(1) الجهاد وأركانه

عبد الله عزام

وهذا القانون (قانون الدفع) أو الجهاد قد احتل صفحات كثيرة من كتاب الله عز وجل، لأن الحق لا بد له من قوة تحميه، فكم من حقٍّ وُضع بسبب خذلان أهله له؟! وكم من باطلٍ رُفِع لأن له أنصارًا ورجالًا يضحون من أجله؟!

  • التصنيفات: قضايا إسلامية -

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فلقد اختار الله برحمته هذا الدين ليكون رحمة للعالمين، وأرسل سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ليكون خاتمًا للنبيين بهذا الدين، ونصر هذا الدين بالسيف والسنان، بعد أن وضَّحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجة والبيان، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والطبراني: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصَّغار على مَن خالف أمري، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم» [1].

وقد اقتضت حكمة الله أن يقيم صلاح الأرض على قانون الدفع، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251]، أي: أن الله عز وجل تفضل على البشرية بأن سنَّ لهم هذا الناموس وبيَّن لهم هذا القانون (قانون الدفع)، أو بعبارة أخرى الصراع بين الحق والباطل، وذلك من أجل صلاح البشرية وسيادة الحق وانتشار الخير، بل إن الشعائر التعبدية ودُور العبادة محمية بهذا القانون؛ لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40].

وهذا القانون (قانون الدفع) أو الجهاد قد احتل صفحات كثيرة من كتاب الله عز وجل، لأن الحق لا بد له من قوة تحميه، فكم من حقٍّ وُضع بسبب خذلان أهله له؟! وكم من باطلٍ رُفِع لأن له أنصارًا ورجالًا يضحون من أجله؟!

 

والجهاد يقوم على ركنين أساسين هما:

1. الصبر، الذي يُظهر شجاعة القلب والجنان.

2. والكرم الذي هو بذل المال والروح، والجود بالنفس أقصى غاية الجود؛ ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد: الإيمان الصبر والسماحة [2].

يقول ابن تيمية [3]: "ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم؛ بيَّن الله سبحانه أن مَن تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به مَن يقوم بذلك: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:39]".

ولذا فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى شر الصفات، وهي البخل والجبن التي تؤدي إلى فساد النفوس وتدمير المجتمعات، ففي الحديث الصحيح: «شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع» [4]. ولقد مرت أزمان على سلفنا الصالح أخذوا بهذا القانون، فَسَادوا الدنيا، وأصبحوا أساتذة الأنام، كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24]. وكما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» [5]. ثم جاءت ذراري المسلمين وأهملت قوانين الله ونسيت ربها فنسيها، وضيعوا أحكامه فضاعوا {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم:59]، زين لهم سوء أعمالهم واتبعوا أهواءهم، جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يبغض كل جعظري جواظ، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة» [6].

ومن أهم الفرائض الغائبة والواجبات المنسية فريضة الجهاد التي غابت عن واقع المسلمين فأصبحوا كغثاء السيل، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قيل: يا رسول الله أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب أعدائكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت»، وفي رواية: قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حبكم للدنيا وكراهيتكم للقتال» [7].

 

[1] صحيح الجامع الصغير (2828) للألباني.

[2] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (554).

[3] مجموع الفتاوى 28/157.

[4] رواه أبو داود وهو صحيح.

[5] رواه أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي، صحيح الجامع الصغير (3739).

[6] (صحيح الجامع الصغير) (1874)، جعظري: فض غليظ مستكبر. جواظ: جماع مناع، سخاب: ثرثار.

[7] سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (958)، رواه أحمد بإسناد جيد وأبو داود، وفي رواية وكراهية الموت وهو حديث صحيح.

--------------------

من كتاب (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان).

المصدر: الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان