(5) أهمية التربية في تكوين الجيل القادم

محمد المصري

تقوم قوى الباطل الآن بتربية أطفال وشباب ذو مواهب وقدرات عقلية؛ ليكونوا أعواناً لهم، فإن لم تنجح في استيعاب هؤلاء القدرات فإنها تنتقل إلى خطة أخرى وهي توفير الغواية والانحراف والمجون، وجميع مظاهر الفساد الخلقي والعقيدي، حتى يتحولوا إلى مسخ مشوه لا يعي ولا يفكر..

  • التصنيفات: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تربية الأبناء في الإسلام -

لأهمية التربية وأثرها في بناء الشخصيات الفعالة، نجد أن قوى الضلال قديماً وحديثاً تحرص على إنتقاء أفراد ذو مواهب فطرية وقدرات عقلية مرتفعة، وتقوم بتربيتهم على مبادئ الضلال حتى تكون هذه العناصر امتداداُ للباطل والضلال، وللاستدلال على هذه النقطة يتبادر على الفور قصة أصحاب الأخدود، وكيف أن الساحر طلب من الملك غلام ليعلمه السحر حتى يكون امتدادا له، وقد جاء طلب الساحر -في رواية الترمذي- بعبارة: "أنظروا إلي غلاماً فَهماً أو قال: فَطناً لَقناً فأعلمه علمي" وهذا يكشف بُعداً خطيراً للخطة الجاهلية الرامية إلى إفساد الفطرة، وهي التركيز على النابهين المتفوقين أصحاب المواهب والقدرات الخاصة لضمان السيطرة الجاهلية على الواقع البشري (1).

وتقوم قوى الباطل الآن بتربية أطفال وشباب ذو مواهب وقدرات عقلية؛ ليكونوا أعواناً لهم، فإن لم تنجح في استيعاب هؤلاء القدرات فإنها تنتقل إلى خطة أخرى وهي توفير الغواية والانحراف والمجون، وجميع مظاهر الفساد الخلقي والعقيدي، حتى يتحولوا إلى مسخ مشوه لا يعي ولا يفكر، حتى لا يتحولوا إلى الحق فيكون صورة للمثل الذي جاء في أحد الأفلام المصرية والمسمى (اللمبي) وهو لا يجيد التحدث ويعاقر النساء والمخدرات، وليس له هدف في الحياة إلا ممارسة البلطجة والعيش بالطول والعرض -كما يقال-، وهكذا أصبح اللمبي أحد نماذج الشباب، والبقية من الشباب التي لم تسير نحو الظاهرة اللمبية تحولت إلى أصحاب عقل معيشي لا يهمه إلا لقمة العيش، فهو يسعى إليها ليل نهار، ولذلك كان الشعار القديم الجديد أيضاً لقوى الضلال هو: "جوّع تسد"، فقديماً كان حصار الشعب، والآن يقومون بعملية حصار (الدمار الشامل) كما يطلق عليه الأخ (شامل باسييف) رحمه الله،هذه ما تفعله قوى الضلال، فماذا نحن فاعلون؟

* ولأهمية التربية الصحيحة التكوينية التى تهدف إلى إخراج الطاقات الكامنة، وإيجاد الشخصية المسلمة الصالحة المصلحة نذكر عدّة أسباب أخرى ومنها:

1- موقف الأتباع عند الابتلاء:
نرى الأتباع الذين تربوا على أن الولاء والبراء في الله وحدّه وليس على الأشخاص، ولم يدخلوا العمل الإسلامى بمجرد الإعجاب بشخصية فرد أو أكثر داخل العمل الإسلامى، ترى مثل هؤلاء الذين تربوا على أن الولاء للأفكار وليس للأشخاص، إذا وقع بلاء أو ابتلاء لا يطلبونه تراهم ثابتين بعون الله، وتراهم يراجعون موطن الخلل الذي وقع منهم وتكون مراجعتهم لأنفسهم مراجعة لا رجوع، وتراهم يسألون أنفسهم كيف تكون البداية الجديدة..؟ كيف يكون تأثيرنا أكبر وأكثر فعالية عن ذي قبل؟ أما الذين تربوا على اجترار الشعارات والهتافات، الذين تقدم لهم المعلومات جاهزة دون عناء منهم في البحث والتنقيب في صحة هذه المعلومات، والذين يؤثر فيهم الإيحاء النفسي سواء بالسلب أو الإيجاب، تراهم أول من ينقلب على قادتهم عند هبوب الابتلاء ويتخلوا عن منهاجهم، بل ويقومون بالدعاء على قادتهم بالذهاب إلى الجحيم، كما حدث بالفعل في سجون عبد الناصر حينما كانوا يرددون: "إلى الجحيم يا بنا.. إلى الجحيم ياقطب"، ومن أراد معرفة المزيد حول هذا الأمر فليرجع إلى كتاب (الإخوان وعبد الناصر) للأستاذ أحمد عبد المجيد.

