ترجمة الأبناء لانفصال الأبوين

القرار صعب... لكن كلاهما يصمم عليه وضحيته الأولاد، فقد يقع كثير من الأبناء في مشاكل نتيجة انفصال والديه عن بعضهما.

  • التصنيفات: قضايا الزواج والعلاقات الأسرية - تربية الأبناء في الإسلام -

تحتقن العلاقة بين الزوجين، وكل واحد منهما يجد نفسه على حق، وتزداد بينهما المجادلات والمعاندات، ويحاول كل منهما فرض سيطرته على الآخر، مما يزيد البيت اضطرابا وكآبة وحزنًا، ولم يصبح ثم رابط بينهما إلا ذلك الخيط المسمى بالأبناء.

بعض الزوجات تستهين بفكرة الانفصال عن أزواجهن مطمئنات أنهن سوف يحتضن صغارهن بمجرد الانفصال...

ومن الأزواج من يستهين بهذا القرار أيضًا، فينظر أنه بعد ذلك سوف يرسل لأبنائه مظروفًا كل آخر شهر يضع به بعض الأموال كنفقة لهم، وكأن كلاهما لا يهمه إلا حاله.

القرار صعب، لكن كلاهما يصمم عليه وضحيته الأولاد، فقد يقع كثير من الأبناء في مشاكل نتيجة انفصال والديه عن بعضهما.

ورغم أن الأم تحاول تحقيق كل ما يطلبه الابن لتعوضه حنان أبيه، ربما تفعل ذلك حتى ينسى الابن أباه، ولا يحاول أن يسألها عنه فتضرب -كما يقال- عصفورين بحجر واحد، أي تلبي للابن طلباته وفي نفس الوقت تحرم الأب من أن يرى ابنه (تتخذ أسلوب المكر) فقد أصبح الزوج بعد الانفصال من ألد أعدائها خاصة بعدما تعرف أنه تزوج بأخرى مما يزيد من تآمرها عليه.

فيكون حصادها ابنًا مدللًا تدليلًا مفرطًا تظهر لديه المشاعر العدوانية أكثر من غيره حيث أنه يعلم أن كل طلباته أوامر فيكبر ولا يستطيع أن يتحمل الحرمان من أي شيء فيتحول سلوكه إلى عدوان لتحقيق كل رغباته.

أيضًا شعور الطفل -مهما زادت عنده اللعب وتوفر له ألوان الطعام- بالنقص، عندما يجد أصحابه مصطحبين أباهم بالنوادي أوفي التنزه بالحدائق مما يزيده حزنًا داخليًا وإحباطًا قد ينشأ عنه ميل للانطواء وحب العزلة.

أيضًا قد ينعكس سلوك الأم على الولد نتيجة حالها التي وضعت نفسها فيه، فدائما مهمومة ومنزعجة ومتعصبة، مما يزيد تمرد الابن عليها فتفشل في التعامل معه فتلجأ لأسلوب الضرب كنوع من أنواع العقاب وتنسى أن العقاب الجسدي للطفل قد يعزز ويدعم في ذهنه أن القسوة شيء مسموح به من القوي للضعيف، خصوصًا مع كبر الابن ونموه الجسدي وفي فترات المراهقة.

أيضًا عندما تكون الزوجة من بيئة فقيرة، فبعد الانفصال من زوجها لا تستطيع اشباع رغبات الطفل مما يزيده غيرة من أصحابه الذين يتنعمون بالإنفاق الكثير، مستاء أمامهم عندما يتحدثون عن لعبهم الكثيرة مما يشعره بذلك النقص وربما يضطره في بعض الأوقات للسرقة لتعويض ذلك النقص عنده.

وكذا اتباع الطفل ألفاظ السباب والشتم والألفاظ البذيئة مما يتعلمه أثناء وجوده بالشارع... ذاك المكان الذي سيظل أطول أوقاته به بعد انفصال أمه من أبيه.

أيضًا كيف يجد الابن الاهتمام خارج المنزل وهل تستطيع الأم أن تبعده عن قرناء السوء أو أن تمشي وراءه خطوة بخطوة؟!

إن ميزة وجود الأب دائمًا بجانب أولاده يجعلهم أمام عينه، فبمجرد اصطحاب الابن لصديق السوء قد يتمكن الاب من معرفة ذلك قبل توطيد العلاقة بينهما، فقرار البعد عنه يكون أسهل على الولد لكن الأم لا تتنبأ بذلك إلا بعد فوات الأوان... عندما تجد ابنها يدخل إليها ورائحته مليئة بالدخان حينئذ تدرك حاجتها وحاجة ابنها لأبيه.

وقد يظهر على بعض الأبناء التأتأة أو اللجلجة فيظهر اضطراب في الكلام، فبعض الاطباء النفسيين اكدوا أن ذلك يرجع أساسه لعوامل نفسية وهي القلق النفسي وانعدام الشعور بالأمن والطمأنينة منذ طفولته المبكرة، وقد دلَّت البحوث العلمية على أن اسباب اللجلجة في الكلام إما نتيجة إفراط الأبوين ومغالاتهم في رعاية وتدليل الطفل، أو إيثاره على اخوته، أو العكس كأن يفتقر الطفل إلى عطف الأبوين أو يعيش في جو عائلي يسوده الشقاق والصراع بين أفراده.

