حدائق السماع

كان لمجالس الحديثِ من الهيبة والإجلال والعناية ما يطول شرحُهُ، حتى إن الإمام مالكاً رحمه الله كان إذا أراد الجلوس للتحديث استأذن جلساءهُ ودخلَ مغتسلَهُ، ثم خرجَ إليهم متطيّبا وجلس على المنصّة خاشعاً، ولم يزل البخورُ في المجلسِ حتى يفرغَ من التحديث، وانظر شرح ذلك في (ترتيب المدارك) للقاضي عياض حيث عقدَ له فصلاً عجيباً.

  • التصنيفات: التاريخ والقصص -

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده..

1- في (الصِلَة) لابن بَشْكوال (3/986) أن أبا زكريّا ابن عائذٍ كان ينشد في أواخر مجالس السماع:

مجالسُ أصحابِ الحديثِ حدائقٌ *** تنزّهُ فيها أعينٌ وقلوبُ

هكذا حكى ذلك الحافظ الأندلسي الكبيررحمه الله تعالى ما كان يحدوهُ من الشوق إلى مجالس سماعِ الحديث، وذلك هو ما يجِدُهُ من وفّق لحضور تلك المجالس، ولِمَ لا تكون كذلك، وهي محلّ تنزّلِ السكينة وغِشيان الرحمة، وفيها تتكرر الصلاة على خير خلق الله صلى الله عليه وسلم، وبها يُرجَى نيلُ بركة دعائه عليه الصلاة والسلام بالنُضرة والنعيم الثابتة.

في الحديث المتواتر المروي من طريق نحوِ ثلاثين صحابياً عند أصحاب السنن والمسانيد وغيرهم:
«نضّر الله امرءاً سمع منّا حديثا فحفظه حتى يبلّغه..» (السلسلة الصحيحة:404)، وبمثلِها يتحقق امتثال الوصيّة النبويّة في صحيح البخاري وغيره: «بلّغوا عني ولو آية». وفي مجالس التحديثِ إغاظةُ خصومِ الملّة، كما روى الخطيب البغدادي في (شرف أصحاب الحديث) (برقم 146) عن أبي نصرٍ الفقيه أنه قال: "ليس شيءٌ أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناده".

2- ومنذ صدر الإسلام وعهد تلك الطبقة الجليلة إلى يوم الناس هذا وأهل العلم يتلقّون الرواية ويؤدّونها، فلا تكاد تجد مشتغلاً بتدريس علوم الشريعة ليس له نصيبٌ من إقراء الحديث وإسماعِهِ، وصارت الرحلة لحضور مجالس التحديثِ من أسس تنشئة الطالبِ عبر العصور، وتنافس الأئمّة في العناية بتلك المجالس وإجلالِها، وصار يحضر تلك المجالسَ طلاّب الحديثِ وعامّة الناس، بل كان يجتمع فيها الملوكُ والسوقة، بل كان للصغارِ نصيبٌ منها كما تراهُ مذكوراً في تراجم الأئمّة ومنصوصًاً عليه في علوم الحديث.

وكان لمجالس الحديثِ من الهيبة والإجلال والعناية ما يطول شرحُهُ، حتى إن الإمام مالكاً رحمه الله كان إذا أراد الجلوس للتحديث استأذن جلساءهُ ودخلَ مغتسلَهُ، ثم خرجَ إليهم متطيّبا وجلس على المنصّة خاشعاً، ولم يزل البخورُ في المجلسِ حتى يفرغَ من التحديث، وانظر شرح ذلك في (ترتيب المدارك) للقاضي عياض حيث عقدَ له فصلاً عجيباً.

3- وقد حرص الأئمة على سماعِ الحديث وإسماعِه وكتابته في أضيَق المواقف وأصعب الأحوالِ وأعسرِها؛ ومن لطيفِ ما يُذكَر هُنا: أن السلطانَ صلاح الدين الأيّوبي رحمه الله كان شغوفاً بسماع الحديث حتى إنه سمع في إحدى معاركِهِ وهو بين الصفّينِ جُزْءاً حديثياً، ويقول: "هذا موقف لم يسمع فيه أحدٌ حديثاً" (حسن المحاضرة) للسيوطي (2/21).

وهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله يملي إجازة حديثية في عشر ورقات لصاحب سبتة وهو معتقلٌ بثغر الإسكندرية سنة 709، قال العلاّمة عبد الحي الكتّاني رحمه الله في (فهرس الفهارس والأثبات:1/275): ".. وقد اقتديت به أيضاً فأجزتُ لكثيرين من معتقلي أيام المملكة الحفيظية، وأمليتُ هناك مجموعةً تعرف بـ(ما علق بالبال في أيام الاعتقال)، وهي مجلّدة نفيسة".

