قصــــــــة..... أختي اليتيمة

ملفات متنوعة

  • التصنيفات: التربية والأسرة المسلمة -

الجزء الأول

 أستيقظ كل صباح كي أقوم بالمهمة الموكلة إلي.. يا إلهي كم أتذمر من هذه المهمة..

لم علي أن أقوم أنا بالذات بإيصال سارة إلى المدرسة كل يوم.. هناك شيء ما يوحي إلي بأنني سألتقي بشيء أبحث عنه ولكن ماهو؟

لا أدري!!!

استيقظت اليوم مبكراً.. لماذا؟ هل لأن اليوم هو الأربعاء..!! حيث سأرتاح من إيصالك يومين متتاليين.. لم لا؟!

تناولت فطوري وانتظرت حتى تأتي سارة.. جاءت سارة وانطلقنا إلى المدرسة..

سارة في الصف الثالث الإبتدائي.. مرحة جداً.. ولا أنسى دلعها الزائد وطلباتها المجابة من والدتي حفظها الله.. حيث أن والدي متوفى منذ ثلاث سنوات..

 وصلنا إلى المدرسة.. نزلت سارة مسرعة، أما أنا فقد استوقفني منظر فتاة صغيرة تقف حائرة أمام باب المدرسة حائرة بين الدخول أو الرجوع من حيث أتت..

وقفت أنظر إليها أتاملها.. لم أستفق إلا على منبه سيارة من خلفي قد سددت الطريق على صاحبها.. توكلت على الله وتوجهت إلى مقر عملي.. لكن صورة تلك الفتاة.. لم تفارق مخيلتي أبداً لاشعورياً أفكر فيها ترى ماهو السبب..

 يبدو أنني أشغل نفسي بشيء تافه.. لم كل هذا التفكير أحمد؟! إنها طفلة كغيرها تخاف من المدرسة ليس إلا.

 ********

 عند باب المدرسة وبعد انتهاء الدوام.. انتظرت سارة في السيارة لكنها لم تأت تأخرت..!! ليس كعادتها.. اضطررت للنزول كي أطلب من الحارس أن ينادي عليها.. نادى مرة ومرتين وثلاثة.. ولم تخرج.. كدت أنفجر غضباً.. أين ذهبت.. يبدو أنها غارقة في اللعب.. حسنا سارة .. سأؤدبك..

 أخيراً خرجت.. هالني منظرها.. لحظة!..

لاتظنوها تبكي.. بالعكس كانت مسرورة وهي تمسك بيد زميلتها.. أحال منظرها جمر قلبي المشتعل إلى رماد.. أتت إلي مسرورة تجري

حملتها كعادتي وقبلتها بين عينيها.. وهي في غمرة سعادتها وضحكها.. رأيت دمعة انحدرت على وجنة زميلتها.. آآآآآآآه.. هي نفس الفتاة التي رأيتها عند باب المدرسة في الصباح.. أنزلت سارة وحملتها وأنا أتساءل مالذي أنزل هذه الدمعة الآن.. مسحت دمعتها وقبلتها هي الأخرى.. أخرجت قطعة حلوى من جيبي لا تستغني عنها سارة وأعطيتها إياها..

 ارتسمت ابتسامة بريئة على شفتيها ونزلت دمعة كانت معلقة في عينيها.. طبعت قبلة على رأسي وقالت: ((ياليت عندي بابا مثلك))

 آآآآه هي يتيمة إذن.!! وليس لديها أب.. أو أنه قاسٍ عليها أنزلتها بعد أن ودعتها.. وأخذت أراقبها إلى أن اختفت عن أنظاري بين البنيان.. عدت إلى المنزل وفكري مشغول بها.. لم استطع تناول غدائي

ذهبت إلى غرفتي واستلقيت على السرير وكلمتها ترن في أذني((ياليت عندي بابا مثلك)) هل تحسون بمثل ما أحس به؟ هل مر بأحدكم موقف كهذا؟ لا أدري كم مر من الوقت وأنا أفكر بها.. تعلقت بها كثيراً... أنتظر الصباح بفارغ الصبر حتى أراها.. أريد أن أشعرها بقربي منها.. ولكن بصفتي ماذا؟؟.. أخ لصديقتها.. يا لتفاهة الموقف..

 
خطرت في بالي فكرة!! .. أن أجعل سارة تتقرب منها أكثر وتسألها عن أحوالها بالفعل فكرة رائعة.. ولكن..!!

كيف ستفهم سارة ما أريد؟؟ هذه هي المشكلة..!!

 **********

 يبدو أنها ملت الانتظار حتى صرخت في وجهي: أحمد أنا أتكلم.. نعم سارة ماذا تريدين؟

أطالت النظر إلي وقالت أريد التحدث معك في سر!!.. هل بإمكاني ذلك؟..

ضحكت عليها..!! وكيف لطفلة مثلك أن تعرف معنى الأسرار؟

يبدو أنها غضبت من ضحكي عليها لذا أرادت الخروج.. لكني تداركت الوضع.. أمسكت بيدها وأجلستها على رجليّ..

ماذا كنت تريدين يا صغيرتي؟

حسنا.. سأقول.. لكن أريدك أن تعدني بأن يكون سراً بيني وبينك.. أحسست أن الموضوع جد..!! ماذا لديك عزيزتي..؟؟

هل ستسمع ما أقوله لك؟؟

نعم سأسمع وسأنفذ كل ما تأمرين به..

ساد الصمت لفترة ثم قالت: جواهر..

نظرت إليها بتساؤل من جواهر؟!

ردت بسرعة: صديقتي

ألا تعرفها.. التي حملتها اليوم وأعطيتها الحلوى..

امم.. تذكرتها مابها؟

هي تقول إنها أختي..

أردت أن أضحك مرة أخرى.. بالتأكيد صديقتها وعزيزة عليها ستقول أنك أختها.. ولكن هل هذا هو السر..!! يبدو أن الابتسامة شقت طريقها إلي رغما عني مما أدى إلى استيائها..

