تأملات يوم

آية سليم

يوم في المنزل كبقية الأيام، ولكن بنظرة أخرى...

  • التصنيفات: الأدب مع الوالدين -


لمحة:

يوم في المنزل كبقية الأيام، ولكن بنظرة أخرى:

أمي، وتعبها خلال الصباح، وعصبيّتها خلال النهار وهدوءها في الليل، وحبّها لإسعاد الغير ورسم الابتسامات على وجوههم...


 

أنا، وتضييعي للأوقات، وندمي على ما يحصل في اللحظة ذاتها التي أعيشها، ولكن مع هذا، عدم الحراك والسكون.. وكأني صنم تسكنه روح شريرة.


 

أنا، وقرآني، قرآني الذي لم أفتحه اليوم.. لا لشيء ولكن لأني متخاذلة متكاسلة.. محرومة.. محرومة مضيّعة مفرّطة..



 

مربيّتي، أنا.. هم.. عبوسي.. وسواد في القلب!

 

مدرستي.. هروبي وشرودي.. يا ربي.. حتى الآن؟!!!!

___________



 

بدأ يومي بغيابٍ عن المدرسة، لأني البارحة شعرت بأني على فراش الموت أنتظر ملك الموت ليقبض روحي، كنت مريضة بحق ومنهكة. الحمد لله الشافي.


 

استيقظت، شربت مع أمي كوب النسكافيه اليومي بينما أشاهد أختي الصغيرة -التي لم تتم سنتها الأولى في هذا العالم بعد- وعبثها البريء وأبتسم ببلاهة.. ثم تذكرت كتاب أحلام صغيرة، فقررت أن أشرع بقراءته حالاً.


 

انتهى كوب النسكافيه ولم ينته الكتاب، ظللت في وضعية الجلوس حتى انتهى، كتبت رأيي فيه ثم قمت.


 

رتبت الغرفة ببطئ شديد، وأمي كانت قد حضرت الغسيل لتغسله، ولربما نشرت بضعًا منه ورتبت غرفتها وغسلت الصحون..

 

وأنا في عبثي ولهوي الضائع.. يمضي وقتي بدون فائدة، "يجب أن أنظف الحمامات قبل أن أشرع بتنظيف الثلاجة" قالت لي بعد أن نشرت الغسيل ووضعت المزيد منه في الغسالة، الصحون لم تُجلى بعد، بل غُسلت فقط، هي إما نسيتها أو كانت تنوّه لي بجليها أنا نفسي، الأحرى الثانية... وقفت لأجلي الصحون، ولكن بعد تضييع المزيد من الوقت على الهاتف وعلى الصوتيات والقراءة التي لا تعود عليّ بالفائدة...


 

تعبت أمي، ظهرها يؤلمها دائما، هي قوية، زادها الله قوة ورزقها حسن الثواب.. "بقي الطبيخ! ما رأيك بعزومة على حسابي اليوم؟" قلت لها، "يا ريت!" ردّت عليّ.. ولكن.. أي عزومة، كنا نتمازح فقط..


 

مضت الساعات... "لن أطبخ اليوم، يوجد فاصولياء وسأحضر سلطة ويوجد مجدرة وسيكفينا ان شاء الله"، آه يا أمي تطبخين... نحن لا نستحق حتى أن نأكل ما تبقى من طبيخ البارحة.. وتقلقين عن طبيخ اليوم؟!


 

عادت أختي إلى المنزل، جلست، عاد أبي كذلك، "لم لا تقلين باذنجانًا أيضا؟" طلب منها أبي. وقفت أمي بالمطبخ لتحضر السلطة والباذنجان، منذ الصباح وهي على وقفتها هذه، الساعة تكاد تصير الرابعة وهي لم تسترح بعد... دخل أبي بعد الغذاء إلى غرفته لينام فهو مُتعب كذلك، وأمي المناضلة لا تزال على وقفتها!


