العدل

كان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم مشهورًا بعدالته الشديدة وإنصافِه لكلِّ الناس المؤمن منهم والكافر، ومن المواقف الدالة على ذلك: وقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر يُعدِّل الصفوف بقدح في يدَيه قبل بَدء المعركة، وكان سواد بن غزيَّة خارجًا عن الصفِّ، فطعنه الرسول في بطنه قائلاً: «استوِ يا سَواد»، فقال سواد: يا رسول الله، أوجَعتني وقد بعثَك الله بالحق والعدل فأَقِدْني، فكشَف عن بطنه وقال: «استقِد»، فاعتنقه سواد وقبَّل بطنَه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حمَلك على هذا يا سواد؟»، قال: يا رسول الله، قد حضَر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العَهد بك أن يمسَّ جِلدي جلدك.

  • التصنيفات: محاسن الأخلاق -

كان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم مشهورًا بعدالته الشديدة وإنصافِه لكلِّ الناس المؤمن منهم والكافر، ومن المواقف الدالة على ذلك: وقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر يُعدِّل الصفوف بقدح في يدَيه قبل بَدء المعركة، وكان سواد بن غزيَّة خارجًا عن الصفِّ، فطعنه الرسول في بطنه قائلاً: «استوِ يا سَواد»، فقال سواد: يا رسول الله، أوجَعتني وقد بعثَك الله بالحق والعدل فأَقِدْني، فكشَف عن بطنه وقال: «استقِد»، فاعتنقه سواد وقبَّل بطنَه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حمَلك على هذا يا سواد؟»، قال: يا رسول الله، قد حضَر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العَهد بك أن يمسَّ جِلدي جلدك[1].

فحين طالب سواد بحقِّه في القود والقصاص، لم يتردَّد الرسول صلى الله عليه وسلم القائد العام للجيش في منحِه فُرصة الاقتصاص، وإن لم يكن يقصِد إيذاءه وإيجاعه من البداية، ليَضرب بذلك مثلاً رائعًا للعدالة في الإسلام.
ومن مواقف العدالة السامية نهيُ النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل مَن خرَج مع قريش مُكرَهًا في هذه الغزوة؛ حيث قال: «إني قد عرفتُ أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخرِجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمَن لقي أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البُحتريِّ فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبدالمطلب فلا يقتله، فإنه إنما خرج مُستكرَهًا»[2].

ولا شك أن ترك قتال المُكرَه في هذا المقام الصعب فيه تحقيقٌ لأسمى معاني العدل والإنصاف.
ومن مواقف العدل أيضًا رفض الرسول صلى الله عليه وسلم إعفاء عمِّه من دفع الفدية ومُساواته بالأسرى، رغم أنه كان مُسلِمًا ويُخفي إسلامه.

فعن أنس رضي الله عنه أن رجالاً من الأنصار استأذَنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ائذن لنا فلنَترُك لابن أختنا عباسٍ فداءَه، فقال: «لا تدعون منه درهمًا»[3].
ومن المواقف العجيبة أيضًا ما روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت: "لما بعَث أهل مكة في فداء أُسرائهم، بعثَت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثَت فيه بقِلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بَنى عليها.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة ابنته، رقَّ لها رِقَّةً شديدة، وقال: (( «إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها، وتردُّوا عليها الذي لها، فافعلوا»، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردُّوا عليها الذي لها"[4].

إن هذا الموقف يوضِّح عدالة النبي صلى الله عليه وسلم التي وقفت في مواجَهة مَشاعر الأبوة الصادقة، فلم يَحكم النبي بشيء يُميِّز به ابنته، ولم يقطع أمرًا دون صحابته، وكان بإمكانه أن يحكم ولن يردَّ أحدٌ حكمَه، ولكنه العدل النبوي قد مُزِج بمشاعر الأبوة الصادقة، فبلغ الكمال في الجهتين.

وروت عائشة أيضًا رضي الله عنها أن امرأة سرَقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو الفتح فأُتي بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها أسامة بن زيد رضي الله عنه يتوسَّط لها ليعفو عنها، فلما كلَّمه تلوَّن وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في غضب: «أتشفَع في حدٍّ من حدود الله؟!».
فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله.

فلما كان العَشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال: «أما بعد، إنما أهلك الناسَ قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقَت، لقطعتُ يدها»[5].

​إيهاب كمال أحمد

[1] السيرة النبوية؛ لابن هشام (2: 607، 608)، والبداية والنهاية (3: 23).
[2] تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، (2: 34).
[3] أخرجه البخاري (2352).
[4] تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك (2: 43).
[5] البخاري (3216)، ومسلم (3196)، والنسائي (4841) وهذا لفظه.