أنت تسخر مني أليس كذلك؟

لا.. لا.. ياعزيزتي.. بما أنك صديقتها كما قلت فمن الطبيعي أن تقول أنها أختك لأنها تحبك..

ولكنها قالت لي أن أمها تقول بأن لها إخوة من الأب لا تعرفهم.. ارتسمت علامة استفهام كبيرة على وجهي!!.. ولكن مادخلي بهذا الموضوع؟!..

ضربتني ضربة خفيفة على رأسي أحمد افهم.. اسم والدي يشابه اسم والد جواهر.. والدي توفي ووالد جواهر توفي أيضاً .. وأنت!!..

مابي أنا أيضاً.. لاشيء سوى أنك تشبه جواهر كثيراً!!..

 هذه المرة لم أمنع نفسي من الضحك عليها..

اغتاظت كثيراً وذهبت وعندما وصلت إلى الباب غمزتني قائلة:

ســـــــــــــر!!

 

الجزء الثاني

 
مرت فترة على الحوار الذي دار بيني وبين سارة..

وفي أحد الأيام عندما ذهبت لأخذها من المدرسة فاجأتني بمجيئها مع جواهر.. ركبتا السيارة وقالت:

والدة جواهر مريضة وتريدك أن توصلها إلى المنزل..

لم أجب.. بل توجهت بنظري إلى جواهر الجالسة في الخلف فلم تعلق بل أنزلت رأسها إلى الأرض.. هل أنت متأكدة من ذلك؟

ردت سارة نعم.. عدت ببصري إلى الوراء.. لا أدري مالذي جذبني إليها.. عيناها.. وجنتيها.. كل شيء فيها جميل.. ضحكت في نفسي على قول سارة بأنها تشبهني.. هناك فرق كبير.. شغلت سيارتي وسألتها عن طريق منزلهم، دلتني على الطريق إلى أن وصلنا.. نزلت قبلها وفتحت لها باب السيارة.. وعندما نزلت أمسكت بيدي

أحسست بقشعريرة تسري في جسدي..

كانت عيناها تنظر إلي برجاء.. وكأنها تود البوح بشيء..

نزلت إلى مستواها أحثها على الكلام.. بينما أذهلني جمود سارة في السيارة دون أن تتفوه بأي كلمة.. اقتربت منها وأنا أتحدث بصوت أقرب إلى الهمس.. مابك صغيرتي؟..

قالت كلمتها وكأني صُفعت على وجهي قالت: (أحمد أنا أحبك)

جمدت في مكاني.. ماذا قلت صغيرتي؟

أجابت: ألا يحق لي ذلك ألست أخي؟!

ومن قال ذلك؟!

أمي..

أمك قالت بأن أحمد أخوك..؟؟!!

تلعثمت ولم تستطع الرد فدخلت مسرعة إلى المنزل وأغلقت الباب خلفها..!!

 *********

 عدت إلى المنزل وأنا أفكر فيما قالت.. هل من المعقول أن تكون أختي كيف..؟؟ ولم لم يخبرني أحد؟؟ ومنذ متى؟؟

دخلت غرفتي واستلقيت على السرير وسرعان ما خلدت للنوم..

 مرت الأيام على هذا الحدث.. كنت قد نسيته أو بالأحرى تناسيته..

سارة نجحت من الصف الثالث بامتياز وأصرت على أمي أن تعمل لها حفلة نجاح لتدعو صديقاتها في الصف.. وبعد إلحاح وافقت أمي.. وبدأت الشروط.. أريد وأريد وأريد.. وكل هذا غير مهم.. إذاً ما المهم بربك إذا لم يكن هذا غير مهم.. أريد أن أشتري فستانان للحفلة.. ولم هذان الفستانان؟!..

لي ولجواهر ..

غضبت أمي.. جواهر.. جواهر.. هل يمكن أن تسير حياتنا بدون ذكرها..

استغربت من رد أمي.. لكني لذت بالصمت، أما سارتي فقد تغيرت ملامحها واغرورقت عيناها بالدموع وذهبت إلى غرفتها وهي تبكي.. لابد أن في الموضوع سر ولابد أن أعرفه!!.. لماذا كل هذه العصبية أماه, طفلة وتريد أن تفرح وتُفرح صديقتها ماذا في الأمر؟

أجابت بغضب فلتفرح بعيداً عنا.. فلا دخل لنا بالغرباء..

لم أرد, بل توجهت إلى سارة محاولاً مواساتها.. بمجرد دخولي أخفت شيئاً كان في يدها.. حتى هذه الصغيرة لديها أسرارها التي لاتريد لأحد الاطلاع عليها..!!

لم أسألها عما أخفت ولكن سألتها عن جواهر ولم كل هذا الاهتمام بها؟!

نظرت إلي وقالت؛ ألا تذكر السر الذي أخبرتك به..

سر!!!

عما تتحدثين؟!..

نظرت إلي مما أدى إلى إطراقي.. أحياناً أخاف من نظراتها..

اقتربت مني وهمست.. ألم أقل لك أن جواهر أختي وأنا أحبها جداً..

سكت قليلاً وأنا أتذكر ذلك.. هي تحبك لأنك صديقتها..

بل أختها.. ألا تفهم؟

بلا.. بلا.. أفهم وسأذهب عصراً لأشتري لكي ما تريدين.. ولكن بشرط..؟؟

ابتسمت بفرح.. موافقة..!!

دون أن تعرفي ماهو الشرط؟

دون أن أعرف..

ولكن..!! ما هو شرطك؟

شرطي ألاّ تعلم والدتي أني اشتريت الفستان لها

من هي..؟

عدت لتسألي.. من غيرها.. أختك الآنسة جواهر..

ابتسمت بمكر وقالت: أختك أيضاً..!!

 جاءت إلي والدتي ويبدو عليها الإنهاك جلياً.. أعطتني قائمة بمتطلبات الحفلة..

