الليبراليون السعوديون: الأقلية الناطقة

​لطالما زعم رواد الاتجاه الليبرالي في المملكة بأنهم الأغلبية الصامتة، لكن إذا رجعنا مثلا إلى الانتخابات البلدية الأخيرة في المملكة، سنجدها أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أن مقولة "الأكثرية الصامتة"، التي يتغنى بها الليبراليون هي أكذوبة، لا تمت إلى الواقع بصلة، فلم يحظ الليبراليون، الذين رشحوا أنفسهم، إلا بأصوات قليلة جدا، اعتبرها المراقبون والصحافة السعودية علامة على نكسة هذا الاتجاه وخيبته.

  • التصنيفات: الواقع المعاصر -


لطالما زعم رواد الاتجاه الليبرالي في المملكة بأنهم الأغلبية الصامتة، لكن إذا رجعنا مثلا إلى الانتخابات البلدية الأخيرة في المملكة، سنجدها أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أن مقولة "الأكثرية الصامتة"، التي يتغنى بها الليبراليون هي أكذوبة، لا تمت إلى الواقع بصلة.
فلم يحظ الليبراليون، الذين رشحوا أنفسهم، إلا بأصوات قليلة جدا، اعتبرها المراقبون والصحافة السعودية علامة على نكسة هذا الاتجاه وخيبته.

الشعور بالخزي والعزلة الشديدة على المستوى الشعبي، أصبح يلازم فئة الليبراليين، فعلى قناة الحرة، كثيرا ما تبرم كتاب وكاتبات سعوديات من نفور المرأة السعودية مثلا من حقوقها، حتى وصفت كاتبة سعودية المرأة في المملكة (في معرض الكلام عن قيادة المرأة للسيارة)، بأنها تعرضت لغسيل دماغ على مدى سنين، ويصعب تغيير ذلك!!! معبرة بذلك عن العجز في إقناعها هي نفسها بهذا الموضوع قبل إقناع الرجل!!! ومثل هذا الوصف، الذي يمثل شكلا من أشكال الاستعلاء واليأس، لا يجد معظمهم حرجا في التصريح به، رغم أنه يعتبر استخفافا بعقل وخيارات شعب ناضج واع مميز.

المأزق الليبرالي مرده إلى الحصانة الفكرية والعقدية، التي نشأ عليها المجتمع السعودي، والتي تنظر إلى الاتجاهات الفكرية المستوردة نظرة شك وريبة، وإلى الليبرالية بالتحديد، نظرة استنكار واحتقار، خاصة وأنها تمثل الاتجاه الفكري الأمريكي، الذي يمثل محور الشر واحتلال الشعوب في ثقافة المسلمين جميعا.

فالمجتمع السعودي يدرك أن الليبرالية في إطارها الفكري تقوم على حرية الاعتقاد والسلوك، وبرغم أن تلك الحرية قابلة للتقييد بالأسس القانونية (سواء كانت دينية أو غير دينية) المنظمة للحياة (كما يروج ليبراليو المملكة)، إلا أن تلك القوانين نفسها من المنظور الليبرالي الفكري، لا يمكن أن تكون عادلة ما لم تتح حرية الاعتقاد المطلق للفرد والمجتمع، فـ"الردة عن الإسلام"، مثلا هو حق من حقوق الإنسان بالمفهوم الليبرالي، واعتباره جرما يعاقب عليه فاعله مناقض لحرية الإنسان في اختيار معتقده، وبالتالي هو نقيض الليبرالية، وقس عليه الحجاب ونحو ذلك.

فالليبرالية لا تعترف بالهيمنة المطلقة للقوانين والأديان، إنما تعترف بهيمنة تلك القوانين والأديان، ما دامت تحترم جوهر الفلسفة الليبرالية القائم على الحرية الشخصية، حتى لو اصطدمت تلك الحرية بالثوابت المطلقة للدين. وهو ما يعني أن الليبرالية اتجاه حاكم على النظم قبل أن تكون محكومة بها، وهذا هو الحد الأدنى والقاسم المشترك الذي تلتقي عليه الفلسفة الليبرالية في كل مراحل تطورها وبكل أشكالها، وهذا منشأ الرفض القطعي لهذا الفكر المستورد عند المجتمع السعودي.
وبشكل عام، يولد الإحساس بالعزلة لدى الليبراليين إحباطا نفسيا، لا يفتأ مع توفر مقومات التأثير، يتحول إلى ثورة جامحة مصرة على اختراق المجتمع، وتجاهل مكوناته وخصوصياته وثوابته وطبيعته، مهما كلف الثمن.
 

