هل الزواج قسمة ونصيب أم قرار واختيار؟

المسلم يؤمن أنه لا راحة للقلب، ولا سكينة للنفس إلا بالتسليم، وتفويض الأمور للحكيم الخبير الذي خلقها ويعلم ما يصلحها، ولا سعادة للروح إلا إذا أدارت دفة حياتها بإحسان ظنها بربها؛ فالأرزاق محفوظة ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كاملًا غير منقوص.

  • التصنيفات: التربية والأسرة المسلمة - قضايا الزواج والعلاقات الأسرية -
هل الزواج قسمة ونصيب أم قرار واختيار؟

انتشر في الآونة الأخيرة حلقة تلفزيونية يُستضاف فيها أحد الأكاديميين المتخصصين بالتنمية البشرية، ناقش فيه قضية الزواج، مؤكدًا أنه قرار واختيار، وليس قسمة ونصيب -كما يعتقده الناس-، وقد لاقى هذا المقطع رواجًا واسعًا في أوساط بعض الشباب والفتيات.

 

يقول فيه د. بشير الرشيدي -وفقه الله للحق- باختصار:

"الزواج قرار واختيار وليس قسمة ونصيب، هذا القول منطلق من نظرية الاختيار التي تقول: ما من سلوك في هذا الإنسان هو محض اختياره، فأي شيء يريده الإنسان يحصل عليه، بشرط أن يضعه في ذهنه، ويعمل عليه، لأن توقعك هو واقعك، فالزواج ليس قسمة ونصيب وإنما هذا من الموروثات الخاطئة!".

وضرب مثالًا للفتاة التي قالت: يا دكتور حررتني من قيد أن: "الزواج قسمة ونصيب" وحددت زوجها الوزير الفلاني ثم سعت بشتى الطرق حتى أصبحت زوجة له!

د. الرشيدي حدثنا عن تلك الفتاة التي حققت هدفها وحصلت على بغيتها وهو الزواج من الوزير، ثم ماذا بعد؟!

هل هي سعيدة، وهل وجدت المودة والرحمة؟! هل هذا الزوج يناسبها وتناسبه؟

حين حققت تلك الفتاة هدفها بالزواج من الوزير هل استطاعت تحقيق الانسجام والتوافق الفكري والروحي أما أنها ستلحق بركب المطلقات أو المعلقات؟!

ألا تشعر بالقلق من وجود بعض النساء اللاتي يفكرن بنفس تفكيرها، وفي أي لحظة ممكن أن يسرن على خطاها ويعملن ما عملت ويدبرن ما دبرت ويخطفن زوجها من بين يديها؟

أسئلتي لتسخين الأذهان حتى تنضج فكرة.

 

إن الزواج ليس هدفا مجردًا، وإنما الهدف الحقيقي الذي يحرص الإنسان على تحقيقه: ما بعد الزواج من الاستقرار والتوافق ليكون كل منهما خير لباس لشريكه.

هذه تساؤلات عابرة فقط؛ وإلا فحروفي القادمة ستناقش عبارة: "الزواج ليس قسمة ونصيب وإنما هذا من الموروثات الخاطئة!" مستندة على الأدلة المعاصرة و المضادة لقاعدة د. بشير.

إحدى صديقاتي استمرت خطوبتها سبعة أشهر وقبل عقد قرانها بأسبوع يأذن الله بفسخ الخطوبة، فيسمع أحد قرابتهم ممن يبحث عن زوجة بالخبر ويتقدم لها. ما بين فسخ خطوبتها وبين خطوبتها الجديدة إلا ثمانٍ وأربعين ساعة فقط، ويُعقد قرانها بنفس اليوم المحدد مع خطيبها السابق، وترتدي نفس الفستان الذي أعدته لخطوبتها السابقة، وبنفس ترتيبات الاحتفال، إلا أن الزوج مختلف!

بعد سنة من زواجها تقول: لا زلت أشعر وكأني في حلم كيف جرت تلك الأحداث!

ليربينا الله أن الزواج قسمة ونصيب: {وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة} [القصص :68].

 

أخبرتني إحداهن عن أخيها الوسيم بل شديد الجمال كما تنعته، الذي أرهقهم تعنته في اختيار شريكة حياته، فكان يريدها بطول عارضة الأزياء الفلانية، ولون بشرة المغنية الفلانية، ورسمة عين الممثلة الفلانية، وهلم جرا من التفصيل، ولم يبقَ بيت عندهم حسناوات ممن يعرفون إلا وطرقوا بابه، وبعد الرؤية الشرعية يرفض مع أنهن ملكات جمال وبنفس المواصفات التي اشترطها، وبعد جهد في البحث والسؤال ذُكرت لهم فتاة، فأحرج النساء من الذهاب لرؤيتها لكثرة ما دخلوا من البيوت، وطلبوا منه أن يذهب فإن أعجبته، كان ذلك مسوغا لذهابهم، فذهب وأعجب بها، وحين ذهب النساء لرؤيتها تفاجئن! لأنها لا تملك صفة واحدة مما اشترط!

عندما سألوه: هل رأيتها جيدًا؟!

أجابهم: أجمل ما رأت عيني! ليربينا الله أن الزواج قسمة ونصيب: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49].

وتلك تقدم لها شاب فرفضته؛ لأنه يصغرها بعام، وبعد أشهر لم ييأس أعاد الكرة وتقدم مرة أخرى فرُدّ، ثم بعد أشهر أعاد الكرة، وبعد معارك إقناعية استخارت ووافقت؛ لأنه رزقها المكتوب، ليربينا الله أن الزواج قسمة ونصيب، فلا مانع لِما أعطى سبحانه.

وأخرى تقدم لخطبتها أحد المشاهير الذين كانت تتابعهم بإعجاب ففرحت واستبشرت واعتبرته من أعظم النعم، وأجل المنن أن تكون زوجة لمن يوافقها في اهتماماتها وأفكارها وطموحاتها، إلا أن أهلها رفضوا هذه الزيجة لانعدام تكافؤ النسب، وباءت جميع المحاولات في إقناعهم بالفشل، ليربينا الله أن الزواج قسمة ونصيب، ولا معطي لما منع سبحانه.

وذاك شاب كانت قصته غريبة، وهبه الله كل مقومات الزوج المطلوب فجُمِع له بين الدين والخلق والوسامة والثراء والمركز الرفيع والحسب الشريف، وكلما تقدم لفتاة يُرد، فمضغ خيبة تميزه الذي لم يشفع له بحسن ظنه بربه، وفرَّ من قدر الله إلى قدر الله، وبعد طول انتظار أذن الله له بالزواج، وكم من شاب أقل منه في كل المعطيات والهبات، بل بعضهم لا يملك بيتًا ولا وظيفة ولا سيارة ومن أول أو ثاني باب يطرقه يسهل الله زواجه، ليربينا الله أن الزواج قسمة ونصيب: {وكُلُّ شَىءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد :8] دقيق، وعلم محيط، وحكمة بالغة.. فلا يغرك العطاء ولا يهولنك المنع.

وكم من فتاة جل وقتها بين مراكز العناية ومحلات التجميل، وتنُعت بأنها "حقيبة أمها" لكثرة خروجها معها في كل مناسبة حتى تُعرَف، واسمها عند من يسعى للتوفيق بين الأزواج، وحتى الآن لم تتزوج، وكم من فتاة تتزين وِفق الفطرة التي جبلت عليها من غير مبالغة، ونادرًا ما تخرج من منزلها، ولا تُعرَف موفقين، هي الآن في بيت زوجها، ليربينا الله أن الزواج قسمة ونصيب!

وكم من شاب رفض من اختارها له أهله لأنها ليست مأموله ولا طموحه، وبعد إقناع استخار وأقدم.

وكم من فتاة رفضت من تقدم لها من الأكفاء لأنه يخالف الصورة الذهنية التي رسمتها لفارس أحلامها، فسخَّر الله لها وليها فأقنعها بالحسنى فاستخارت وأقدمت.

ثم هم يحمدون العاقبة ويشكرون الله على اختياره، ليربينا الله أن الزواج قسمة ونصيب: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة :216].

وكم من شاب وفتاة استماتوا للزواج من شخص محدد بعينه وبعد أن حقق الله رغبتهم، اكتشفوا بعض العيوب التي لم يستطيعوا التكيف معها، ليربينا الله أن اختياره خير من اختيارنا وأن الزواج قسمة ونصيب: {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة :216].

والوقائع في هذا المضمار مستفيضة مشتهرة، كلها أدلة مضادة تُجلي تهافت قانون الجذب وقاعدة نظرية الاختيار، التي انتصر لها د. بشير.

وقد عدَّ شيخنا أ. د. خالد الدريس وفقه الله في كتابه (العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية) من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة: تجاهل الأدلة المضادة يعني المخالفة لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهمال، أم تحيزه، أم لأي سبب آخر؛ ولبيان خطورة الأدلة المضادة على النتائج يقول فان دالين أحد رواد علماء المنهجية في العصر الحديث: "وبصرف النظر عن مقدار الأدلة التي أمكن التوصل إليها لتأييد فرض من الفروض، فإن بندًا واحدًا يحمل دليلًا معارضًا يمكن أن يثبت بطلان ذلك الفرض".

ومما يؤكد بطلان نظرية الاختيار وقانون الجذب:

التعميم الفاسد وعدم الاستقراء الكامل للواقع ولنصوص الوحيين، ومما يؤكد بطلان نظرية الاختيار وقانون الجذب: مخالفتها للأدلة الكونية والشرعية القدرية.

