ما ترشد إليه الآيات

أرشدت الآيات إلى ما يأتي :
1 - لم يترك اللّه سبحانه في قرآنه سبيلا لدعوة الناس إلى الإيمان الصحيح ، سواء بالأدلة والبراهين ، أو بإعمال الفكر والعقل ، أو بالتأمل والمشاهدة ، أو بضرب الأمثال ، أو بذكر القصص للعظة والعبرة.

والمراد من بيان قصة أصحاب القرية : توضيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإنذار المشركين من قومه ، حتى لا يحل بهم ما حلّ بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل.

2 - يكون الرسول عادة من جنس المرسل إليهم ، حتى لا يبادروا إلى الإعراض بحجة المغايرة والمخالفة ، فتكون شبهة الكافرين ببشرية الرسل في غير محلها ، وإنما الباعث عليها الاعتزاز بالنفس والاستعلاء والاستكبار فيما يبدو.

3 - يؤكد الرسل عادة صدقهم بالمعجزات ،وأقسموا باللّه أنهم رسل اللّه الذين إليهم ، فإن كذبوهم ، لم يجدوا سبيلا إلا التصريح بمهمتهم بالتحديد ، وهي إبلاغ الرسالة ، والإعلام الواضح في أن اللّه واحد لا شريك له..
4 - لا يجد المرسل إليهم في العادة ذريعة بعد دحض حجتهم إلا ادّعاء التشاؤم بالرسل. قال مقاتل في أصحاب القرية : حبس عنهم المطر ثلاث سنين ، فقالوا : هذا بشؤمكم. ويقال : إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين.
5 - ثم إذا ضاق الأمر بهم يلجؤون عادة إلى التهديد والوعيد إما بالطرد والإبعاد من البلد ، وإما بالقتل أو الرجم بالحجارة. قال الفراء في قوله : لَنَرْجُمَنَّكُمْ : وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل. وقال قتادة : هو على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل : لنشتمنكم.

وأما قوله تعالى : وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ فهو إما القتل أي الرجم بالحجارة المتقدم ، وإما التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب.

6 - إن الشؤم الحقيقي من أهل القرية وهو الشرك والكفر وتكذيب الرسل ، وليس هو من شؤم المرسلين ، ولا بسبب تذكيرهم ووعظهم ، وإنما بسبب إسرافهم في الكفر ، وتجاوزهم الحدّ ، والمشرك يجاوز الحدّ.

7 - لا يعدم الحق في كل زمان أنصارا له ، وإن كانوا قلة ، وكان أهل الباطل كثرة ، فقد قيض اللّه مؤمنا من أهل القرية جاء يعدو مسرعا لما سمع بخبر الرسل ، وناقش قومه ، ورغبهم وأرهبهم ، ودعاهم إلى توحيد اللّه واتباع الرسل ، وترك عبادة الأصنام ، فإن الرسل على حق وهدى ، لا يطلبون مالا على تبليغ الرسالة ، وهذا دليل إخلاصهم وعدم اتهامهم بمأرب دنيوي ، والخالق هو الأحق بالعبادة ، وهو الذي إليه المرجع والمآب ، فيحاسب الخلائق على ما قدموا من خير أو شر.

أما الأصنام فلا تجلب نفعا ولا تدفع ضررا ، ولا تنقذ أحدا مما ألمّ به من البلاء ، فمن عبدها بعدئذ فهو في خسران ظاهر.

8 - ثم صرح مؤمن القرية مخاطبا الرسل بأنه مؤمن باللّه ربهم ، فليشهدوا له بالإيمان.

9 - لقد كان جزاؤه المرتقب من القوم بسبب تصلبه في الدين ، وتشدده في إظهار الحق : القتل أو الموت الزؤام. وأما جزاؤه من اللّه فهو التكريم في جنان الخلد.

10 - بالرغم من هذا الإيذاء والتعذيب أحبّ هذا المؤمن ، كشأن كل مؤمن ، أن يبادر قومه إلى الإيمان بمثل ما آمن به ، ليحظوا بما حظي به من النعيم والنجاة. قال ابن عباس : نصح قومه حيّا وميتا.

11 - قال القرطبي : وفي هذه الآية تنبيه عظيم ، ودلالة على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل ، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، والباغين له الغوائل ، وهم كفرة عبدة أصنام .
 

Editorial notes: مقتبس من كتاب: قصة أصحاب القرية دروس وعبر