2- تكوين ميزان صحيح للجرح والتعديل: تتأثر أفراد الفئة المسلمة بأقوال وأفعال بعض الدعاة إلى الله وتحبهم بشدة، وذلك نتيجة لما قدموه لدين الله، وحين يأتى من يهاجم هؤلاء الدعاة نجد أن الأتباع انقسموا إلى فريقين..
الفريق الأول: يتخلى عن فكر القائد أوالمربى لمجرد الاتهام الموجه إليه.
الفريق الثانى: يدافع بكل ما أوتي من قوة عن القائد ويقوم برمي المخالف بأبشع الألفاظ.
وكلا الموقفين نابع من قرارت عاطفية محضة، ومن رودود، أفعال قاتل الله رودود الأفعال.
ما الواجب إذن: دراسة رأى المخالف بروّية وتمهل واتزان عاطفي يحميه سياج من العقل، ونرى الصواب من الخطأ، وننصر المظلوم ونرفع البغي عنه، وسأضرب مثالين للتوضيح على ذلك.

(*) ابن حزم رحمه الله: أحبه جداً في الله وأقدّره جداً، وأرى أنه بطل بحق، فقد قام بنشر مذهب بجهده واعتداده بنفسه، وله من المفاهيم التربوية وبخاصة في مجال القيادة، والتى توزن بميزان من الذهب كما في كتابه (مدواة النفوس)، ورغم ذلك أكره منه تسفيهه للمخالف واستعمال ألفاظ نابية معه، هذا فضلاً عن ظاهريته المفرطة في الفروع لا في الأصول، وأقف منه موقف العدل كما وقفه الإمام الذهبي رحمه الله عندما ذكره في سير أعلام النبلاء حيث يقول: "ولي أنا ميل إلى أبي محمد لمحبته في الحديث ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقول في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة ولكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له وللمسلمين العفو والمسامحة، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه" (3).

(*) سيد قطب رحمه الله: والذى يصفه الشيخ رفاعي سرور بأنه: "الرجل بحق" (4)، لقد أحب الجميع سيد قطب رحمه الله في جميع مشارق الأرض ومغاربها، وأصبحت كتبه مراجع لدى الحركات الإسلامية في جميع مشارق الأرض ومغاربها، ويذكر أن المسلمين في طاجيستان كانوا يدرسون (في ظلال القرآن) في الأقبية تحت المنازل، وكان الكتاب أحد أهم الأسباب التى ساعدت في الحفاظ على هويتهم أثناء الحكم الشيوعي السوفيتي لهم (13)، حينما يوجه البعض إلى سيد قطب تهم أو أخطاء، علينا مراجعة تلك التهم وهذه الأخطاء على ضوء النصوص الشرعية بفهم سلف الأمة، فإن كانت تلك التهم صحيحة أصلحنا الخطأ، وما كان سيداً رحمه الله ليفعل غير ذلك، وإن رأينا وقوع بغي وظلم عليه رفعنا هذا البغي والظلم عنه بهدوء واتزان دون تهور أو تعصب، ويعجبني الموقف الذى فعله الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله حينما بعث إليه أحد الدعاة كتاباً ليقرظه الشيخ بكر حفظه الله، فوجد الشيخ بكر أن هذا الكتاب يتناول سيد قطب ويتهمه اتهامات شديدة مثل القول بوحدة الوجود وتجويز الحكم بغير ما أنزل الله، فما كان من الشيخ بكر حفظه الله بعد أن رّد على تلك الأفتراءات، إلا أن نصحه بتمزيق الكتاب لعدم فائدته.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أصحاب الأخدود للشيخ رفاعي سرور طبعة دار هادف مصر.
(2) سير أعلام النبلاء نقلاً عن المفاهيم التربوية في القيادة عند ابن حزم الأندلسي البيان عدد:138.
(3) التصور السياسي للحركة الإسلامية الشيخ رفاعي سرور طبعة دار هادف مصر.
(4) مشاهداتي في بلاد البخاري البيان.