و قد تكون محاباة الأم لابنها بعد الانفصال من زوجها ومحاولة اشباعه لرغباته يغرس في نفسه حب الأخذ دون العطاء فيتصف بالأنانية وحب النفس.

غير التزام كثير من الأطفال البكاء المستمر وفي بعض الأحيان يتدرج فيصل للصراخ عندما يشعر الطفل بحاجته للدفء العائلي بعد فقدانه أحد الأبوين عنه.

وما يجده الابن بسبب تراكم الأحزان مشكلة ما أصعبها وهي الأرق وكثرة التقلب وكثرة الحركة في نومه والكوابيس الليلة وغيرها من فزعات النوم، أو ما يعاني غيره من الأطفال من الإفراط في النوم وظهور كثير من الخمول وميله لنوم ساعات عديدة أثناء النهار بالإضافة إلى ساعات النوم المعتادة.

أكد العلماء النفسيون أن من أسباب هذه الأزمات عند الأبناء يعود للضغوط النفسية والحرمان من أحد الوالدين أو وجود مشكلة أسرية.

أيضًا من المشاكل التي يقع فيها الأبناء على اثر قرار الانفصال بين الأبوين التدهور النفسي الداخلي، فيتدرج التدهور من الهدوء إلى الانزواء ثم الانطوائية ثم التدهور الدراسي ثم استمرار الشعور بالكىبة والحزن ما يمكن أن يوصله لمرض الاكتئاب ويصير، بائسًا، خائفًا، غير إحساسه بفقدان الأمل والشعور بالرفض والاحتجاج دائمًا.

أيضًا تعرض بعض الأبناء المراهقين لأخطار الإدمان بحثًا عن جو السعادة والمرح خارج البيت، غير جو الملل والعبوس بالبيت فيقع فريسة للمدمنين كصيد لهم يفيض عليهم بالمال الوفير عندما يصبح مدمنًا على تعاطي المخدرات.

وقد أظهرت بعض الدراسات الحديثة أن ما لا يقل عن عشرين في المائة من الأطفال والمراهقين يعانون من اضطرابات نفسية، في دراسة اجريت في أمريكا شملت أربعة آلاف طفل دون الخامسة من العمر وجد أن واحدًا وعشرين بالمائة منهم مصابون باضطرابات نفسية، أما في بريطانيا فقد أشار المكتب الوطني إلى أن عشرة في المائة تتراوح أعمارهم بين خمسة وستة عشر عامًا شخصوا باضطراب عقلي تسبب في تغيرات شديدة في السلوك أثرت على قدرتهم على أداء أعمالهم اليومية وذلك يرجع لما يعاني هؤلاء الأطفال من النزاع الأسري المستمر وحرمان الأطفال من الدفء العائلي والانفصال الواضح بين الابوين.

إنه لا ينبغي علينا أن نجعل مكانة الوالد بالنسبة للأبناء مقتصرة على الانفاق، فإن الوالد لديه قدره تأثير كبيرة في تشكيل احساس الطفل بقيمة ذاته فهو أول معلم في حياة الطفل، والأطفال بحاجة إلى عطفه وحبه ورعايته ما يشعرهم بالأمان والسعادة والثقة بالنفس.

فليس الانفصال فقط بين الزوجين الذي يؤثر على نفسية الابناء، بل العلاقة بين الوالدين لها دور كبير في ذلك فإذا كانت علاقة سيئة لا تسودها المحبة فهي تؤدي إلى تفكك الأسرة فينمو الطفل نمو نفسي غير سوي.

والخلافات بين الوالدين والتوتر والاحتقان الدائم وعدم التفاهم بينهما ينشر جو الاضطراب مما يؤدي عواقبه على الأبناء ويترجمه الأبناء في تلك السلوكيات، غير ما يظهر من حب الشجار بين الأبناء وعدم احترام الآخرين وعدم التعاون فيما بينهم، وذلك يرجع كله لعدم استقرار الجو الأسري.

فالزوج له حقوقه وواجباته واحترامه، والزوجة لها حقوقها وواجباتها وكل منهما عليه التضحية لذلك مهما كلفه الأمر من عناء ومجهود، ذلك مع وجود جو التسامح والعفو بينهما عند الزلات فلا أحد معصوم من الخطأ، والله تعالى يغفر للعائد إليه النادم على ذنبه ويقبله، فلماذا لا نسامح نحن البشر بعضنا البعض؟!

يقول الله تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [البقرة من الآية:237]، لذا فأولى بنا أن ننسى ونعفو ونتجاوز عن الأخطاء ونتذكر الحسنات حتى تسير المركب وتصل بر الأمان.

 

أميمة الجابر