الجهاد خطوات نحو العزة

الجهاد هذه الكلمة التي ما أن تنطق بها في زماننا أمام أحد البسطاء وربما غير البسطاء إلا وتجده يلتفت خشية أن تكون إحدى الحوائط تُبرِز أذنها لتسمع ما سيُقال بعد هذه الكلمة ثم يقول في توسل لك أن تجاريه: "نعم أفهم أنك تقصد جهاد النفس"؛ فلا يسعك حينها إلا أن تنهي الكلام معه شفقة به.

  • التصنيفات: فقه الجهاد -


الجهاد هذه الكلمة التي ما أن تنطق بها في زماننا أمام أحد البسطاء وربما غير البسطاء إلا وتجده يلتفت خشية أن تكون إحدى الحوائط تُبرِز أذنها لتسمع ما سيُقال بعد هذه الكلمة ثم يقول في توسل لك أن تجاريه: "نعم أفهم أنك تقصد جهاد النفس"؛ فلا يسعك حينها إلا أن تنهي الكلام معه شفقة به.

هذا الخوف من مصطلح (الجهاد) عند إطلاقه ليس سوى تعبيرًا عن واقع مليء بالوهن والهوان، حقيقة صادمة تبرهن لك عن معنى الغثائية الذي جاء في حديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ» (صحيح الجامع/ 8183).

ولهذا الخوف أسبابه ومنها ترك تناول أحكام الجهاد كما ينبغي دون إفراط أو تفريط وإيهام الكثير من طلبة العلم والدعاة لأنفسهم ولمن حولهم أن الحديث في هذا الباب ليس أوانه ولا ضرورة لتفنيد أحكامه، فإذا سُئِل أحدهم في مسألة تتعلق بأحكام الجهاد يُمَيِّع ويدور في فلك بعيد وربما في آخر الكلام يُلقي خلاصة ما في جعبته بقوله: "الله يعطيك العافية لا تضرنا بهذا الحديث" ليسكتك سكوتًا كسكوته!

ومن الواقع المرير في تناول أحكام الجهاد تضييق الأفهام ومحاصرتها بأن الجهاد إنما هو مجاهدة النفس وبذل المال فقط فرغم أن مجاهدة النفس جهاد وبذل المال جهاد؛ ولكن هذا التعمد في محاصرة الأفهام يدفعها دائمًا إلى الانحراف في الفهم زيادةً أو نقصانًا فيتَّبع أناس أناسًا على غير هدى من الله.

ومن الواقع المرير أيضًا فيما يتعلق بقضية الجهاد تناول الغزوات والفتوحات في السير كقصص تروى بشكل أسطوري كقصص الخيال العلمي دون تناول الفوائد والعبر منها بتفنيد وتوضيح للنشأ، وكذلك دون بث روحها في الأجيال فربما حملنا هذه الفوائد والعبر وبثثنا هذه الروح لجيل يفتح الله على يديه القدس ولِـمَ لا؟! وأطفال اليهود يربون في مدارسهم منذ حداثة أسنانهم على حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، ألسنا أحفاد الصحابة الفاتحين رضوان الله عليهم أجمعين والأولى بتربية النشأ على هذا؟!

(الجهاد) هو خطوات الأمة الثابتة لاستعادة عزتها فالقدس والأراضي المسلوبة جميعها لن تعود إلا بجهاد وقد علم أهل المفاوضات أن أعدائنا قد حطموا كل طاولات المفاوضات على رؤوسهم ورؤوسنا، فأعدائنا لا يفهمون سوى لغة القوة، أعداء الأمة يعلمون أن إقبال الناس على دينهم الذي ذروة سنامه الجهاد هو الفيصل الفارق لصالحنا في أي صراع بيننا وبينهم، أعداء الأمة لا ترهبهم سوى {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60].

الجهاد خطوات مدروسة يقتنص أهله الأجر بإخلاص وفق الهدي، لا تحملهم رعونة طائشة ولا يقعدهم وهن مهين هم الخُلَّص المجتبين من كل جيل، يحمون الثغور ويحافظون على ما تبقى للأمة من قوة وكرامة وعزة ويتحملون الكلام الملتوي من فاقدي البصيرة ممن لا يدركون حقائق الصراع بين الحق والباطل وممن أدركوا وتجاهلوا إدراكهم.

كن جنديًا للحق مرابطًا في خنادقه تجاهد نفسك وترغمها على الخير وتبذل من مالك ونفسك حتى إذا استدعيت يومًا لبذل نفسك في سبيل الله تكن أسرع الناس إجابة، وأخلص الناس سعيًا وأثبت الناس خطى تجهز فإن معارك الدفع تسبق دائمًا معارك الطلب تجهز حتى تسمع نداء (حي على الجهاد).

حسام كمال النجار

 

المصدر: مجلة البيان