  • وباستقراء الوضع، يمكن إجمال ردة فعل الليبراليين الناجم عن العزلة في نقطتين:
  1. النقطة الأولى: الاستعلاء على الداخل: الاتجاه الليبرالي في المملكة وحتى قبل 11 سبتمبر، يمثل على ما هو عليه من القلة، مكونا من مكونات المجتمع السعودي، وإذا اعتبرنا الاتجاه الحداثي في بعض أشكاله تجليا للاتجاه الليبرالي، فإن التأريخ لوجود هذا الاتجاه سيكون بعد السبعينيات على أقل تقدير، أي مع بداية تشكل الاتجاه الحداثي في المملكة.

    وإذا ما استثنينا بروز شكل من أشكال هذا الاتجاه على المستوى الرسمي، فيمكن أن نطلق على الليبراليين في مرحلة ما قبل 11 أحداث سبتمبر، اسم الأقلية الصامتة، حيث اتسمت هذه المرحلة بالصمت و(الكمون). أما بعد الأحداث، فقد صاروا الأقلية الناطقة، وهي مرحلة النطق والاستعلاء.

    وفي هذا المرحلة تحديدا، استفاد الاتجاه الليبرالي من الأجواء المحتقنة التي خلقتها المشاريع الأمريكية لمكافحة ما يسمى الإرهاب، فأصبحوا طرفا رئيسا في المعادلة تحت مظلة مكافحة الإرهاب ومشروع الإصلاح، مستفيدين من الرعاية الأمريكية لهم على المسرح السياسي، ومن انكماش الأصوات الغيورة خوفا من أن تنعت بالإرهاب.

    وفي هذا المناخ لم يبال الليبراليون بحجم وضعهم في خريطة المكونات السياسية بالمملكة، فجردوا أقلامهم مستعلين على تلك الخريطة برمتها، وخاضوا إلى يومنا هذا معارك شرسة على مستوى الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، جسدت في نظر خصومهم الاستعلاء على الدين والقيم والثوابت والخصوصيات، وهو ما تجلى على صفحات الجرائد تحديدا في جدالات طويلة وردود تتنقل إلى الإعلام المرئي والمسموع، خاضها علماء ولأول مرة مع خريجي جامعات تكساس وكاليفورنيا.

    وبرغم استحواذ الليبراليين (الأقلية الناطقة) على نصيب الأسد في الإعلام، فالمتابعون للشأن يقررون أن منهجية الاستعلاء التي تبناها الاتجاه الليبرالي، زادت من عزلته في المجتمع، وانكشفت في خضمها حقائق خطيرة عن هذا الاتجاه، زل بها لسانه، عن الدين والمجتمع والقيم.

    وهذا في حد ذاته ولًّد شعورا بالنقمة على التيار الديني، كما ينعته الليبراليون. ومن تجليات تلك النقمة، وضع كافة رموز هذا التيار من دعاة وعلماء ومصلحين ومناشط ومدارس دعوية ومناهج تعليمية في سلة واحدة، هي سلة الإرهاب والتحريض عليه.

    وإذا أخذنا الدكتور سلمان العودة، كنموذج وواحد من الدعاة الفاعلين على الساحة، سنجد موقفه واضحا من دعوى التحريض التي يدعيها الليبراليون على التيار الديني والمناهج وما إلى ذلك، فقد قال في مقال له بعنوان (حوار أم تصادم) ما نصه: "وأجد أنه بسبب أحداث العنف التي تشهدها البلاد، برزت أطروحات إعلامية مدعومة من بعض أطراف رسمية بصورة علنية؛ تحضّر ـ ولو بغير قصد ـ لنوع من الصدام داخل المجتمع تحت دعوى مكافحة الإرهاب، مع توسيع مصطلح الإرهاب؛ ليشمل مع العنف الأفكار المتشددة التي لا تخلق عنفًا، والاتجاهات المعتدلة التي لا تتفق مع مشربهم!! وثمة صوت جريء يُعلن الانقلاب على كثير من قيم وموروثات المجتمع، ويسعى لتمرير هذه الأجندة من خلال إدراجها ضمن مشروع مكافحة الإرهاب".