ولم كل هذه الأشياء ماهي إلا حفلة صغيرة وتنتهي.. أجابت بصوت منهك.. لايهم.. المهم هو فرح سارة.. لا أدري هل سأعمل لها حفلة أخرى أم لا..

المهم.. اذهب بسرعة ولا تتأخر فلدي الكثير من العمل..

أخذت القائمة وخرجت من عندها لأحضر ما طلبت..

 ********

 انتهت الحفلة على خير..

كانت رائعة جداً ؛ سرت بها سارة وصديقاتها.. شد انتباهي اختفاء أمي طوال الحفلة.. فلم أرها..!! ياترى هل أغضبها شيء.. لا لا..

كان يبدو عليها بعض الإرهاق من كثرة العمل..

 وأنا في غمرة تفكيري قطعت سارة سكوني..

أحمد.. تعال لنرى ما أحضرن لي صديقاتي من الهدايا..

هززت رأسي ثم قلت: في البداية يجب أن نذهب إلى أمي ونشكرها على ما قدمت.. ثم نريها الهدايا.. حملتها على ظهري كالعادة واتجهنا حيث غرفة أمي.. طرقت الباب.. مرة.. مرتين ثلاثاً.. لامجيب..!! ازداد طرقي للباب.. لا جواب..

أنزلت سارة من على كتفي وفتحت الباب.. وجدتها ممددة على السرير.. تبدو نائمة.. ملامحها هادئة جداً.. اقتربت منها لأتأكد من أنها بخير.. فلم يكن شكلها في الصباح يومئ بذلك.. قربت فمي من أذنها وهمست: أمي.. سارة تريد أن تقول لك شكراً على ما فعلته وتريك هداياها.. أمسكت سارة بطرف ثوبي..

أحمد انظر إلى يد أمي..

التفت بسرعة إلى حيث أشارت فماذا رأيت؟؟!! لقد كانت رافعة إصبع السبابة.. إذن ماتت..!!

 خرجت هذه الكلمة لا شعورياً مني.. ازداد تمسك سارة بثوبي..

ماذا تقول أحمد؟

أمي لم تمت.. لم تمت..

اقتربت سارة من أمي.. أمي أنا سارتك الصغيرة أرجوك ردي علي..

أعدك بأني لا أتعبك مرة أخرى.. أعدك بأن لا أذكر اسم جواهر مرة أخرى.. لاتتركيني وحدي.. أرجوك أمي..

لم استطع أن أتمالك نفسي.. أخذت أسحبها حتى لاتؤذي نفسها..

ازداد تشبثها بأمي وعلا صراخها..لا.. لالالالالالا

أمي لم تمت.. أرجوك.. أمي.. قومي.. قومي أثبتي له ذلك.. أحمد لايحبك لذا يقول بأنك قد رحلت.. هيا هيا أمي.. أرجوك..........


الجزء الثالث

مضت خمس سنوات على وفاة والدتي رحمها الله

كنت فيها الأم والأب وكل شيء لسارة.. التي أصبحت بالنسبة لي شيء كبير ومهم في حياتي أكثر من ذي قبل.. لم يبق في المنزل بعد رحيل أمي سوانا.. كان الملل يحيط بنا بالرغم من محاولتي جاهداً أن أزيل آثاره.. وأن أدخل البهجة إلى قلب سارة بعد أن فقدت أعز اثنين على قلبها.. أمي (رحمها الله).. وجواهر.. أجل.. اختفت جواهر بعد رحيل أمي بسنتين دون سابق إنذار.. إلى مكان غير معروف مما أدى إلى انتكاس سارة.. التي كان عليّ محاولة إخراجها مرة أخرى من انطوائها.. ولكن كيف ذلك..؟ العلم عند الله.. فأنا سأبذل ما في وسعي لأجلها..

*********

 يبدو أنني استغرقت وقتاً في التفكير.. أشعر بصداع شديد.. نهضت من سريري متوجهاً إلى أسفل لأعد لي شاياً ساخناً ريثما تنتهي سارة من واجباتها ثم نذهب بعد ذلك للسوق.. ساقتني قدماي إلى غرفة والدتي لاشعورياً.. دخلت الغرفة.. أضأت المصباح.. وجلست على طرف السرير.. فتحت أحد الأدراج على جانب السرير.. فوجدت مفكرة صغيرة .. ترى ما بداخلها ؟!.. فتحتها.. فغرت فمي حين قرأت المكتوب كعنوان لها (مذكراتي أكتبها في حياتي.. ليقراها أبنائي من بعدي).. فتحت الصفحة الأولى والثانية والثالثة.. كل صفحة أحداثها تختلف عن الأخرى.. شدني عنوان إحدى الصفحات (أصعب الأيام).. ترى ما هو أصعب أيام حياتك أمي؟؟

هل عندما مات أبي؟ أو عندما انتقلنا لمنزلنا هذا؟؟ هل؟؟.. وهل؟.. أسئلة كثيرة ترددت في مخيلتي قبل أن أقرأ ماكُتب في تلك الصفحة.. لم يكن خبر وفاة والدي.. ولم يكن حدث انتقالنا لمنزلنا هذا.. ولا غيرها من الأفكار التي طرأت على بالي البتة.. لقد كان..

خبر زواج والدي!!!..

نعم لقد تزوج والدي عليها دون علمنا.. هل يعقل هذا؟.. أنا لا أعارض ولكن لِم لم يخبرنا؟؟

لم لم تقل أمي لنا ذلك؟؟ من هي تلك المرأة.. وكيف تزوجها.. ومتى.. وهل لنا أخوة منها.. أم لا؟.. لا أصدق قرأت وقرأت حتى كاد رأسي أن ينفجر.. جاءني صوت سارة الواقفة على الباب.. وقد لبست عباءتها..

سألتها عما إذا كانت تريد الخروج الآن.. هزت رأسها إيجاباً.. أعدت المفكرة إلى الدرج وأطفأت المصباح وخرجت..

