(08) أمك ثم أمك ثم أمك

محمد عطية

  • التصنيفات: قضايا الزواج والعلاقات الأسرية -

"أُمّك.. ثم أُمّك.. ثم أمّك"..

لو رأيت هذه الفتاة المدلَّلة يا ولدي! وحيدة أبيها وأُمّها، ريحانة بيتهم وبهجة أركانه.. لو رأيت الدموع في عيني والدها وشهقة الفرح في صدر أمها وهما يريان فلذة الكبد تُزَفُّ لرجلٍ سيكون أولى بها منهما!

ويقرأ الزوج شريط الذكريات في عين الوالد.. وثبات الطفولة، وضوضاء المرح.. لحظات النجاح، ودموع الفخر.. دعوات الستر، وأداء الأمانة.. يا للوالد الذي يستيقظ في الصباح الأول ليدخل غرفتها.. لا يسمع ذلك الصوت العذب يترنَّم بالأذكار والوِرد القرآني.. لم يرَ تلك البسمة النقية تسري في وجدانه وهو يطلب فطوره ويعرِض عليها أن تشاركه فيه.. يحاول التجلُّد وهو يسمع صدى الحنين متسائلًا: "أهكذا صارت نوَّارة البيت ضيفة تأتيه زائرة فقط؟!".

ويُقلِّب نظره في الجدران تزيَّنت بملصقات الأذكار التي كتبتها بيديها، ويمسح عليها كأنما يواسيها أو يتلمَّس آثارها على تلك الجدران! يطمئن قلبه للزوج الذي تعهَّد بحفظ الأمانة، وشكر النعمة.. ويمسح دموع الذكريات ليستقبل بسمة انتظار لصرخة السبط الأول تعيد الدفء لبيتهم من جديد..

وصار الكل رهن إشارتك يا ولدي! وصارت هذه الفتاة المدلَّلة مأتمرة بأمرك دون غيرك، حريصة على راحتك قبل من سواك! لا تغتر بوالدك الذي يدخل عليك بما رزقه الله من أجلك، فلو رأيت أُمّك تقضي الليل بين النوم واليقظة، عيناها مغمضتان وفي يدها قارورة الحليب تُمسكها أن تقع من فمك..

لو رمشت جفونك لقامت هي من شبه نومها فزعة تتفقد ما الذي أقلقك، بينما أغط أنا في نومي العميييق!

وصار هذا القلب المدلَّل باذلًا للحنان بلا حد، متفانيًا في العطاء بلا مقابل..

مازحتها من يومين قائلًا: "بكرة تيجي اللي تاخده منكِ، ويحبها ويبعد عنكِ" وترد بلا تلعثم: "دا يوم المُنى كله، وقرّة عيني أشوفه بس سعيد.."!

وتتردَّد صرخة في أعماقي "لله دركِ يا أُمّي"..

عبر أثير روحاني لا يتأثر ببحارٍ وصحاري حجزت بيني وبينها، أحس بقلبها الذي يدعو في كل نبضة: "ربنا يسعدك يبني"..

سهِرت وتعِبت، فرِحت وبكت، ضحَّت وبذلت، ثم ها هي لا تجدني بجوارها إن تعِبَت، ولا مُستمِعًا لفضفضتها إن ملَّت..

أدري لكم تشتاق لتلك القُبلة على جبينها ويدها قبل خروجي بالصباح، لكم تفتقِد "تسلم إيدكِ يا أُمّي" على مائدة الغداء، لكم تدمع عيناها حين تذكر تلك المزحة التي ظللت أضحكها عليها أُسبوعًا كلما كرّرتها، لكم تستوحش من غرفة خلت، تعوّدت دخولها فجرًا لتوقظني للصلاة..

ومع كل ذلك صارت تتصبَّر بمجرّد مكالمة أسبوعية ما هي إلا تهييج للأشواق واستدرار للدموع، وقلبها ينبض، ولسانها يُردِّد: "ربنا يسعدك يبني"..!

هو القلب الوحيد الذي يُحبُّك يا ولدي (كما أنت) و(كيف كنت).. لا ينتظر مقابِلًا، ولا يُعامِل بالمِثل..

لذا أوصيك: "أُمّك.. ثم أُمّك.. ثم أمّك"..


 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام