التدرج الهرمي للعنف الأسري.. المشكلة والعلاج

الأسرة معناها في قاموس العربية: الدرع الحصينة، وهي المجموعة التي يربطها رباط وثيق لدرجة (الأسر)، وهو ما اشتق منه لفظ الأسرة أيضًا، فكل فرد فيها لا بد أن يلتزم التزام الأسير تجاه آسره، والآسر هنا ليس عدوًا في حرب، وإنما القيم الفاضلة والمثل العليا التي أرشدنا إليها الكتاب والسنة في ديننا الإسلامي الحنيف.

  • التصنيفات: قضايا الزواج والعلاقات الأسرية -

الأسرة معناها في قاموس العربية: الدرع الحصينة، وهي المجموعة التي يربطها رباط وثيق لدرجة (الأسر)، وهو ما اشتق منه لفظ الأسرة أيضًا، فكل فرد فيها لا بد أن يلتزم التزام الأسير تجاه آسره، والآسر هنا ليس عدوًا في حرب، وإنما القيم الفاضلة والمثل العليا التي أرشدنا إليها الكتاب والسنة في ديننا الإسلامي الحنيف.

ونبت الأسرة من بدايته -أعني الزوجين- قام على أساس من الحب والود والقبول المتبادل، ليحقق أركان الأسرة الناجحة التي بينها الله تعالى في قوله: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21]، وأكدت الأحاديث الشريفة على تلك الأركان، وما يوصل إليها، روى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (أخرجه ابن ماجة، وضعفه الألباني في (ضعيف الجامع) برقم: 4999)، ولكن مع مرور بعض الوقت -قد يطول أو يقصر- من هذه الحياة الأسرية، نجد المشكلات تطفو على سطح تلك الحياة، وغالبية تلك المشكلات قد تكثر في أول سنة من هذا الزواج، ويرجع ذلك إلى أسباب، منها اختلاف طباع الزوجين اللذين لم يتوافقا بعد لقصر المدة التي جمعتهما، وقد يكون الخلاف بسبب مشكلات عالقة بينهما لم يتم حسمها قبل إتمام عقد الزواج، كعمل الزوجة مثلا، ومخالطة الزوجة لأهل الزوج في المعيشة من عدمه، وزيارة الزوجة لأهلها، وتوقيت ذلك، وكيفية إدارة الشؤون الاقتصادية لتلك الأسرة الوليدة، وغير ذلك مما يجدّ من أحداث قد تحتاج إلى المشورة من كلا الطرفين وإبداء الرأي، ويمكن أن يكون هناك طرف ثالث سوى الزوجين يُسهم في ظهور تلك المشكلات، ويكاد يتفق الجميع على أن الحماة (أم الزوج أو أم الزوجة) لها النصيب الأكبر في إذكاء روح الشقاق والخلاف في كثير من الأسر في مجتمعنا، ونتيجة لكل هذا يبدأ سلوك جديد في الطفو على سطح هذه الحياة الأسرية، ألا وهو سلوك العنف الذي قد يكون من طرف واحد، وفي الغالب يكون من الرجال، أو قد يكون متبادلا من الطرفين، حسب طبائع الأشخاص وما جبلوا عليه.

وإذا كان الكلام على العنف تحديدًا في هذه السطور، فإنه يبدأ بالكلام الخشن، والوجه العبوس، والصوت العالي الذي يتبادله الزوجان، أو قد تكون الغلبة لأحدهما، ويتطور بعد ذلك إلى الشتم والسب واللعن والإهانة والإحراج، كل هذا في نطاق منزل الزوجية الذي قد يسمع به أهل الزوجين، أو ينجح الزوجان في جعله داخل جدران بيت الزوجية، وإن تم الأمر الأخير، فإن حل هذا الإشكال يكون سهلا، والعودة إلى الهدوء تكون أسرع، والندم على ما حدث يكون متبادلا، ويعتذر الطرفان، وتسير الحياة بطبيعتها في طريق البناء والاستقرار، أما إذا أفشيت الأسرار، وذاع خبر تلك المشكلات وهذا النزاع، فإن الخرق يتسع على الراقع، ويصعب رأب الصدع، ويحدث ما لا يحمد عقباه، لأن كل متلق لهذه الأخبار يتفاعل معها بطبيعته هو، وبالتالي تتعدد الرؤى ووجهات النظر، وردود الأفعال، والحلول المقترحة، وبالتالي يصعب الاتفاق على رأى واحد.