 *********

 قضينا قرابة الساعتين في السوق.. عدت بعدها وأنا في غاية التعب.. توجهت إلى المطبخ وعملت لي كوباً من الشاي.. صعدت إلى غرفتي تمددت على السرير وأنا احتسي بعضاً منه.. وسرعان ما شعرت بالراحة وخلدت للنوم..

 **********

 صوت طرق الباب أزعجني.. فتحت عيني شيئاً فشيئاً

وتكلمت بصوت يكاد يخرج من حنجرتي.. تفضل..

فُتح الباب ببطء.. وأنا أسمع صوت أزيزه.. وأنتظر من سارة أن تتحدث دون أن أتحرك من مكاني.. جاءني صوت طالما أحببته.. وطالما تسليت بسماعه.. أطربني سنوات معدودة.. وانقطع عني بقية عمري..

التفت إلى مصدر الصوت.. تفاجئت.. ذهلت.. لم أعرف كيف أتصرف.. وظللت مشدوهاً أنظر.. لقد كان..

أبــــــــــــــــــــــي..

أجل كان قابضاً يديه ومادهما إليّ.. قال بصوت حنون.. أحمد.. هذه أمانة عندك فحافظ عليها.. مددت يدي وأنا أنظر في عينيه خوف أن أفقدهما مرة أخرى.. وضع ما معه في يدي.. باختصار كانت..

 أحمد.. هيا قم سوف تقام الصلاة وأنت نائم..

حسناً سارة ها أنا ذاهب.. استعذت من الشيطان وقمت للصلاة..

 ********

 عدت إلى غرفتي وحاولت أن استرجع ما رأيته في الحلم..

ماهي هذه الأمانة التي يوصيني والدي بها.. كان شيئاً له بريق ولمعان.. شيء ثمين.. وإلاّ لم يكن ليحرص عليه كل هذا الحرص..

 في المساء كنت جالساً مع سارة في غرفتها..

كانت ساكتة وهادئة على غير العادة.. تسترق النظر إليّ بين فينة وأخرى.. وكأنها تريد قول شيء وخائفة من ردة فعلي.. ما بك سارة ماذا تريدين أن تقولي.. لاتخفي شيئاً.. ترددت قليلاً ثم قالت:

 
الجزء الرابع

 ما بك سارة ماذا تريدين أن تقولي؟؟ لاتخفي شيئاً.. ترددت قليلاً ثم قالت: جواهر..!!

سرت قشعريرة في أوصالي..

منذ متى لم أسمع هذا الاسم؟.. الذي طالما تمنيت سماعه.. ترى أين أنت وماذا حصل لك؟

مابها يا عزيزتي..؟ اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول:

اشتقت إليها.. أريد أن أراها..

انفجرت سارة بالبكاء..

أحمد أرجوك أريدها

لا أريد أن أفقدها أكثر من ذلك.. لا أريد أن أعيش بدونها .. يكفي فقدي لأمي وأبي.. أرجوك أحمد.. أرجوك..

غطت وجهها بكفيها واسترسلت في البكاء.. يا إلهي من أين لي بالقوة حتى أجعلها تهدأ؟ العون يارب.. اقتربت منها وضممتها وأنا اقرأ عليها آيات من القرآن..

إلى أن هدأت ونامت..

خرجت من عندها بعد أن أطفأت النور.. وأنا بحال يرثى لها.. ياإلهي ماذا أفعل؟..

 *********

 في اليوم التالي استأذنت من عملي مبكراً.. ذهبت إلى منزل جواهر.. طرقت الباب لكن بدون جدوى..

 اتجهت إلى المنزل المجاور.. طرقت ففتحت لي امرأة عجوز.. سلمت عليها وسألتها عن جواهر ووالدتها.. أخبرتني بأن والدة جواهر تزوجت وانتقلت بعد فترة من زواجها إلى منزل زوجها وتركت هذا المنزل منذ سنتين..

سألتها عما إذا كانت تعرف إلى أين انتقلوا أو اسم زوجها أو وظيفته؟؟

لكنها لم تكن تعرف شيئاً..

استأذنت منها وعدت أدراجي..

 كيف أتصرف؟.. لا أريد أن تعيش سارة في شقاء.. لم أصدق أنها خرجت مما هي فيه.. ولكنها بحكم شعورها بالوحدة والحاجة إلى من يفهمها أكثر مني عادت إلى تلك الحالة من البكاء والصياح.. وعليّ إخراجها من هذه الحالة بأي طريقة..

 ذهبت إلى البيت

وكانت مستلقية على كنبة في الصالة.. سألتها إذا كانت تعرف اسم والدة جواهر أو لا.. ردت فوراً (آمنة).. ولكن لم تسأل؟

لم أجبها.. لقد مر عليّ هذا الاسم.. ولكن أين؟؟؟!!!

آآآآآه تذكرت في المفكرة..!!

ذهبت إلى غرفة أمي بسرعة وجلست على طرف السرير فتحت المفكرة وجدت اسمها في صفحة أصعب الأيام.. أجل اسمها آمنة وهي من أعز صديقات أمي.. ولأبي منها بنت أسمها

 جـــــــــــواهرررر...

 دارت الدنيا في رأسي.. جواهر أختي.. أيعقل هذا؟؟!! طوال هذه السنين وسارة تقول لي إنها أختي وأنا اضحك عليها.. هي أيضاً قالت لي هذا الكلام.. قالت كلمتها وكأني صُفعت على وجهي قالت:

(أحمد أنا أحبك)

جمدت في مكاني.. ماذا قلت صغيرتي؟

أجابت: ألا يحق لي ذلك ألست أخي؟

ومن قال ذلك؟

أمي..

 لا أصدق ما يحدث كنت أعتقد أنه بحكم صداقتها تؤمن بأخوتها وتعتبرني أيضاً أخاً لها.. قمت مسرعاً إلى سارة كانت تحتضن صورة وتبكي..

أخذت منها الصورة ونظرت كانت صورة والدي (رحمه الله) وهو يحمل في يديه جواهر.. عادت بي الذاكرة إلى الوراء..

 (غضبت أمي.. جواهر.. جواهر هل يمكن أن تسير حياتنا بدون ذكرها..

