الإجراءات الصهيونية لهدم المسجد الأقصى

يلاحِظ الباحثون والدارسون للحركة الصهيونية نجاحها في إيجاد المسألة اليهودية، ويُسجِّلون كذلك للحركة الصهيونية إيجاد الحلول لها من خلال مجموعة من الأساطير والادّعاءات التاريخية والتوراتية والتلمودية القائمة على مجموعة كبيرة من الأكاذيب التي لا تستند إلى أي وقائع تاريخية أو دينية، واستطاعت الحركة الصهيونية من خلال ذلك انتزاع فلسطين من قلب الأمة الإسلامية والعربية، وإقامة كيانها، وهي ذاتها الأساليب التي تتّبعها حالياً إسرائيل والحركات اليمينية المتطرِّفة

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -


يلاحِظ الباحثون والدارسون للحركة الصهيونية نجاحها في إيجاد المسألة اليهودية، ويُسجِّلون كذلك للحركة الصهيونية إيجاد الحلول لها من خلال مجموعة من الأساطير والادّعاءات التاريخية والتوراتية والتلمودية القائمة على مجموعة كبيرة من الأكاذيب التي لا تستند إلى أي وقائع تاريخية أو دينية، واستطاعت الحركة الصهيونية من خلال ذلك انتزاع فلسطين من قلب الأمة الإسلامية والعربية، وإقامة كيانها، وهي ذاتها الأساليب التي تتّبعها حالياً إسرائيل والحركات اليمينية المتطرِّفة، وتحظى هذه الحركات بدعم من الحكومات الإسرائيلية والشخصيات الاعتبارية في المجتمع الإسرائيلي والشخصيات اليهودية خارج إسرائيل، والتي تدعو صراحة إلى هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة وإقامة الهيكل الثالث المزعوم مكانهما، حيث أصبح ذلك محل إجماع بين مكونات المجتمع اليهودي.

دعوات تحريضية ضد المسجد الأقصى:

صدر كثير من الدعوات التحريضية ضد مدينة القدس والمسجد الأقصى من عديد من الشخصيات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية، والتي منها على سبيل المثال:

- دعا باروخ مارزيل، وهو أحد أقطاب اليمين المتطرف، إلى تفجير المسجد الأقصى وإعادة بناء الهيكل المزعوم؛ إذا ما استمر المسلمون بالسيطرة عليه ورفضهم الموافقة على دخول اليهود إليه.

- أكد غرشون سلمون، رئيس حركة أمناء جبل الهيكل، دعواته المستمرة لرؤساء حكومات إسرائيل بفرض سيطرتها على المسجد الأقصى والصعود على جبل الهيكل على رأس مجموعة مختارة من الجيش وضرب الأعداء وتحرير جبل الهيكل.

- أصدر حاخام مدينة صفد في 23/5/2012م فتوى تدعو لبناء الهيكل، وأكد أنه لا مجد لإسرائيل من دون الهيكل، حتى لو اضطرت لمحو المساجد في جبل الهيكل.

- أصدر الحاخام عوفاديا يوسيف، زعيم حركة شاس الدينية، مرسوماً يأمر بمقتضاه المدارس الدينية التابعة للحركة بتعليم الأحكام المتعلقة بالهيكل.

إلى غير ذلك من الدعوات التحريضية ضد المسجد الأقصى والداعية لبناء الهيكل.

نظريات بناء الهيكل:

يقوم فكر الحركات اليمينية المتطرفة في بناء الهيكل المزعوم، على مجموعة من النظريات، وذلك من خلال مجموعة من الدراسات التي قامت بها. وتقوم أهم النظريات في بناء الهيكل على ما يلي:

1- الأعمدة العشرة، وتدعو هذه النظرية إلى بناء عشرة أعمدة بعدد الوصايا العشر بحيث تكون على ارتفاع ساحة المسجد الأقصى حالياً ومن ثم يقام عليها الهيكل الثالث.

2- الشكل العمودي، وتدعو هذه النظرية إلى بناء الهيكل المزعوم قرب الحائط الغربي من المسجد الأقصى بشكل عمودي، بحيث يصبح الهيكل أعلى من المسجد ويربط تلقائياً مع ساحته من الداخل.