وقد يتصاعد العنف درجة في هذا الهرم، حينما يسيطر العناد على الطرفين، وبالتالي تتوتر تلك العلاقة، فتتخذ قرارات فردية أغلبها من الزوج، فيحرم زوجته من زيارة أهلها، ويلزمها بيت الزوجية فترة أطول، وبالتالي تتقطع أواصر المودة والمحبة بينهما، وتقطع صلات الأرحام، وكل هذا لم يأمر به ديننا الحنيف، فالزواج ينشئ علاقة (المصاهرة) التي من معانيها انصهار الأسرتين ليصيرا أسرة واحدة، تربطهما علاقة حميمة وقوية، فكيف نسعى لتفريقهما، وقطع العلاقات بينهما؟

إن بعض الرجال يتصف بالتسلط، وفرض الرأي بالقوة والعنف، بحجة أنه القوام على زوجته، سواء كان محقا، أو غير ذلك، ولا ننكر القوامة لأنها في دين الله وشرعه، ولكن ما مفهوم القوامة التي يحتج بها بعض الرجال من أجل إذلال الزوجة وحرمانها من حقوقها؟ وقد يظن بعض الرجال ممن قل فهمهم في دين الله تعالى أن القوامة التي منحهم الله سبحانه إياها سيف مسلط على رقاب نسائهم، للتحكم فيهن تحكما قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى ظلمهن وهضم حقوقهن، ولا ينكر أحد أن القوامة شرع من الله تعالى، قال سبحانه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34]، وقال تعالى: {وَلِلرجَالِ عَليْهِنّ دَرَجَة} [البقرة:228]، وقد روى أحمد وابن ماجه بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (صحيح الجامع: 5294)، ورغم كل هذا فقد أمر الله تعالى الأزواج بحسن عشرة زوجاتهم فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، وروى أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم»، والمسلم الصادق الملتزم بأحكام دينه الحنيف يستخدم هذه القوامة كسبيل إلى حسن المودة والعشرة بينه وبين زوجته، فيحسن التوجيه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصون عرضه، ويجنب أهله أماكن الفسق والفجور، ويحثهم على التستر والعفاف والوقار، كل ذلك في إطار من الرفق واللين والقول الحسن، حتى تؤتي النصيحة ثمارها، وتنفع الموعظة، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.

وإنك لتعجب ممن تمتد يده إلى زوجته بالعنف، فيضربها ضربًا مبرحًا، لدرجة الإيلام والإيذاء، هذا لا يرتضيه عقل ولا دين، فإن المسلم ليس بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء، وروى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت، وأطعم إذا أكلت، واكس إذا اكتسيت، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض، إلا بما حل عليها».

هذا العنف الذي يعتري الحياة الأسرية، يتأثر به الأبناء سلبا عند وجودهم، فلا يرى الأبناء والديهم إلا في شجار وعراك، وعنف متبادل، يصابون على أثره بالخوف والرعب والقلق، وقد يصل العنف إلى قمة هرمه بتفكك الأسرة وتشتتها، وانفراط عقد الزوجية والوصول إلى الطلاق الذي تنشأ معه المشكلات الموازية التي تخص الأبناء، فيعانون من غيبة المربي والناصح، خاصة إذا بحث كل من الزوجين عن شريك جديد لحياته، عله يعوض ما فات، أو يحقق معه سعادة غابت عن كل منهما في زيجة جديدة.

وإذا أردنا الإسهام في تجنب هذا العنف الأسري حتى لا نصعد إلى قمة هرمه، فلا بد أن نذكر بأن البعد عن تعاليم ديننا، وغيبة الثقافة الدينية بشأن الأسرة، لهو السبب الأكبر في حدوث ذلك، ويعجبني الرجل الذي يلجأ قبل الزواج إلى عالِم يطلب منه النصح بشأن كيفية التعامل مع التي ستكون زوجته عما قريب، وما هي حقوقه وواجباته تجاهها، وماذا يفعل إذا حدث في الحياة مشكلة.. وما هي أقرب الطرق لحل المشكلات، وكذلك الزوجة لا بد أن تبحث عن ناصح أمين لها، لتستقيم حياتها، ولتكون مهيأة لتلك الحياة الجديدة.

ولما كانت المشكلات الأسرية ظاهرة في المجتمع، فلا بد للوعظ الديني أن يكون له دور، والإعلام له دور مماثل في ذلك، كذلك يمكن أن تتوافر بعض المراكز الأسرية الأمينة على الأسرار كي يلجأ إليها الزوجان عند تعثر الوصول إلى حل لمشكلة ما، بعيدا عن أهل الزوجين، ودرءًا لشبهة الميل وعدم الحيادية من أحدهما عند طرح بعض الحلول للمشكلات محل النزاع.

إن الوصول إلى قمة هرم العنف الأسري سهل، ولكن النزول منها يحتاج إلى وقت كبير، وإن نزل الطرفان (الزوج والزوجة) من هذه القمة لا ينزلان سالمين، بل لا بد أن يكون لهذا العنف أثر كلما تناقش الطرفان في أمر ما. وما أجمل خفض الجناح، والإعذار، وإقالة العثرة، والعفو، واللين، والمودة، والرحمة من أجل بقاء الجو الأسري خاليا من أي شائبة وعنف.

وأختم بما نصح الله به ورسوله حينما يصيب الإنسان وسواس شيطان يدفعه إلى الغضب والشر، وتكدير صفو الحياة، قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت:36]، وفي الصحيحين عن سلمان بن صرد رضي الله عنه قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان وأحدهما قد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد» فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعوذ بالله من الشيطان...».

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.. اللهم آمين.

 

كمال عبد المنعم

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي- العدد 584