نماذج من رحمة النَّبي صلى الله عليه وسلم والصحابة

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم النَّاس بالنَّاس وأرأفهم بهم؛ المؤمنين ومن لم يكن يدين بدين الإسلام أصلًا، بل إنَّ رحمته صلى الله عليه وسلم تعدت ذلك إلى الحيوان، والجماد

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -
 

قال تعالى واصفًا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128].


فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم النَّاس بالنَّاس وأرأفهم بهم؛ المؤمنين ومن لم يكن يدين بدين الإسلام أصلًا، بل إنَّ رحمته صلى الله عليه وسلم تعدت ذلك إلى الحيوان، والجماد، وسنعرض هنا بعض النماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم:



رحمته صلى الله عليه وسلم بالكفَّار:



- عن عائشة رضي اللّه عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت. وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا» (البخاري [3231]).


قال ابن حجر: "في هذا الحديث بيان شفقة النَّبي صلى الله عليه وسلم على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران من الآية:159]، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] ((فتح الباري [6/316]).  



رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان:



[1]

[2]

رحمته صلى الله عليه وسلم بالجماد:



- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم: كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال:

«

إن شئتم

»

. فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النَّبي صلى الله عليه وسلم فضمَّه إليه  أي: ضمَّ جذع النخلة إليه عليه الصلاة والسلام. تئنُّ أنين الصبي الذي يسكن، قال: «كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها» (البخاري [3584]).



نماذج من رحمة الصحابة رضوان الله عليهم



سار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهجه، واقتدوا به في التمسك بهذا الخلق الكريم، حتى صار الرجل المعروف بشدته، وصرامته، هيِّنًا ليِّنًا، رحيمًا رؤوفًا.



رحمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:



- فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي عرف بشدَّته، وقوَّته، تغير الرَّحْمَة من طباعه، فيصبح رقيقًا يمتلأ قلبه رحمةً، ويفيض فؤاده شفقةً، ومما يدل على ذلك قوله لعبد الرحمن بن عوف حينما أتاه يكلمه في أن يلين لهم لأنَّه أخاف النَّاس حتى خاف الأبكار في خدورهن، فقال: "إني لا أجد لهم إلَّا ذلك، والله لو أنهم يعلمون ما لهم عندي، من الرَّأفة، والرَّحْمَة، والشفقة، لأخذوا ثوبي عن عاتقي" ((المجالسة وجواهر العلم) لأبي بكر الدينوري [4/43] [1199]).



- ورآه عيينة بن حصن يومًا يقبل أحد أبنائه، وقد وضعه في حجره وهو يحنو عليه، فقال عيينة: أتُقبِّل وأنت أمير المؤمنين؟ لو كنت أمير المؤمنين ما قبلت لي ولدًا. فقال عمر: الله، الله حتى استحلفه ثلاثًا، فقال عمر: فما أصنع إن كان الله نزع الرَّحْمَة من قلبك؟ إنَّ الله إنَّما يرحم من عباده الرُّحماء (جامع معمر بن راشد [11/299] [20590]).



- واشتهى الحوت يومًا، فقال: لقد خطر على قلبي شهوة الطري من حيتان، فخرج يرفأ، في طلب الحوت لعمر رضي الله عنه، ورحل راحلته، فسار ليلتين مدبرًا، وليلتين مقبلًا، واشترى مكتلًا، وجاء بالحوت، ثم غسل يرفأ الدابة، فنظر إليها عمر فرأى عرقًا تحت أذنها، فقال: عذبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر، لا والله لا يذوقه عمر، عليك بمكتلك (أحمد [1/319] [443]، وابن عساكر [44/301]).


"ومرَّ رضي الله عنه براهب فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلمَّا رآه عمر بكى، فقيل له: إنَّه نصراني، فقال عمر: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله عزَّ وجلَّ: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ . تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية: 3- 4] رحمتُ نصبَه واجتهاده وهو في النَّار" (عبد الرزاق [3/420] [3584]).



- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنَّ الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» ( مسلم [2630]).



[3]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



[1] (روى مسلم [342] أوله، وأبو داود [2549] واللفظ له، وأحمد [1/203] [1745]، والحاكم [2/109]. قال ابن تيمية في (الجواب الصحيح [6/186]: روى مسلم بعضه، وبعضه على   شرطه، وقال ابن الملقن في (تحفة المحتاج [2/438]): سنده في مسلم، ووثق رواة إسناده البوصيري في (إتحاف الخيرة المهرة [7/105]، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيق (مسند أحمد [3/189]، وصححه الألباني في (صحيح سنن أبي داود [2549]، والوادعي في (صحيح دلائل النبوة [559]، وقال: على شرط مسلم وقد أخرج بعضه).


[2] (أبو داود [2675]، وصحح إسناده النووي في (رياض الصالحين [455])، وابن الملقن في (البدر المنير [8/689])، وصححه الألباني في (صحيح سنن أبي داود [2675]).


[3]الجفنة: القصعة   ((القاموس المحيط) للفيروزآبادي. ص [1186]).
 

 

المصدر: الدرر السنية