    وممن تبنى هذا الاتجاه الاستعلائي الإقصائي الأكاديمي المثير للجدل حمزة بن قبلان المزيني، والذي أصبح ينعت بمحامي التيار الليبرالي، لكثرة كتاباته وجدالاته مع العلماء والدعاة، وآرائه الجريئة بخصوص ما ينعته بتيار الصحوة عموما.

    إذا أخذنا هذا الرجل كمثال، نجده يمثل حالة من الاستعلاء الليبرالي النادر، فهيئة كبار العلماء أو ما ينعته هو بـ(المؤسسة الدينية التقليدية) في نظره، مجرد حجر في طريق الإصلاح، بمفاهيمها التقليدية عن القضايا الاجتماعية، ومنها قضية المرأة كمثال.

    وحتى مع قصوره الفاحش عن أهلية الفتوى والتمرس على علوم الشريعة، نجد له ردودا مطولة على العلماء في قضايا العبادات، يسفه فيها الآراء، ويمثل فيها التعالم والاستعلاء. وفي قضية المرأة، شن هجوما عنتريا على كتاب حراسة الفضيلة للشيخ بكر أبو زيد، سفه فيه منهجيته، واتهمه بالقصور العلمي في طرح الخلاف بين العلماء، وبرغم تصريحه بأن الكتاب حطم أرقاما مهولة في المبيعات، إلا أنه نصح المسلمين بعدم شرائه، والله وحده يعلم هل لعلم أوتيه وحده وغاب عن المسلمين، أم لحالة استعلاء ولدها الحسد.

    وفي قضايا التعليم، عرف بهجومه الشرس، واتهامه بعض المعلمين والمناهج التعليمية بالتحريض على الإرهاب، بل اتهم السياسة التعليمية بكونها احتوت على بنود مستقاة من منهج الإخوان المسلمين، وأن التعليم اختطف من قبل الصحويين منذ بداية الثمانينيات، وذلك سبب ما يسميه تفريخ الإرهاب.

    ويعتبر بعض المعلقين أن المزيني تجاوز الحد في اتهام المناهج إلى اتهام السياسات، وأن اعتباره فترة الثمانينيات بداية للتعليم المحرض على الإرهاب في نظره، فيه جناية على تاريخ المملكة وسياستها التعليمية واتهاما ضمنيا للدولة، سيما وأن المسؤولين في الدولة، كبارا وصغارا، في تصريحاتهم المنقولة، لا يرون لسياسة المملكة، سواء في التعليم أو في غيره، يدا في نشأة ما يسمى الإرهاب.

    وحتى على مستوى الحوار الوطني، ثار المزيني مستعليا في وجه رئيسه الشيخ صالح الحصين، معربا عن تذمره من استحواذ التيار الديني على مقاليد الأمور، كما دخل في جدل مطول مع الشيخ صالح الفوزان، اعتبر فيه أن لا مجال لتصنيف المجتمعات إلى مسلمة وكافرة في زماننا هذا، متذرعا بوجود أقليات مسلمة في تلك المجتمعات، فكان استعلاؤه هذه المرة في أبواب العقيدة.

    ولم تقف به عقدة اتهام الدعاة والمصلحين والعلماء بالتحريض على الإرهاب إلى هذا الحد، فقد اعتبر كل من ساعد المجاهدين في البوسنة مثلا محرضا ومنظرا لهذا الفكر، فاتهم الشيخ الدكتور سعد البريك بالتحريض على الإرهاب، لأن له شريطا عن البوسنة والهرسك، وأنساه شيطانه الليبرالي أن في هذا اتهاما للمملكة برمتها، بقادتها وعلمائها وشعبها، فكلهم انخرطوا في مساعدة البوسنيين على دحر الصرب، والعالم بأسره، كان ولا يزال ضد إرهابه، وهي مسألة لا تحتاج إلى نقاش.

    وعقدة اتهام الآخر بالتحريض بلغت حدها عند المزيني، بعد أن اعتبر في مقال له تصريحات وزير الداخلية السعودي زادا للمحرضين، وطالب وزارة الداخلية بالتحقيق في المسألة، وكان الوزير أعلن في وقت سابق عن وجود كتاب لهم صلات مشبوهة بالسفارات، وهو ما أثار حفيظة الليبراليين في المملكة.

