أمتنا وكرة القدم

تحتل كرةُ القدم مكانةً كبيرة، ومنزلةً رفيعة لدى الكثير من دول العالم، يستوي في هذا غنيها وفقيرها، حتى صارت اللعبة الشعبية الأولى، ومعشوقة الجماهير التي استولت على قلوب وعقول مشجعيها، ولا تستطيع أي رياضة أخرى أن تزحزحها عن هذه المكانة، أو تنافسها عليها. وأصبح المشجعون بمثابة الجنود، والحماة المخلصين لفرقهم الرياضية يفدونها بأرواحهم..!

  • التصنيفات: الواقع المعاصر -

تحتل كرةُ القدم مكانةً كبيرة، ومنزلةً رفيعة لدى الكثير من دول العالم، يستوي في هذا غنيها وفقيرها، حتى صارت اللعبة الشعبية الأولى، ومعشوقة الجماهير التي استولت على قلوب وعقول مشجعيها، ولا تستطيع أي رياضة أخرى أن تزحزحها عن هذه المكانة، أو تنافسها عليها. وأصبح المشجعون بمثابة الجنود، والحماة المخلصين لفرقهم الرياضية يفدونها بأرواحهم، ومن أجلها يجودون بأموالهم وأوقاتهم. وتشجيع كرة القدم تحول إلى طقوس، ورموز، وألون، وتمائم يتعلق بها اللاعبون والمشاهدون؛ ترتبط بها أفراحهم وأحزانهم، وعليها تنعقد الآمال في التقدم والنهضة والرقي بين الأمم.

والمشهد في عالمنا الإسلامي لا يختلف عما هو عليه في دول العالم بل قد يزيد ولكن ما تختلف فيه أمتنا الإسلامية عن الأمم الأخرى هو: أننا أمة ذات رسالة تسعى من أجل تحقيقها وإنجازها من خلال منهج رباني تنتهجه وتسير عليه، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران من الآية:110]، ومن أجل هذه الرسالة يُسخر الإنسان نفسَه وعمرَه وأهلَه ومالَه وكلَ ما حباه الله من إمكانات ونعم.

والسؤال هنا: وكرة القدم حالها في الأمة كما نرى ونسمع كل يوم، فما هي تأثيراتها علي حاضر الأمة ومستقبلها؟ والإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى الحديث عن واقع مؤلم مرير تمر به الأمة، مهما حاولنا من تجميله أو تجاوزه لا يغير منه شيء، ولهذا لا بد لنا من وقفة تحليلية لنرى ما أحدثته هذه اللعبة في حياة أمتنا الإسلامية.

التأثير السلبي في عقيدة الولاء والبراء:
إن جنون تشجيع كرة القدم الذي أصاب الناس، وحمية الجاهلية التي تنتابهم أضعفت في قلوبهم عقيدة الولاء والبراء، وفي أحيان قد تزلزلها من صدورهم، قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة:55]، وقال أيضًا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71].

وعقيدة الولاء والبراء فريضة ربانية، وسياج يحمي هوية الأمة وتميزَها عقائديًا واجتماعيًا وثقافيًا، ومع هذه الأهمية تضيع في ساحات اللعب ومدرجات التشجيع، وفي الشوارع، والمنازل، والملتقيات، ومن ملامح ضياع عقيدة الولاء والبراء بسبب تشجيع كرة القدم: ولاء النصرة والتأييد للكافرين من مدربين، ولاعبين كفار لا يدينون بدين الإسلام ومحبتهم، وتفضيلهم على أخوة الدين، بل وبغضهم وعداوتهم.

ومن هذه المظاهر: رفع أعلام الفرق، وارتداء قمصانهم التي تحتوي على صلبان وتمائم يحرمها الإسلام.
يقول أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري -عليهما لعائن الله- ينظمون وينثرون كفرًا.. وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب".

الاستهانة بالعبادات والشعائر الإسلامية:
غالباً ما تقام مباريات كرة القدم في أثناء أوقات الصلاة، وللأسف الشديد فإن كثيراً ممن يواظبون على أداء الصلاة في المسجد يتخلفون عنها يوم المباراة هذا إذا كانوا في المنزل، أما إن كانوا يشاهدون المباريات في الملاعب، فإنهم يذهبون منذ الصباح لحجز أماكن لهم، وهذا يضيع عليهم صلوات اليوم والليلة!

كما أن هناك من عشاق الكرة من يفضل السفر لحضور فعاليات المسابقات الكروية في الخارج على أن يؤدي فريضة الحج! وهناك من يأتي بالمصحف من اللاعبين، أو المدربين ويرفعه أمام الجماهير، وكأن المصحف تحول إلى تميمة، أو حجاب يتبرك به من أجل الفوز بالمباراة!

هناك أيضاً من يقوم بالذبح في الملاعب لا لأجل شيء إلا لفك النحس وعودة انتصاراتهم كما يدّعون! ولا شك في أن في مثل هذه الأفعال ما يشبه أفعال الجاهلية التي حرمها الإسلام مثل اتخاذ التمائم، والذبح لغير الله، والعجيب أيضًا أنه في مضمار اللعب هناك من يقوم بالسجود شكراً لله على إحراز هدف، فهل يُقبَل هذا السجود على هذه الهيئة؟! وفي ظروف أقل ما يمكن قوله دون جدال أن عورة الرجل المغلظة مجسمة، وساقه مكشوفة من فخذيه إلى قدميه!

تغييب الشباب عن واقع أمتهم وقتل طموحهم:
لقد تسببت كرة القدم في تغييب قطاع كبير من شباب المسلمين عن واقع أمتهم والاهتمام بقضاياها والانفعال مع مشكلاتها، حيث أصبحوا غارقين في تشجيع أنديتهم وفرقهم الرياضية، وتحولت إلى طموح وهدف يصبون إلى تحقيقه، فقتلت فيهم الطموح الحقيقي نحو التفوق والريادة، واتخذوا من اللاعبين قدوة ومُثل عليا، فصارت أسمى أمانيهم أن يكونوا لاعبين إلى جوارهم، وإن ضعفت بهم الأمنيات والآمال صارت أسماها أن يحصلوا على توقيعاتهم أو صورهم للذكرى والفخر بين أقرانهم، فأين هؤلاء من الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؟! {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]. أين هم من الاقتداء بالصحب الكرام رضي الله عنهم، والقادة العظام؟!

لقد تسببت كرة القدم في ضعف الأداء الدراسي لدى الكثيرين من هؤلاء الشباب، وفي أحيان كثيرة كانت مدعاة للفشل، وتبريره بحجة أن مستقبله في لعبة كرة القدم وليس في دراسة وتحصيل العلم؛ يستوي في هذا العلم الشرعي والعلم الدنيوي، إن الأمة التي تفقد شبابها على هذا النحو تكون قد فقدت حاضرها ومستقبلها، فكيف بأمة جُل مَنْ صنع مجدها وتاريخها كانوا شبابًا؟!

إعاقة مسار الأمة نحو الرقي والتقدم:
حيث تُختزل كل أمجاد الأمة في كرة القدم، فيكون نصرها انتصارًا للأمة، وهزيمتها هزيمةً للأمة! وهكذا وبعيداً عن أي تفكير أو منطق جعلوا من الكرة مقياساً للرقي والتحضر، والتقدم والتخلف. فسلطت عليها الأضواء، واشتهر لاعبيها بين أبناء الأمة، وصاروا مادةً للإعلام بشتى وسائله، وأضحوا نجومًا للمجتمع يشار إليهم بالبنان يتحدثون في كل شيء حتى في الأمور الشرعية ولا حرج عليهم! يوجهون الأمة فُيسمع لهم، وللأسف الشديد منهم الجهلة وأنصاف المتعلمين، ومن لا يفقهون في أمر دينهم..

وهذا ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه ابن ماجة في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصَّدق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمور العامة» (رواه أبو هريرة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة).

وأصبح العقل الجمعي للأمة يعتز ويزهو بانتصارات كرة القدم وينكسر للهزيمة، فأصبح هذا حال الكثيرين من المسلمين لا يفكر فيما فيه الأمة من ضعف وهوان وتخلف وضياع بسب ذلك! ومن هنا صارت كرة القدم كأفيون للأمة تُغيب به عن الوعي، وتُبعد به عن رسالتها لتظل في سبات عميق وأوهام مرضية، ولتبقى أسيرة في المجد المتوهم والنصر المزعوم لكرة القدم.