3- الترانسفير العمراني، وتقوم هذه النظرية على حفر مقطع التفافي حول مسجد قبة الصخرة بعمق كبير جداً، ونقل المسجد الأقصى كما هو إلى خارج القدس، وإقامة الهيكل.

4- الهيكل الكامل، وتقوم هذه النظرية على هدم المسجد الأقصى برمَّته وإنشاء الهيكل المزعوم.

السيناريوهات الإسرائيلية لهدم المسجد الأقصى:

يدور فكر الحركات الصهيونية المتطرفة لهدم المسجد الأقصى حول آليات عدة، لكن أهمها هو ما تبنّته حركة حي وموجود (حي فيكيام) وما تبعها من حركات، وذلك منذ مطلع الثمانينيات في القرن الميلادي الماضي، وتتلخَّص هذه السيناريوهات فيما يلي:

1- زلزال صناعي: إحداث زلزال صناعي لهدم المسجد الأقصى والادّعاء بأن زلزالاً طبيعياً ضرب المنطقة وأن المسجد انهار نتيجة ذلك، خاصة أن أساسات المسجد أصبحت ضعيفة نتيجة لاستمرار حفر الأنفاق أسفله.

2- دعت بعض الحركات اليمينية المتطرِّفة لقصف المسجد الأقصى بالطائرات والادّعاء بأن الشخص الذي قام بذلك الفعل معتوه.

3- القصف الصاروخي للمسجد والادّعاء بأن ذلك حدث نتيجة لخلل في الحسابات العسكرية.

الخطوات اليهودية لهدم المسجد الأقصى:

هناك حالة من التسارع وعديد من الدعوات اليهودية، سواء منها الموجودة داخل إسرائيل أو خارجها، إلى هدم المسجد الأقصى، حيث تعددت أساليب الهدم وتباينت أدواته، والتي يمكن القول إنها بدأت منذ احتلال المدينة المقدسة بعد حرب الأيام الستة 1967م، والصيحات الإسرائيلية التي انطلقت حينها "الحرم بأيدينا" (هر هبيت بيدينو)، والتي ما زال الإعلام الإسرائيلي يعرضها نادماً على عدم قيام الجيش حينها بكل ما هو مطلوب من أجل إقامة الهيكل، ومنذ تلك الفترة ما زالت إسرائيل تسعى جاهدة نحو تحقيق الهدف، وهو هدم المسجد الأقصى.


 

وما يمكن ملاحظته في الفترة الحالية:

1- استمرار حفر الأنفاق أسفل المسجد الأقصى، ولا تعلم حقيقة هذه الأنفاق ولا تعرف أطوالها أو اتجاهاتها إلا بعد إعلان إسرائيل عن ذلك أو انهيار بيت أو شارع أو بعض المدارس التي تحيط بالمسجد، فحينئذ يعلم المقدسيون أن هناك نفقاً أسفل هذا الانهيار.

2- إصدار عدد من الخطط والدراسات التي تتضمن أفكاراً حول تحويل مدينة القدس إلى مدينة يهودية بصبغة دينية ومركزية على مستوى عالمي. وتقوم هذه المدينة على بناء الهيكل الأسطوري وتحويله إلى مزار عالمي.


 

ومن ثم فإن هذا المخطط يقوم بداية على الاستيلاء على القدس والمسجد الأقصى، ثم هدم الأخير بكامله وهدم مسجد قبة الصخرة والجامع القبلي المسقوف، وتوسيع مسطح ومساحة المسجد الأصلية وهدم عدد من أسواره، خصوصاً من الجهة الشمالية والغربية، وكذلك هدم الأسوار التاريخية العثمانية للبلدة القديمة، ثم بناء معبد ضخم في موقع قبة الصخرة. وأهم الداعين إلى ذلك حالياً هو يهودا عتسيون، إضافة إلى عدد من المهندسين والحاخامات والمرجعيات الدينية.

3- تنظيم المسيرات الضخمة في ذكرى الأعياد اليهودية واحتلال القدس، خاصة تلك التي تجري في ذكرى خراب الهيكل، حيث تقوم الحكومة الإسرائيلية وكذلك بلدية القدس بإنجاح هذه المسيرات من خلال التغطية الإعلامية والدعاية المستمرة داخل إسرائيل وخارجها، وتنشئة الأطفال اليهود على حب الهيكل من خلال إنتاج لعب تركيبية خاصة به.