استغربت من رد أمي لكني لذت بالصمت.. أما سارتي فقد تغيرت ملامحها واغرورقت عيناها بالدموع وذهبت إلى غرفتها وهي تبكي.. لابد أن في الموضوع سر ولابد أن أعرفه؟

لماذا كل هذه العصبية, أماه طفلة وتريد أن تفرح وتُفرح صديقتها ماذا في الأمر؟

أجابت بغضب فلتفرح بعيداً عنا فلا دخل لنا بالغرباء..

لم أرد, بل توجهت إلى سارة محاولاً مواساتها.. بمجرد دخولي أخفت شيئاً كان في يدها.. حتى هذه الصغيرة لديها أسرارها التي لاتريد لأحد الاطلاع عليها..!!

لم أسألها عما أخفت ولكن سألتها عن جواهر ولم كل هذا الاهتمام بها؟

نظرت إلي وقالت؛ ألا تذكر السر الذي أخبرتك به..

سر!!!

عما تتحدثين؟

نظرت إلي مما أدى إلى إطراقي.. أحياناً أخاف من نظراتها..

اقتربت مني وهمست ألم أقل لك أن جواهر أختي وأنا أحبها جداً..

 سكت قليلاً وأنا أتذكر ذلك..

هي تحبك لأنك صديقتها..

بل أختها ألا تفهم؟

بلا.. بلا.. أفهم)..

 

آآآآآآآه.. تذكرت

والدي كان يحمل في يديه (جواهرررر) عندما جاءني في الحلم.. أجل يحمل جواهر..

وأراد مني أن أبحث عنها وأحافظ عليها.. ولكن أين أنت ياجواهر.. أين أنت؟؟

كانت سارة تنظر إليّ مستغربة من تصرفي وبكائي.. بكيت على أيام مضت أضعت فيها أختي بسذاجتي وغبائي.. بكيت على ما أخفاه والدي عنا..

بكيت على جفاء والدتي لطفلة لاذنب لها.. بكيت لأني لم أحقق لها أمنيتها بأن أكون لها أباً كما أرادت.. قلت بصوت مسموع:

عودي.. أرجوك.. أعدك بأن أحقق لك ما تريدين.. أعدك بأن أكون لك الأب والأخ.. سأحبك كما أحببتني..لن أخذلك في شيء ولكن عودي لنا جواهر أرجوك عودي...

 بكت سارة لبكائي ..

يامليكي أنت ربي أنت حسبي ومعيني.. ياإلهي ساعدني.. ماذا أفعل.. كيف سأتصرف.. وأين سأجدها؟..

خرجت من المنزل على غير هدى.. عسى أن تقودني قدماي إليها.. أو يأتي المارد فيأخذني إليها حيث تكون..

 بعد ساعات من السير في الشوارع والطرقات عدت للمنزل واتجهت إلى غرفة سارة.. لأرى ما حل بها بعد أن كان مني ما كان.. كانت مستلقية على السرير.. وواضح عليها التعب والإنهاك.. اقتربت منها.. كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة.. وضعت يدي على رأسها.. حرارتها مرتفعة جداً.. أخذت أهزها وأناديها.. وهي على حالها.. حملتها بين يدي.. وأنا في أشد الحاجة لمن يحملني.. لطفك يارب.. أخذتها إلى المستشفى.. أدخلت قسم الطوارئ.. مرت دقائق وكأنها دهر.. خرجت الطبيبة المناوبة من عندها.. سألتها .. فأجابت ضعف عام وارتفاع في درجة الحرارة.. وتستلزم التنويم حتى تتحسن حالتها

لم أدر بنفسي إلا وأنا أسير خلفها لأكمل إجراءات التنويم.. عدت إلى المنزل بعد أن اطمأننت عليها..

 أخذت أتأمل أرجاء المنزل.. أستعيد ذكرياتي معها فيه.. هنا كانت تستقبلني عندما آتي من العمل وأحملها على ظهري.. على هذا الكرسي كنت أجلس لأذاكر لها..

 عند التلفاز كانت أمي (رحمها الله) تحمل لنا الطعام وقت راحتنا..

أمي!! أمي!!

هل من الممكن أن تكون أمي قد كتبت معلومات أخرى عن زوجة أبي في مذكراتها غير كونها صديقتها..؟

 توجهت إلى غرفتها.. قلبت المفكرة صفحة صفحة بلا فائدة.. فتشت الدرج فوجدت نوتة أرقام صغيرة.. بالتأكيد سيكون الرقم موجود.. تصفحتها لم أعثر لها على اسم.. لكن ماهذا الاسم الغريب.. السارقة..

ترى من هي.. ولم تنعتها أمي بالسارقة.. لحظة!!.. آمنة شاكر.. هذا ما كتب تحت اسم السارقة.. بالتأكيد هي.. ضحكت في خاطري على هذا النعت..

أسمتها أمي بالسارقة لأنها أخذت والدي منها.. يا للنساء.. يغرن من أي شيء.. حفظت الرقم في هاتفي النقال إلى أن يتسنى لي الاتصال في الصباح.. فالوقت متأخر ولابد لي أن أنام.. تمددت على سرير أمي أحاول أن أنام..

 ولكن هيهات هيهات.. قُلب رأسي من التفكير.. كيف لي بالنوم وسارة مريضة.. وجواهر لانعرف أين اختفت؟ ماذا أفعل كي أعيد المياه لمجاريها وتعود سارة كما كانت فراشة المنزل..

والتقي بك ياجواهر كي أحقق أمانيك.. الآن عرفت ما هو الشيء الذي كنت أبحث عنه من جراء إيصالي لسارة المدرسة..

ولكن ..

بعد فوات الأوان.. لا لم يفت الأوان.. مازال هناك أمل بأن ألقاك عاجلاً أم آجلاً يا جواهر..

 ********

 الساعة تشير إلى السابعة صباحاً.. يا إلهي نمت كل هذا الوقت..

لِم لم توقظني سارة لصلاة الفجر؟..