 

منذ صغرنا وأمي لا تزال واقفة، تتعب أكثر من ألف رجل باليوم، تصاب بمئات الآلام، ولم أسمع منها قط شكوى، هي فقط كانت تشتكي عنا وعن عدم مساعدتنا لها، وكان ردي لها في عقلي دائمًا، "ليتك تعلمين ماذا يحصل في حياتي! لكنتِ شعرتِ بي وعذرتني!" تبًا لي تبًا! كنت مستغرقة في التفكير في نفسي ولم أشعر أنا نفسي بها! كنت أتهمها هي بأنها لا تشعر بي! ولو أنها شعرت لما كان شعورها بي مبررًا لتخلفي عن مساعدتها، فما كنت أقاسيه أنا لا يعادل وقفة بظهر يؤلمها -بعد ليلة سيئة النوم بسبب أختي الصغيرة- في المطبخ لتطبخ لنا...


 

"ماذا الآن يا فتيات؟ من ستجلي منكن؟" سألتنا أمي.

 

أمي، وبعد يوم من التعب وعدم الراحة تستحق يدًا تخفف عنها، تستحق شيئًا يثلج صدرها، تستحق عونًا..

 

ولكنّا بالعادة نقضي الوقت بالمدرسة، لا نراها وهي تسرع في العمل والتنظيف والتحضير كي ينتهي كل شيء قبل رجوعنا إلى المنزل، فنتناسى كونها متعبة وندخل لننام! سحقًا!


 

"هند ستجلي!" قلت، ظنًّا مني بأن لي الحق بالقرار لأني قد جليت الصحون اليوم! "ماذا؟ لماذا أنا؟" وبدأت أعذارها الواهية تنهال علينا كالشلالات، وبدأت أعصاب أمي تفور... ألا تستحق أمي على الأقل أن تأمل بأن واحدة منا ستتكرم بالجلي وتخفف عنها الوقفة في المطبخ؟ بلى، تستحق أكثر.. ولكن أملها يخيب بنا دائمًا... كيف لا وأنا سيدة المخذولين؟


 

"أنا عندي درس دين بعد نصف ساعة وأريد أن ألبس! لا يوجد عندي وقت!" قلت لهما، واستمر الجدال.. وأمي بدأت تتكلم كلامها المعتاد، "أف منكما، لا تنفعان، لا تستحقان.." إلى آخره...


 

"إذا تفضلي أخرجي وضبي الغسيل يا ست هند!" صاحت أمي بأختي، "لا بأس، سأضبه أنا، سألبس على أي حال.." قلت لها بهدوء.


 

وقفت أمي لتجلي الصحون المتراكمة، "إن أردتِ سأقوم أنا بغسله وأنت تكملين.." قلت لها، محاولة أن أصحح الموقف المخزي الذي رأته مني.. "لا، اذهبي، لا أريد منكن أي شيء، أنا سأجلي.." ووقفت لتجلي..


 

ذهبتُ إلى الدرس... لم يكن مريحًا، شهدت من نفسي مواقف مخزية، ووجدت في داخلي مشاعر يُندّى لها الجبين، حقًّا أنا إنسانة سيئة!
"كنتِ نعسانة اليوم في الدرس! ما لكِ هكذا لم لا تركزين مع كلام المربية!" قالت لي صديقتي في طريق عودتنا؛ كنتُ أشعر بالسوء يا صديقة، كنت أشعر بالاشمئزاز من نفسي على ما وجدت فيها، ولكني لم أتلفظ بهذه الكلمات طبعًا، فصديقتي، حفظها الله وثبتها على طريقه، تظنني الشخص المثالي! ولو أنها عرفت ذرة من عيوبي لما اقتربت مني شبرًا واحدًا، ولكنه ستر الله المسدل عليّ... اللهم استرنا واجعل تحت الستر ما تحب وترضى...


 

انتهى اليوم بتوبيخٍ من أبي، لا أريد التكلم عنه فهو يشعرني بالضيق كلما تذكرته، فكيف لو كتبته..

 

لا بأس... {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى:43].


 

صدري ضيق، كيف لا يضيق؟ لم أفتح القرآن اليوم، خللت بوردي، بحفظي، بكل شيء.. ما أسوأني..



 

ما أحتاجه الآن هو ركعتان، أغسل بهما خطايا اليوم وخطايا ما قبله، أغسل بهما هذا السواد المطفح في داخلي.. ولكن هيهات.. هيهات! أسيرة النفس والشهوات والجسد، تسمو بروحها رغم كل تعلقها بالأوساخ في الأسفل؟ يقول من؟ حتمًا لا أحد . . .

16.11.2013

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام