تركيا وسوريا .. إرهاصات حرب أم تصعيد سياسي؟​

عمرو عبد البديع

دخول تركيا في حرب مع سوريا يعني نشوب حرب إقليمية بين عدة أطراف، تركيا والأطلسي من جانب، والنظام السوري والحرس الثوري الإيراني مع دعم روسي من جانب أخر، حيث ستكون حرباً ضروساً وستكون هناك حسابات أخرى حول التوازن الإقليمي.

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -


كانت البداية بسقوط قذيفة سورية داخل الحدود التركية، فأودت بحياة خمسة أتراك من المدنيين، فقامت تركيا بقصف متقطع علي الداخل السوري، ثم إصدار تفويض من البرلمان التركي للجيش بالقيام بأعمال عسكرية في سوريا لمدة عام، ثم حشد وتعبئة قوات تركية علي الحدود السورية التي تبلغ 900 ك، ثم قامت السلطات التركية بإجبار طائرة سورية مدنية كانت قادمة من روسيا علي الهبوط في الأراضي التركية، وتم اكتشاف أنها كانت تحمل تعزيزات عسكرية للأسد، وقد سبق ذلك إسقاط طائرة تركية من قبل قوات النظام السوري ثم تصفية الطيارين الأتراك، ويري بعض المحللين أن هذا التصعيد مجرد رد فعل، ولن يتجاوز ذلك في حين يري أخرون أنها بداية حرب بين الدولتين.

  • الرأي العام التركي: ينقسم الرأي العام التركي حيال الأزمة مع سوريا إلي تيار يؤيد موقف أردوغان بقوة وهم الإسلاميون المحافظون الداعمون لأغلب مواقف وقرارات أردوغان ويتعاطوا مع الأزمة من منظور أغلبية سنية مضطهدة من أقلية علوية مستبدة، ثم هناك طائفة مؤيدة للتدخل التركي ولتصعيد أردوغان ولكنها محسوبة علي التيار الليبرالي حيث انحازت لحق الشعب السوري في الاختيار، كما ساندت من قبل ربيع الثورات العربية من منطلق حتمية اتساقها مع أبجديات الحريات والديمقراطية، وهناك تيار ليبرالي أقل مثالية بالتمسك بهذه الأبجديات، ويرى أن التدخل في شأن دولة أخري يمثل خطرا كبيراً على تركيا، وأن الانشغال بالأزمات الداخلية أولى، وهذا التيار أصبح رأيه له صدى في الرأي العام حيث صار الكثير يعتقد أنه "ليس علينا أن لا نتدخل في الشؤون العربية"، وهناك تيار يساري يرى ترك نظام الأسد بل يضفي عليه شرعية، ومن المدهش أن هناك داخل التيار الرافض للتدخل جزء صغير من إسلاميين متشددين ولهم ميول إيرانية ويروا الأسد كبطل قومي معاد للامبريالية ومناهض للصهوينية، وبالطبع من فصيل المعارضين لأردوغان، الحزب الجمهوري أقوى أحزاب المعارضة حيث يرى أن سيناريو الحرب مراهقة سياسية لأردوغان.
     
  • سيناريو الحرب: وهذا السيناريو يقوم على حصول اشتباك مباشر بين الجيش التركي والسوري في المنطقة الحدودية بينهما، وتقوم تركيا باستدعاء مساعدة الحلف الأطلسي الذي ينص ميثاقه بدعم العضو الذي يطلب المساندة، وهذا السيناريو يرى أن حكومة أردوغان أسست مواقفها وسياستها تجاه النظام السوري علي زوال نظام الأسد، وبقاءه يعني إفلاس سياسة أردوغان التي قطعت كل الطرق مع دمشق، كما أن بقاء الأزمة السورية قرابة الـ 20 شهر منذ انطلاقها يمثل ضغطا وإرهاقا علي أنقرة، وصارت تمس الأمن الوطني والقومي لتركيا.
     
  • سيناريو التصعيد السياسي وعدم الجاهزية للحرب: وهذا السيناريو هو الأقرب للمشهد ويرتكز على عدة مرتكزات:

    أولاً: أن السياسة الخارجية فلسفتها دائما "القوة الناعمة"، وتقاسم المنافع ومراعاة المصالح وتصفير المشاكل، أي أنها برجماتية النزعة لا تجنح إلى الحسم العسكري كخيار أولي.

    ثانياً: أن دخول تركيا في حرب مع سوريا يعني نشوب حرب إقليمية بين عدة أطراف، تركيا والأطلسي من جانب، والنظام السوري والحرس الثوري الإيراني مع دعم روسي من جانب أخر، حيث ستكون حرباً ضروساً وستكون هناك حسابات أخرى حول التوازن الإقليمي.

    ثالثاً: أن سيناريو الحرب سيكون بمثابة "طوق نجاة" للأسد، حيث سيبدو الأمر احتلال من قوات تركية "عثمانية" لأراضي عربية، ويقوم بشار بخنق الثورة من منطلق مواجهة الخطر الخارجي أولاً مما يُضفي عليه شيئا من شرعية قد فقدها تماما.

    رابعاً: "مُعضلة المسألة الكردية" حيث تخشي الحكومة التركية من عبث الأسد بالملف الكردي حيث يدعم حزب العمل الكردستاني بأسلحة وصواريخ مضادة للطائرات ومن ثَمَّ يفتح دائرة صراع كبيرة في الداخل التركي تكون منهكة لأردوغان وتهديد للملف الإثني بتركيا.

    ومن المرتكزات السابقة يبدو أن خيار الحرب مُستبعد، حيث سيتم قطع الطريق على الجيش الحر بعد معارك طويلة خاضها مع الأسد وأوشكت علي الانتهاء لصالحه، فستلتزم تركيا بدعم الجيش الحر بالقوة الناعمة والاستمرار في استقبال اللاجئين السوريين والانتظار في أي تحولات مُمكنة للأطراف الإقليمية والدولية يكون في غير صالح الأسد.