اووووه.. صحيح.!! سارة في المستشفى كيف نسيت ذلك؟

نهضت مسرعاًً.. صليت الفجر وتوجهت إلى مقر العمل..

 استأذنت من المسئول واتجهت إلى المستشفى.. ذهبت إلى غرفة سارة فوراً متشوقاً إليها.. دخلت دون أن أطرق الباب وكانت المفاجأة.!!

خرجت وقد امتقع لوني من هول الصدمة.. أوف!!.. كيف دخلت دون أن أطرق الباب؟!..

 ما هذا الموقف المحرج الذي وضعت نفسي فيه.. ماذا أفعل الآن؟!

كيف أعتذر؟! ماذا ستقول عنّي؟!

  الجزء الخامس

ذهبت إلى غرفة سارة فوراً متشوقاً إليها.. دخلت دون أن أطرق الباب

وكانت المفاجأة..!!

خرجت وقد امتقع لوني من هول الصدمة..

أوف!!..

كيف دخلت دون أن أطرق الباب؟!.. ما هذا الموقف المحرج الذي وضعت نفسي فيه.. ماذا أفعل الآن؟! كيف أعتذر ؟! ماذا ستقول عنّي؟!

فليكن.. أنا لم أر سوى ظهرها.. احترت ماذا أعمل..!! استجمعت قواي.. وطرقت الباب فلم أسمع رداً.. عدت للطرق مرة أخرى..

أيضا لا مجيب.. احترت.. رأيتها بأم عيني جالسة على السرير.. لِم لم تجب؟

فجأة فُتح الباب.. وخرجت المرأة التي كانت جالسة عند سارة.. كانت متحجبة لايرى منها شيء.. تراجعت للوراء كي أسمح لها بالمرور.. قالت لي بكل حياء تفضل.. لم أصدق قولاً .. دخلت مسرعاً وأنا أنظر خلفي..

سألت سارة.. من هذه المرأة..؟؟ وكانت غارقة في الضحك..

استشطت غضباً لم تضحكين أيتها السخيفة.. هل هناك مايثير الضحك؟

لم تستطع الرد من الضحك.. سارة أنا أحادثك كفي عن الضحك قليلاً.. قلتها وقد احمرّ وجهي.. لا أدري هل هو غضب أو خجل من ضحكها عليّ و من نظراتها.. جلست على طرف السرير إلى أن تنتهي.. هل انتهيت الآن..؟؟

نعم..

قلت: ولماذا كل هذا؟

قالت: ألم تر كيف كان شكلك وأنت تنظر إليها.. كادت رقبتك أن تنكسر..

كأنك ترى امرأة لأول مرة في حياتك..

أووووووه نسيت.. كيف أنت اليوم؟ بخير وأريد الخروج الآن...

بهذه السرعة!!.. لا.. حتى تستعيدي شيئاً من صحتك.. فأنت ضعيفة جداً..

أرجوك أحمد.. لا أستطيع البقاء هنا بمفردي.. أشعر بالملل..

حسناً..سأحاول ولكن.. لم تقولي لي من هذه المرأة؟؟..

تنهدت ورجعت للوراء وركزت رأسها على الجدار.. وابتسمت بمكر..

لايهم أن تعرفها.. لم أعهد هذا الفضول منك أحمد!!..

اقتربت منها بغضب.. واضعاً يدي حول رقبتها.. ستقولين أم لا؟؟

نعم!!.. نعم!!.. أبعد يدك عني أنت تكتم أنفاسي.. أرجوك.. لن أبعد قبل أن تتكلمي..

حسناً..

فتاة والدتها مريضة وهي مرافقة لها.. وجاءت لتتعرف وتزيل الملل عنها من جراء جلوسها بمفردها..

حسناً.. هذا كل شيء..؟

أجل هذا كل شيء..

 **********

 مرت ساعتان وأنا مع سارة في المستشفى.. أحاول أن أخفف عنها وأنا في أشد الحاجة لمن يخفف عني.. أذهلني مارأيته منها

لم أتوقع أن أرى الإبتسامة تشق طريقها مرة أخرى إلى وجهها ولا أن أرى وجنتيها متوردتين إلا بعد أن تعود جواهر..

آآآآآآآه.. جواهر.. أين أنت الآن؟؟

 أحمد منذ ساعة وأنا أحادثك.. فيم تفكر؟؟

ها.. نعم!!.. ماذا أردت؟

ألن تذهب للطبيبة؟!..

ولم؟!

ماذا قلت لك؟!.. أريد الخروج..

حسناً.. سأذهب الآن..

خرجت من عندها إلى الطبيبة..

لم تبد أي ممانعة..

قامت معي وقاست ضغطها وعاينت ملفها..

صحتها تحسنت بعض الشيء.. وكتبت لها بعض الفيتامينات والمضادات.. خرجنا من الغرفة..

استوقفتني قائلة: أحمد أريد أن أسلم على ربى قبل أن أخرج.!!

ومن تكون ربى هذه؟!..

صديقتي التي تعرفت عليها هل يمكن ذلك أم لا؟!..

لم تنتظر الرد توجهت بسرعة إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها..

وقفت في الخارج أنتظرها.. جلست على كرسي الانتظار.. أف.. ماهذا التأخير يا سارة.. هيا أريد الذهاب.. وأخيراً جاء الفرج..

فتحت الباب وجاءت إليّ..

قالت: كيف حالك أحمد وهي تقترب مني أكثر وأكثر..

لحظة..!!

لم تكن سارة..

مابك؟؟ أنا ربى..!!

أوصلت لي سارة سلامك فجئت أرده عليك بنفسي..

كان وضعي محرج للغاية..

لأول مرة في حياتي أتعرض لموقف كهذا..

فما كان مني إلا أن أعطيتها ظهري وقلت بصوت حازم:

أرجو أن تكلمي سارة بسرعة..

ضحكت بدلع وذهبت..

