قدسية حق الله وحرية الاعتقاد

السيد العربي بن كمال

ما حق الله على الخلق ؟؟

  • التصنيفات: العقيدة الإسلامية -
د سيد العربي


الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلّا على الظالمين والصلاة والسلام على خير البرية أجمعين محمد بن عبد الله الصادق الوعد الأمين، بلغ الرساله وأدى الأمانة، وأتم البلاغ وهدى البشرية جمعاء إلى ما فيه صلاح الدنيا وسعادة الآخرة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبع ملته وسار على هديه إلى يوم الدين.....آمين.

أمّا بعد:

ما حق الله على الخلق ؟؟

يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].
في هذه الآية يبين الله تعالى الغاية من خلق الخلق بنوعيه من الإنس والجن، وهي {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والإنقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه..... والظاهر أنّ المراد بها ما كانت بالإختيار دون التي بالتسخير الثابتة لجميع المخلوقات.... فتأمل، فالمراد بالعبادة التذلل والخضوع لا بالتسخير لأنّ الكل عابدون إيّاه تعالى بالتسخير لا فرق بين مؤمن، وكافر، وبر، وفاجر، وطير وحيوان وجمادات واحياء، كما في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن:6]. فهذه عبادة بالتسخير .... وكما فى قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت:11].

ويؤيد ذلك ما قاله علي بن أبي طالب رضى الله عنه {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي إلّا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، ويؤيده قوله عز وجل: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً} {التوبة:31].

وقيل {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} إلّا ليوحدوني، فأمّا المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأمّا الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله عز وجل: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت:65].

ومثل هذه الآيات يأتي لبيان صنيع المكذبين حيث تركوا عبادة الله تعالى وقد خلقوا لها !!!

فقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خُلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعاً لتضليل المضلين ....... واللام في{إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} لام العلة، أي ما خلقتهم لعلة إلّا علة عبادتهم إيّاي ...... والتقدير : لإِرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات:57].
أي ما أرضَى لوجودهم إلّا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإِلهية....... فمعنى الإِرادة هنا : الرضى والمحبة.

ونخلص ممّا تقدم بأنّ الله تبارك وتعالى خلق الخلق ليعبدوه وبالإلهية يفردوه، وهذا حقه على الخلق، فمنهم من حقق الغاية التي ما خلق الله الخلق إلّا لأجلها وقام بمقتضى حق ربّه عليه، وهم المؤمنون، ومنهم من كفر وخالف وعارض قصد الله ومراده من خلق الخليقة وهم الكافرون..... ومن هنا يتقرر أنّ عبادة الخلق لربّهم وخالقهم - الله الحكيم العزيز - هي حقه الخالص الذي يلزم الخلق جميعا أداءه والقيام بموجباته وأنّه أمر لازم حتم لا اختيار فيه، وأنّه قضية الوجود وأوجب الواجبات على كل إنسي وجني شاء أم أبى، وأنّه ليس تفضل من الخلق على خالقهم بحيث يظن من عبد الله أنّه أحسن إلى الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - ومن لم يعبد الله فله الحرية وهو حر يفعل ما يشاء، هذا من الضلال البعيد ...!!!

وبناءً عليه فإنّ الله سبحانه وتعالى شدد على عبادته وحده دون ما سواه وأمر بذلك كل الخلق من خلال كل الأمم والشعوب والأجناس والأعراق، وعن طريق الرسل.

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل:36].

وقال تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:31-32].

وهذا بيان مجمل وقد جاء مفصل فى آيات أخر فقال عز من قائل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:59].

وقال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف:65-66].

وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73].

وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:85].

وغير هذا كثير فى القرآن ليُعلم الخلقَ جميعا حق ربّهم عليهم وأنّهم مطالبون به، وتحذيرهم بشدة من مغبة المخالفة فى إقامة هذا الحق وتحقيق مقتضياته، والتهديد والوعيد ممن يملك الوعيد ويقدر عليه وحده، من تضييع تلك الوظيفة الشرعية التى ما خلقهم إلّا لها، والوقوع فى الشرك والكفر والردة..!!!

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة:161].

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:56].

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [ آل عمران:91].

وقد بين سبحانه طريق تحقيق تلك الغاية التي ما خلق الله الخلق إلّا لها وهي عبادته وحده لاشريك له من خلال دين لايرضى سواه، الآن وبعد بعثة خاتم النبيين والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3].

وقال عز من قائل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].

وهو سبحانه لايرضى لعباده الكفر أبدا قال عز من قائل: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر:7].

وهذا قطع لكل جدل حول حرية الأديان، وبيان أنّها حرية لمن أراد الهلاك والخسران، وليست حرية تعني الاختيار المقتضى للتنقل بين متساويين أو متماثلين، كلا وألف كلا، فهو اختيار بين النجاة والهلاك، بين الإيمان والكفر، بين الجنّة والنّار.

ولإجلاء البيان فى هذه القضية - قضية المفاصلة وعدم التقاء طرق الكفر بطريق الحق والإيمان - أمر الله نبيه أن يخاطب كل من أبى عن قبول الحق الذى جاء به من أولائك الكافرين والمستكبرين والمستنكفين، بأن يقول لهم {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6] بمعنى أنا هنا وأنتم هناك، ولا معبر ولا جسر ولا طريق، مفاصلة كاملة شاملة، وتميز واضح دقيق ......ولقد كانت هذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الإختلاف الجوهري الكامل، الذي يستحيل معه الإلتقاء على شيء في منتصف الطريق، الإختلاف في جوهر الإعتقاد، وأصل التصور، وحقيقة المنهج، وطبيعة الطريق، وأنّ الطريقين طريق الكفر وطريق الإيمان لايستويان ولا يلتقيان.

وقال تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100].

وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ} [غافر:58].

{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر:20].

إذا فحرية الإختيار بين الإيمان والكفر، أو بين الإسلام وغيره من الأديان - التي لايرضاها الله تعالى - هي حرية اختيار بين النجاة والهلاك، بين الفوز والخسران، بين الغرور واليقين ....فعندما يقول تعالى {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]........ فهو تخيير مع تحذير والعاقل من أنجى نفسه والسفيه من أورد نفسه المهالك والعياذ بالله تعالى..!!!

ويقول تعالى: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر:8]...فهل بعد ذلك بيان ...لكن الهدى هدى الله.



المصدر: موقع لواء الشريعة