اللباس معظم هيئة الداعية الظاهرة، فرَثّ الهيئة عند إطلاقه ينصرِف إلى اللباس.


واللباس الحسن من التجمل والزينة وهو ما حث عليه الإسلام لا سيما في مواطن اجتماع الناس ولقاءاتهم، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف من الآية:31].

وفي سنن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش».

قال ابن الأثير: "الشامة: الخال في الجسد، أراد: كونوا في أحسن زِيٍ وهيئة، حتى تظهروا للناس وينظروا إليكم كما تظهر الشامة وينظر إليها دون باقي الجسد" (النهاية في غريب الحديث: [2/436]).

لذلك فإن على الداعية مراعاة الضوابط التالية:

أولاً:
خُلوُّه من المحاذير الشرعية

فالداعية قدوة لغيرها في ذلك والناس لها تبع، وعندما تخالف في لبسها فإن ذلك دافع للغير لذلك، وقد جاءت نصوص الشريعة تحذُر من أصناف من الملابس تتعلق بهيئتها، أوبنية صاحبها ويمكن إجمالها:

1- الكِبر والخيلاء:
فإن كان الملبس يدعو إلى ذلك فالأولى تركه بل الواجب تركه، لذلك فعلى الداعية أن يتعاهد قلبه ويطهر نفسه من الكِبر والخيلاء، لكن لا يدل لبس الثياب الحسنة أو محبتها على الكِبر أو الخيلاء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكِبر بطر الحق وغَمْط الناس» (رواه مسلم).


قال الشوكاني: "الحديث يدل على أن محبته لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخيّر اللباس الجميل ليس من الكِبر في شيء، وهذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم" (نيل الأوطار: [2/115]).

2- الإسراف:
الإسراف قرين الكِبر والخيلاء، فإذا خلا اللباس منهما فلا عليه في ذلك شيء، كما قال ابن عباس:"كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان سَرَف أو مخيلة"؛ -والمخيلة هي الكِبر-.

3- الشهرة:
من المحاذير الشرعية في اللباس أن يكون للشهرة، والشهرة هي التفاخر باللباس المرتفع أو المنخفض للغاية، وقيل المراد: ما لا يحل لبسه، أو ما يقصد بلبسه التفاخر والتكبر.

فهدي الداعية ينبغي أن يوافق في ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لبس ما تيسّر من اللباس، قال فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "ولا شك أن الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال يلبسون الثياب الجميلة وليس دونهم فإن هذا يُعد لباس شهرة" (شرح رياض الصالحين: [7/337]).

ثانياً: مراعاة المصلحة

إن ترك الداعية لمظهرها دون الاهتمام به ليس في مصلحة الدعوة، و«المؤمن الذي يُخالِط الناس ويصبر على أذاهم؛ خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (أخرجه ابن ماجة بسندٍ حسن)، ومخالطة الناس تستلزم حُسْن مظهر الداعية؛ إذ المظهر الحسن طريق إلى جذب القلوب، وصلاح الظاهر طريق إلى صلاح الباطن، ومدار اللباس على النية والمصلحة الراجحة في ذلك.

فلا يلزم الداعية أن تلبس فاخر الثياب إذا كان ذلك يؤثر على نفسية المدعوات، لا سيما إن كانوا فقراء.


قال ابن القيم: "ولبس الدنيء من الثياب يذم في موضع ويُحمَد في موضع، فيُذَمّ إذا كان شهرة وخيلاء، ويُمدَح إذا كان تواضعاً واستكانة، كما أن لبس الرفيع منها يُذمَ في موضع ويُحمَد في موضع، فيذم إذا كان تكبراً وفخراً وخيلاء، ويمدح إذا كان تجملاً وإظهاراً لنعمة الله" (زاد المعاد: [1/146]).

لكن لا يفهم من ذلك إهمال الداعية لأناقتها ورثاثة الهيئة وتكلفها، فقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على مالك بن نضلة رضي الله عنه رثاثة هيئته قال مالك رضي الله عنه: "أتيت رسول الله فرآني رثّ الهيئة فقال لي: «هل لك من مال؟» قلت: نعم، قد أتاني الله عز وجل من كل ماله؛ من خيله وإبله وغنمه ورقيقه، قال: «فإذا آتاك الله مالاً فلِيَرَ عليك نعمته»" (رواه أبو داود وصحّحه الألباني).

وهنا أمرٌ مهم وهو ترك الداعية للباس مع القدرة عليه لا بد أن يكون لمقصد صحيح، فلا يترك اللباس الرفيع بخلاً أو إظهاراً للزهد، وليقال متواضع.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "وهذا يعني أن الإنسان إذا كان بين أناس متوسطي الحال لا يستطيعون اللباس الرفيع فتواضع وصار يلبس مثلهم لئلا تُنكِر قلوبهم، ولئلا يفخر عليه، فإنه يناله الأجر العظيم، أما إذا كان بين أناس قد أنعم الله عليهم ويلبسون الثياب الرفيعة لكنها غير محرّمة فإن الأفضل أن يلبس مثلهم؛ لأن الله تعالى جميل يحب الجمال" (شرح رياض الصالحين: [2/336]).

لذا ينبغي للداعية ألا تقتر على نفسها إذ آتاها الله مالاً، وأن تحتسب ذلك قوة في طاعته، ووسيلة من وسائل الدعوة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا آتاك الله مالاً فلير أثره عليك» (رواه أبو داود).

قال ابن حجر: "أي بأن يلبس ثياباً تليق بحاله من النفاسة والنظافة ليعرفه المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد وترك الإسراف جمعاً بين الأدلة". (فتح الباري: [10/26]).

ثالثاً: التوسط والقصد في اللباس

الوسطية من خصائص هذه الأمة، فهي وسط في كل أمورها؟ وفي مظهر الداعية يتجلى ذلك؛ لأن فيه تحقيق لنجاح الدعوة. والفهم الصحيح للتوسط في اللباس والهيئة مطلوب من كل أحد، ومن الداعية لوجهٍ خاص، إذ أنها تُعدّ معياراً لغيرها وهي مصب الأنظار وكثير من النساء تَبنى على مظهرها قصدت الداعية أم لم تقصد.

لكن لا يقال بأن أمر الداعية بحسن اللباس فيه منافاة للزهد؛ لأن الزهد كما عرّفه شيخ الإسلام: "هو ترك ما لا ينفع في الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله" (الفتاوى المجلد العاشر؛ ص:[21]، ص: [511]) أ.هـ

وليس من الزهد أن يلبس الثياب غير النظيفة أو إظهار رثة الحال في وسط نساء ذو لباس رفيع مثلاً، وكذا لا يعني لبس الرديء من الثياب في زمان ومكان لا يلبس أهله إلا الجيد من الثياب.

لذا فعلى الداعية الاهتمام بالمظهر الخارجي وهذا فيما يتوافق مع أمور الشريعة الإسلامية وذلك بترك المحرّمات والمكروهات؛ لأن الداعية قدوة للغير، وينبغي أن يعلم أنه لا سبيل لتحريم الزينة التي أخرجها الله إذا لم تصرِف عن عبادته أو تَدعُ إلى ارتكاب محرّم، وأنها إذا كانت سبيلاً للخير وسبباً في إقبال الناس عليها فإنها تستحب، وقد تجب أحياناً.


نوال الطيار