أف ماهذا الهراء.. مسحت العرق المتصبب على وجهي.. خرجت سارة ووضعت يدها على فمي لتمنع صرخة موجهة إليها بعد أن رأتني أغلي من الغضب..

مشيت مسرعاً.. وهي تتبعني وتتعثر بعباءتها وتحاول أن تكلمني..

فلم أعرها أي اهتمام.. ولم أتفوه بغير.. (حسابك في المنزل).. وصلت إلى المنزل دخلت مسرعاً إلى غرفتي وأغلقت الباب..

طرقت سارة عليّ مراراً ولم أجبها.. كنت غاضباً من تصرفها جداً.. ومن تصرف الآنسة ربى.. مازال الطرق متواصلاً.. فتحت الباب ..

 

نعم ماذا تريدين؟!..

حتى لم تقل لي حمداً لله على سلامتك..

أرجوك سارة.. يكفي ما فعلتهِ..

ضحكت عليّ بهستيرية..

يا إلهي.. يبدو أنها قد أصيبت في عقلها..

ماذا قلت حتى تضحكي هكذا..!! مابك سارة.. لماذا تضحكين.. هل هناك مايثيرالضحك؟!..

اقتربت مني وضمتني بقوة.. وقبلتني وقالت:

أحبك أحمد..!!

لا.. لا .. يبدو أنها بالفعل أصيبت بالجنون..

ليس مني بل من ربى..

صرخت في وجهها وأغلقت الباب..

استلقيت على سريري وأنا الذي سيجّن.. ماهذه الربى التي دخلت حياتنا في أقل من سبع ساعات.. وقد فرضت نفسها علينا.. لا..

فرضت نفسها على سارة فقط.. وليس عليّ..

 لم تلده أمه حتى الآن الذي يفرض نفسه عليّ..

ولكن..!!

لم تتصرف هكذا؟!..

الواضح أن أهلها لم يحسنو تربيتها..

حسناً ياربى .. أنا من سيعيد تربيتك.. ويعلمك معنى الأدب..

 ********

 خرجت من حجرتي متوجهاً إلى سارة التي أسمع ضحكاتها في الصالة..

كانت تتحدث في الهاتف..

 غريبة!! .. منذ متى وسارة تتحدث به لغير ضرورة؟!..

لقد تغيرت 180 درجة منذ أن دخلت المستشفى.. وتعرفت على ربى في لمح البصر..

 جلست على الكرسي المقابل للتلفاز وأنا أنظر إليها..

هاهو حبيب القلب قد وصل.. هل من رسالة أوجهها إليه.. ربـــــــــــــــــــــــــى؟!..

قمت من مكاني مسرعاً أخذت السماعة وأغلقتها..

اسمعي سارة.. إذا كنت ظننت أنت ومن تدعى ربى بأنكن ستنلن ما تردن فهذا من المستحيل..

 وإذا عدت وهاتفتها مرة أخرى فلا تلومي إلا نفسك..

ابتسمت كعادتها منذ خروجها من المستشفى واقتربت مني..

ابتعدت عنها خوف صدمة أخرى..

قالت بهدوء (حسناً بابا).. وذهبت..!!

فعلاً أصيبت بالجنون.. ألطف يارب..

 مر أسبوعان ونحن على هذا الحال..

سارة تعصي أوامري.. وتكلم ربى.. وتوصل لي كل شيء..

وأنا دائم الصراخ في وجهها.. حتى كادت حنجرتي أن تخرج.. لقد فازت ربى.. وفرضت نفسها عليّ.. لم استطع تربيتها.. فلا تكاد تمر ساعة دون ذكر اسمها أو التفكير فيها لابد أن أضع حداً لهذه المهزلة!!..

 **********

 مرحباً أحمد..

أهلا سارة.. تفضلي..

من دون أن تقول.. وسأجلس أيضاً!!.. أريد أن أقول لك أن ربى..

سارة.. أرجوك أغلقي الموضوع حالاً..

ربى ستأتي غداً.. مفهوم!!.. خرجت سارة دون أن تعطيني أي فرصة للكلام..

إذن الموضوع موضوع تحدي!!..

حسناً..

 سأريك من هو أحمد الذي تغيظينه يا.. ربى..

استيقظت في الصباح ليس لدي رغبة في الذهاب إلى العمل

أريد أن أكون في استقبالها وأريها من هو أحمد.. جلست في الصالة أقلب التلفاز

فجأة.. طرأت جواهر في مخيلتي.. يا إلهي.. كيف نسيتها طوال هذه المدة..

تتساءل يأحمد.. بالتأكيد الآنسة بل القارصة ربى.. من أنستك إياها..

أخذت هاتفي النقال واتصلت بالرقم الذي خزنته من قبل..

للأسف.. غير موجود في الخدمة..

 أحمد هيا قم.. ستصل ربى قريباً.. قمت متثاقلاً دون أن أتكلم..

هل من الممكن أن تذهب إلى السوق وتحضر لي طبق حلوى..

أنت تعرف أني لا أجيد صنعها..

حسناً.. أخذت مفتاح السيارة.. وفي داخلي بركان يغلي.. أريد أن استقبلها وأعطيها درساً لن تنساه.. أعتقد بأن ما أخطط له سيفشل 100%

لا أريد لسارة أن تتعلق بها كثيراً.. فربما تفقدها كما فقدت جواهر من قبل..

لا أريد لأختي أن تعيش في شقاء.. فيكفي ما عاشته من قبل..

عدت إلى المنزل.. دخلت الصالة

كانتا جالستين..

 تراجعت للوراء وأصدرت صوتاً يدل على وجودي..

أقبلت سارة وأخذت مني الطبق..

أحمد.. ربى تريد الحديث معك..

 تنهدت قليلاً ماذا تريد؟!..

قلت تريد الحديث معك.. هل من الممكن ذلك؟؟

ومنذ متى وأنت تأخذين رأيي يا آنسة سارة؟

ضحكت وقد أعطتني ظهرها متجهه إلى حيث كانت ربى..

انتظرت قليلاً.. ثم تشجعت وذهبت إليهما..