فالمسلم يؤمن أنه لا راحة للقلب، ولا سكينة للنفس إلا بالتسليم، وتفويض الأمور للحكيم الخبير الذي خلقها ويعلم ما يصلحها، ولا سعادة للروح إلا إذا أدارت دفة حياتها بإحسان ظنها بربها؛ فالأرزاق محفوظة ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كاملًا غير منقوص، ولا يفهم من كلامي نبذ فعل الأسباب المشروعة في جلب الأرزاق: "فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلًا وشرعًا وحسًا"[1]، بل فعل الأسباب من التوكل، فـ "المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد".

مع علمه أن "من تمام التوكل: عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها. فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية".

وإنما قولي في معرض الرد على من ينسف قاعدة: "القسمة والنصيب" ويضخم قانون: "الجذب" فالله إذا تأذَّن للشيء قال له كن فيكون، و جاء به من حيث لا نحتسب.

خِتامًا:

الزوجة "شريكة" والزوج "شريك" تأمَّلوها جيدًا: شركاء حياة وليسوا الحياة كلها.. لذا: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور :33]، {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت:17]؛ فرزق كل شيء عليه ومصير كل شيء إليه.

ابشروا.. وتفاءلوا..

فمن الذي عامل الكريم الوهاب فلم يَربح؟!

ومن الذي التجأ إليه فلم يَفرح؟!

ومن الذي توكل عليه فلم يُفلِح؟!

ومن الذي أحسن الظن به فلم تتحقق آماله؟!

ومن الذي وثق بسعة فضله فلم يُنوِّله فوق مراده؟!

فلنصم أذاننا عن كل من يحاول زعزعة عقيدتنا أو خدش توكلنا، أو الطعن في يقيننا، فنحن الفقراء المحاويج لكرم ربنا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} [فاطر:15].

وحقيقة الأمر:

أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار؛ فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له، وإحسانه إليه، وقيامه بمصالحه وتدبيره له. فقير إليه من جهة إلهيته، وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه، فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم. وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء؛ فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها. وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له؛ فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة، فما نجا أحد إلا بعفو الله ولا دخل الجنة إلا برحمة الله".

"فإنه سبحانه هو المتفرِّد المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه، وبكل اعتبار، والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل اعتبار، فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به البتة".

ولا يغرنكم قولهم: "أي شيء يريده الإنسان يحصل عليه" أو "أطلق قواك الخفية أنت تستطيع عمل كل شيء" أو "أيقظ العملاق وحطِّم المستحيل"، "أخرج المارد الذي بداخلك" أو "أنت إنسان عظيم قادر متكامل منسجم، أنت سيد حياتك، أنت صاحب قدرة مطلقة، وحكمة ليس لها حدود، وذكاء لا نهائي، وطاقات خارقة، بل إن القوة التي تُحرِّك العالم كامنة بداخلك!"

حتى يصل بنا المقام كما وصل بتلك الأخت التي فُتِنت ببعض دورات التنمية والبرمجة العصبية، وبعد فترة من تجول عقلها في سوق تلك الدورات الموروثة التي صُكت بطابع غربي، وأعيد تعليبها وتغليفها بغلاف إسلامي، مع شهادة منشأ وثنية.

شعرت بقسوة قلبها فأخذت تراجع نفسها، فاكتشفت أنها شهرًا كاملًا لم ترفع يديها وتقول: يارب أعني، يارب وفقني، يارب سددني، يارب لاحول لي ولا قوة إلا بك.

جُلَّ همِّها عند الإقدام على أي عمل تريده، هو تطبيق التمارين التي تعلمتها: أنا قادرة.. أنا أستطيع!

ذاك هو الحرمان الحقيقي أن يكِل الله العبد لنفسه وقوته وقدرته وذكائه وفطنته ثم يتخلى عنه.

والله لا نستطيع أن نعمل شيئًا إلا بإذنه وتوفيقه.. لأنه لا حول لنا ولا قوة إلا به سبحانه.

فهذه الحروف التي طبعتها لم تستطع يدي كتابتها لولا توفيقه وإعانته، ولم تستطيع أعينكم قراءتها إلا بفضله ومِنَّته.

ومن كان في رَيب مما كتبت؛ فليراجع كتاب (خرافة السِّر) للشيخ عبد الله العجيري -وفقه الله-، ورسالة ماجستير د. هيفاء الرشيد وفقها الله بعنوان: (التطبيقات المعاصرة لفلسفة الاستشفاء الشرقية)، وموقع د. فوز كردي -وفقها الله-: (الفكر العقدي الوافد ومنهجية التعامل معه).

اللهم ارزقنا إيمان العجائز أصحاب الفطر السوية التي لم يشوبها شائبة، ولم يتأثروا بكتب الفلاسفة.

ـــــــــــــــــــــ

الكاتبة: أبرار بنت فهد القاسم