4- تنظيم المحاضرات والأيام الدراسية والتدريبات التطبيقية والعملية على شعائر الهيكل في أماكن عدة في إسرائيل وفي المستوطنات الإسرائيلية.

5- أعلن معهد المعبد أنه تم تجهيز الملابس الخاصة بالحبر الأعظم الذي سيخدم الهيكل الثالث. ويقوم هذا المعهد بعرض بعض هذه الملابس في صالة عرض خاصة موجودة في إحدى حارات البلدة القديمة في القدس قريباً من المسجد الأقصى، حيث يزور المعرض جمهور كبير من الإسرائيليين والسياح والأجانب، وتقوم صالات العرض الخاصة بعرض أدوات وملابس الهيكل الثالث، والذي زاره أكثر من مئة ألف زائر. ويشير المعهد إلى أنه تم تجهيز 70 أداة من الأدوات الـ 93 الخاصة بالهيكل الثالث المزعوم.

6- سمحت إحدى المحاكم الإسرائيلية بإقامة جسر كبير يربط بين ساحة البراق وباب المغاربة يتيح لقوات الاحتلال اقتحام المسجد الأقصى، وكذلك يمهد الطريق أمام الأعداد الكبيرة من المستوطنين لاقتحامه، وكذلك تدمير الآثار الإسلامية التي تعود للعهود الأموية والأيوبية والمملوكية، وسرقة أحجارها؛ لطمس معالِمها وتهويدها وهدم الجسر الأثري وجسر باب المغاربة، وبناء جسر يهدف إلى السماح بتدفق أعداد كبيرة من الإسرائيليين إلى ساحة المسجد.

7- محاولة تقسيم المسجد الأقصى واعتماد صلوات يهودية واقتطاع مساحات منه وفتح جميع بواباته أمام اليهود.

8- الدعوة إلى سنّ مجموعة من التشريعات داخل البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) تنظم صلاة اليهود زمانياً ومكانياً في المسجد الأقصى.

9- دعت لجنة الداخلية في الكنيست الحاخامية الرئيسية في إسرائيل، إلى إصدار فتوى تسمح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى، حيث إن الحاخامية تمنع اليوم الدخول والصلاة في (جبل الهيكل).


 

وأكدت رئيسة لجنة الداخلية في الكنيست ميري ريجيب (ليكود)، أنها تسعى إلى عقد جلسات متتالية بدأتها وستواصلها للوصول إلى وضع لوائح مقنّنة تنظم وتحدد خلالها الصلوات اليهودية في جبل الهيكل بغض النظر عن رأي الحاخامية الرئيسية.

يُلاحَظ من العرض السابق؛ أن هناك خطوات متسارعة رسمية من خلال: تشريع القوانين، وإقامة السور العازل، ومصادرة الهويات، وهدم بيوت المقدسيين ومصادرة أملاكهم، وفرض شتى أنواع الضرائب عليهم، وعدم السماح لهم بإدخال أي تعديلات على بيوتهم أو ممتلكاتهم من دون إذن خطي لا يمكن إصداره، ومن يفعل ذلك من المقدسيين ما عليه إلا هدمه، مع استمرار مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات لليهود على أراضي المقدسيين، مع استمرار زيارة الشخصيات الرسمية اليهودية للمسجد الأقصى وغير الرسمية التي تتمثَّل في كم هائل من الاعتداءات من المستوطنين على الفلسطينيين والاستيلاء على بيوتهم من خلال تزوير عقود بيوع وهمية.


 

إن ما يحدث في القدس حرب تطهيرية عِرقية دينية ضد الفلسطينيين وهويتهم ومقدساتهم، ويحظى كل ذلك بالدعم الكامل مادياً من الحكومة الإسرائيلية وبكمٍ كبيرٍ جداً من التبرعات اليهودية من جميع أنحاء العالم، وذلك في ظل استمرار صمتٍ عربيٍ وإسلاميٍ مُطبق، ويبدو أن الكل بانتظار هدم الأقصى ليقوموا بدورهم في الاستنكار والشجب.

خالد شعبان

 

المصدر: مجلة البيان؛ العدد: [319]، ربيع الأول 1435هـ، يناير 2014م