     
  2. النقطة الثانية: الاستقواء بالخارج: فرغم تنكره لوجود صلات له من قريب أو من بعيد بأمريكا، يبقى الاتجاه الليبرالي متهما من قبل العديد من الجهات المحلية، بوجود علاقة ما تربط بعض رموزه بسفارات محددة. وإذا صح أن للاتجاه الليبرالي في المملكة ارتباطا بسفارات توجهه ولن تكون غير الأمريكية والبريطانية، فإن مرد ارتماء هذا الاتجاه في أحضان الغرب، ما هو إلا تنفيس عن حالة العزلة الشعبية التي يعيشها في الوطن.

    ولا أحد من المتابعين لطبيعة الشراكة بين الليبراليين العرب وأمريكا، ينفي وجود تنسيق سري وعلني بين الليبراليين العرب والمشروع الأمريكي في المنطقة، فحتى العديد من الليبراليين لا يرون بأسا بتلقي الدعم الأمريكي بكل أشكاله، ويرون ذلك ضرورة من ضرورات الإصلاح.

    وفي حالة العراق ولبنان وبعض الحركات الليبرالية في مصر، مثال واضح على ذلك. لكن هذا لا يعني خلو الاتجاه الليبرالي على علاته من الوطنيين الأحرار، وهم الذين لا تكاد تجد لهم نفوذا يُذكر على المستوى السياسي.

    جمال خاشقجي مدير جريدة الوطن، كان له مقال حذر فيه الليبراليين من أن يؤدي بهم الإحساس القاتل بالعزلة الجماهيرية إلى الاستقواء بأمريكا ماديا ومعنويا، فكتب نصيحة مطولة، بعنوان: (إلى السادة أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي)، وخطابه وإن كان عاما، ففي ثناياه ما يدل على أنه موجه لبني قومه من الليبراليين السعوديين.

    وإذا رجعنا إلى فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، سنجد الصحافة السعودية تناولت وجود علاقات مشبوهة لكتًّاب سعوديين بالسفارات الأجنبية، بما فيها تلقي توجيهات محددة تؤطر مواضيع الكتابة لخدمة أهداف تلك السفارات، ولو كانت على حساب الوطن!!

    ومنذ ذلك الحين، ظل الاتجاه الليبرالي محط هذا الاتهام. حمزة المزيني نفسه، سئل في حوار له مع صحيفة الحياة: هل تعتقد بوجود كتاب لهم صلات بالسفارات، فأجاب: أنا قطعا لست منهم، برغم أن السؤال لم يكن: هل أنت منهم!!

    والمتتبع للحراك الفكري في المملكة، يلمس حضورا شبه يومي لهذا الموضوع في ثنايا المقالات والردود، فحتى بعد تصريح وزير الداخلية القديم بوجود تلك الصلات وتهديده لكتاب معينين بالعقاب جزاء علاقاتهم بجهات مشبوهة، فإن الموضوع بقي محط جدل كبير، لدرجة أن محامي الليبراليين (كما يوصف) حمزة بن قبلان المزيني، تحدى هذا التصريح ،ناعتا إياه بـ"أسوء الاتهامات" و"الافتراء"، وطالب بفتح تحقيق في المسألة.

    ولم يقف حمزة عند الاستنكار والهجوم على كل من صرح بوجود تلك العلاقات، بل اعتبر تقرير مؤسسة "راند" لهذا العام بهذا الخصوص، مجرد ثرثرة. (في مقال له نشرته جريدة الوطن بعنوان "الثرثرة الراندية"). ففي نظره، أن ما تدعيه مؤسسة راند من دعمها لليبراليين العرب عموما في إطار مشروع حرب الأفكار الأمريكي، هو مجرد هراء وثرثرة، وهو ما يجسد حالة الهذيان الفعلي الذي انحدر إليه رموز التيار الليبرالي في المملكة.

    ​ما كانت الأقلية الليبرالية في العالم العربي لتنطق على هذا النحو، برغم عزلتها شعبيا وحجمها المحدود، لولا حاجة الحكومات العربية المغلوبة على أمرها إلى أدوات مناورة، تواجه بها الضغوط الأمريكية، التي ازدادت في السنين السبع الأخيرة، فمعيار الإصلاح إنما يكون برعايتهم، فالعلاقة بين الليبراليين (حزب أمريكا) وبين حكوماتهم إذن، ليست لوجه الله، وإنما هم شر لا بد منه، وهذا ليس مبررا لتمكينهم، بقدر ما هو توصيف دقيق لطبيعتها.

    الشيخ إدريس أبو الحسن
     
المصدر: الدرر السنية