الآن سأضع حداً لكل شيء..

جلست على كرسي بعيد قليلاً عنهما بعد أن سلمت..

ودون أن أنظر..

فقد كنت موخياً برأسي حتى لا أرى شيئاً يزعجني..

قلت بجفاء: ماذا تريدين مني؟

الجزء السادس

جلست على كرسي بعيد قليلاً عنهما بعد أن سلمت..

ودون أن أنظر..

فقد كنت موخياً برأسي حتى لا أرى شيئاً يزعجني..

قلت بجفاء: ماذا تريدين مني؟

 قالت بتردد:

أحمد.. اعلم أني قد تعديت حدود الأدب معك..

وآذيتك بتصرفاتي.. لا أريد أن تأخذ فكرة سيئة عني.. فهذه التصرفات ليست من عادتي.. وليست من تربيتي.. أريدك أن تعلم أنه أنا من ربيت نفسي بنفسي.. أنا من اهتممت بنفسي.. أنا من أقوم بواجباتي وواجبات غيري دون مساعدة أحد..

قاطعتها بسخرية: ونعم التربية..!!!

أرجوك اسمعني.. وبعدها لك ماتريد..

 توفي والدي منذ صغري.. حرمت من أبوته وحنانه.. فقدت عطفه وصدره الحاني الكبير..

أمي كانت قاسية عليّ.. بجفائها وعصبيتها.. زرعت في داخلي الخوف من كل شيء.. كنت أريد من يضمني.. أريد من يحميني ويسمعني..

 أحتاج من يلبي طلبي ويقضي حاجتي.. بالفعل كنت وحيدة.. وحيدة..

تهدج صوتها بالبكاء.. وأنا متعجب مما أسمع بناء على رغبتها

لذا لذت بالصمت إلى أن تكمل..

أضافت: تزوجت والدتي وأنا في الصف الخامس.. ظننت زوج والدتي سيكون الأب الحاني..

 لكن للأسف كان الظالم الجاني.. جنى على طفولتي منذ وقت مبكر..

فصلني من المدرسة.. وأبعدني عن زميلاتي اللاتي أحس بقربهن أكثر منه ومن والدتي.. انتقلنا إلى آخر المدينة.. وبذلك ابتعدت نهائياً عمن أحب..

 أجبرني على أن أعمل في البيوت في تلك السن الصغيرة.. أخرج من الصباح.. ولا أعود إلا على وقت المغرب.. فأستقبل بالضرب والسب والشتم..

 كان يأخذ ما أحصله من جراء عملي ولا يبقي لي منه شيئاً.. تعبت من وجودي معهم.. قررت الهرب ولكن إلى أين سأذهب..

وإلى من ألتجئ.. فأنا لا أعرف أحداً في تلك المنطقة.. ولكن الله يمهل ولا يهمل..

 قُبض عليه في تهمة كبيرة.. وأودع السجن إلى أجل غير معلوم..

 أما والدتي..

 ازداد بكاء ربى وعلا نشيبها ولم تستطع الكلام.. بقينا برهة ننتظر أن تهدأ حتى تواصل حديثها..

 قالت:

والدتي منذ ثلاث سنوات وهي على السرير الأبيض.. لايتحرك منها سوى رأسها وأطراف يديها.. لأنها سقطت من أعلى الدرج عندما كانت تضربني..

لم تستطع أن تكمل حديثها من شدة البكاء..

 آآآآه ياربى.. كيف تحملتي كل هذا من صغرك.. وما زلت صابرة على ذلك.. كم كنت قاس عليك..

لا.. لا..

لا تأخذك بها رأفة أحمد.. فهي لاتعني لك شيئاً..

أردفت: أدخلت أمي المستشفى..

أما أنا فلم أعد أعرف لي مكان أذهب إليه..

أخرج من المستشفى لأبحث عن عمل في البيوت كما كنت..

فأعود أجر أذيال الخيبة ورائي..

 ازداد حالي سوءاً.. وتدهورت صحتي.. يكفي ما فقدت.. لن أفقد نفسي أيضاً.. لن أضعف.. لن أستسلم.. ولكن ماذا أفعل؟!.. كيف أتصرف؟!..

من أين أحضر تكاليف العلاج؟!..

أرشدتني إحدى العاملات في المستشفى بالتوجه إلى مقر الجمعية الخيرية..

بالفعل توجهت إليها وشرحت لهم الحال.. قدمت لنا المعونة.. وساعدتني في إكمال دراستي..

أنهيت الإبتدائي وأدرس حالياً في الإعدادي.. أذهب بين فينة وأخرى بأمي للمستشفى.. كي تراعى حالتها.. حتى التقيت ذلك اليوم بسارة..

 هنا بدأن اثنتيهما بالبكاء.. هناك شيء يخفينه عني.. أحسست بعاطفة شديدة تجاهها..

أطفأت كل الغضب الذي تولد منذ عرفناها.. هي بحاجتنا وتريد المساعدة..

 كيف لي بذلك.. فكري الآن مشغول بجواهر.. يبدو أن سارة قد تناستها.. بمجرد دخول ربى في حياتها..

أرجوك أحمد .. أنا في أشد الحاجة إليك..

 لا تردني كما رددتني من قبل.. فأنا لم أعد بصغيرة لا يؤخذ كلامها..

ردت سارة لاتقولي ذلك نحن نبحث عنك منذ زمن.. لا أصدق بأنني التقيتك مرة أخرى..

 ( لا تردني كما رددتني من قبل.. فأنا لم أعد بصغيرة لا يؤخذ كلامها )

( نحن نبحث عنك منذ زمن ) ..

 ترددت هذه الجملتان في رأسي ماذا تقصدان بها..

أيعقل أن تكوني.......؟

اقتربت مني ونزعت حجابها..

 قالت بصوت مبحوح:

 أحمد أنا..

وضعت يدي على فمها قبل أن تكمل جملتها

 وأنا أضمها بكل حنان إلى صدري..

 (أنا الآن بابا يا............... جواهر)