4- وفي سيَر أئمّة الحديث في القديم والحديث: أنهم ربما قرأوا الكتب الستّة والصحاح والمسانيد وغيرها في أزمنة قصيرة ومُددٍ قليلة، وأخبار ذلك تطول، فمن ذلك أن الخطيب البغدادي سمَّعَ على الحافظ إسماعيل الضرير بمكة (صحيح البخاري) في ثلاثة مجالس: اثنان منها في ليلتين، كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثالث: من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر، ذكر ذلك الخطيب نفسُهُ في (تاريخ بغداد:6/313).
وهذا العلاّمة الفيروز ابادي صاحب (القاموس) رحمه الله قرأ (صحيح مسلم) قراءة ضبطٍ في ثلاثة أيام كما في (الضوء اللامع للسخاوي:10/80). قال السخاوي معقّباً: "وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه المجد اللغوي فإنه قرأ صحيح البخاري في أريعين ساعة رملية، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم في يومين وشيء، وقرأ سنن ابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات..".

وفي ترجمة محدّث الحجاز في وقتِهِ الشيخ محمد عابد السِندي (ت 1257) رحمه الله أنه كان في مدة مقامه بالمدينة مثابرًا على إقراء كتب السنّة، وكان يختم الكتب الستة في ستة أشهر. (كما في فهرس الفهارس والأثبات:2/722)، وشواهد ذلك كثيرة، وقد عقدَ العلاّمة جمال الدين القاسمي رحمه الله في كتابه النفيس (قواعد التحديث، ص:262) فصلاً لطيفاً سمّاه: (ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة)، فاظفر به غير مأمور.

5- ينبغي أن يكون مع القراءة في مجالس السماع العامّة عنايةٌ بإيضاح ما قد يُشكِل ولو على سبيل الاختصار؛ فإنّ منزلة الفهم منزلةٌ جليلةٌ كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه في الصحيحين: قال رسول الله: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير..»، فتلك هي منزلة (الراوي الواعي)، وهو ما يعبّر عنه أهل هذا الشأن بأنه (جمع الرواية والدراية).

قال الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله تعالى في (علوم الحديث): "ثم لا ينبغي لطالب الحديث: أن يقتصر على سماع الحديث وكَتْبِهِ دون معرفته وفهمه؛ فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل وبغير أن يحصل في عداد أهل الحديث بل لم يزد على أن صار من المتشبهين المنقوصين المتحلين بما هم منه عاطلون".

6- وقد حصل في أيّامنا هذه أن أعاد بعض أفاضل الشيوخِ مجالسَ سماع الحديث جذَعَةً، وأحيا تلك السنّة المتّبَعة، فقُرئت الصحاح والسُنن، وتباشر الناس بتوالي تلك المِنِن، فالله يجزيهم خير الجزاء، وما أحسَن  والله  ما صنعوا، فاللهم لك الحمد أوّلا وآخراً.

ويحسن أن يرجع مَن أراد مزيداً من آداب السماع، إلى مثلِ ما زبَرَه القاضي عياض في (الإلماع)، وما رقَمَه الحافظ السمعاني في (أدب الإملاء والاستملاء)، وما حرّره الشيخ الفاضل المفيد صالح بن عبد الله العصيمي في كتاب (الغاية من السماع والرواية) وما كتَبَه عامّة المصنّفين في علوم الحديث في القديم والحديث في مظانّها، وليُطالع المحبّ المقالةَ المفيدةَ (مقترحات لتطوير مجالس سماع كتب السنّة) للشيخ الفاضل د. خالد بن منصور الدريس، وهي منشورة متداولة، فلتُنظَر في صحيفة (المدينة 18255).
http://www.al-madina.com/node/426218.

وأختم بما ذكره القاضي عياض المالكي رحمه الله تعالى في مقدّمة (الإلماع) إذ قال: "ورحم الله سلفنا من الأئمة المرضيين والأعلام السابقين والقدوة الصالحين من أهل الحديث وفقهائهم قرنًا بعد قرن، فلولا اهتبالهم بنقله، وتوفرهم على سماعه وحمله، واحتسابهم في إذاعته ونشره، وبحثهم عن مشهوره وغريبه، وتنخيلهم لصحيحه من سقيمه؛ لضاعت السنن والآثار، ولاختلط الأمر والنهي وبطل الاستنباط والاعتبار".

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم.

يعقوب بن مطر العتيبي