وفي المقابل تم تهميش المجالات الأخرى شرعية وعلمية وصناعية وتقنية وزراعية وتجارية...الخ، وإقصاء أربابها من العلماء والأساتذة، والفنيين وغيرهم وهم الصفوة الحقيقة للمجتمع، مما أصاب هذه المجالات بالجمود والتخلف نتيجة الإهمال المتعمد من قبل المسؤولين عن مقدرات الأمة، وهجرة الكثير من العقول الفائقة إلى الغرب بسبب هذا التجاهل، مما أدى إلى تخلف الأمة علمياً، وسياسياً، واقتصادياً، فقبعت في ذيل الأمم تابعة ذليلةً، عاجزة عن استثمار ثرواتها، وصناعة نهضة حقيقة ترتقي بها إلى مصاف الأمم المتقدمة.

تضييع أموال الأمة:
تُخصص حكوماتنا الإسلامية في ميزانياتها المبالغ الطائلة للإنفاق على لعبة كرة القدم، وما يتعلق بها من متطلبات، وتقتطع هذه المخصصات المالية من موارد للدولة على حساب القطاعات الحيوية والخدمية التي تحتاج إليها المجتمعات كالتموين والتعليم والصحة، وغيرها من القطاعات والمرافق العامة والخدمية. مما يجعلها عاجزة عن تلبية حاجات أفراد المجتمع، وهو ما نشاهده في ضعف أداء هذه المرافق ممثلة في المجمعات الاستهلاكية، والمدارس، والجامعات، والمراكز البحثية، والمستشفيات.

وعلى مستوى الأفراد، هناك من ينفقون ببذخ شديد على اللاعبين والأندية ويدعمونهم بمليارات الدولارات، هذا في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الفقراء، والجوعى، والمرضى، والأيتام، وغيرهم من المستضعفين، وذوي الحاجات الذين لا يجدون من يدعمهم أو ينفق عليهم، وكل هؤلاء في حاجة إلى من يساعدهم، ويمد لهم يد العون ليواصلوا الحياة، ولا شك في أن مثل هذه الأموال الطائلة لو وظفت لصالح هذه الفئات المستضعفة لتغير حالها إلى الأفضل والأحسن، مما يعود على الأمة في مجموعها بالرقي والتقدم.

القطيعة بين المسلمين وإحياء النزاعات بينهم:
من أسوأ ما يفضي إليه تشجيع كرة القدم من نتائج: القطيعة بين المسلمين، وإثارة النعرات القومية والوطنية فيما بينهم. وإذا كان أعداء الأمة قد نجحوا قديماً في سلخها عن أخوة الإيمان التي أرساها الإسلام في قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ..} [الحجرات:10] فصار الناس يعلون من روابط القومية والعرقية على أخوة الدين والإيمان، فمضي الخلاف بين الأمة على مستوى الأوطان، والأعراق، والطوائف، والقوميات، وظن القوم أن الحال ستبقى على ذلك حتى انتشرت كرة القدم وصارت كما بينّا آنفًا، فأزكت صراع العصبيات بين المسلمين، واشتعلت الفتن بين الدول الإسلامية، وعمت الكراهية بين شعوبها، مثلما حدث بين مصر والجزائر بسبب مبارياتهما معًا في تصفيات كأس العالم 2010، حتى وقعت القطيعة بين الدولتين وصارت بينها حربًا إعلامية وسياسية واقتصادية، لم تنتهِ إلا بعد زوال نظام مبارك، هذا على مستوى الدول.

وعلي المستوى المحلي الداخلي، كادت أن تتقطع أواصر الوطن الواحد بسبب تعصب كل إقليم أو محافظة لفرقها الرياضية، وانتشرت بين أبناء الوطن مشاعر الحقد والكراهية، والنبذ والعنصرية والعداء، وأقرب مثال على هذا ما وقع في محافظة بورسعيد المصرية بسبب مباراة كرة قدم بين فريقي المصري البورسعيدي، والأهلي القاهري، والتي راح ضحيتها مئات القتلى والمصابين، وأدى ذلك لحصار محافظة بورسعيد بأكملها ومنع دخول الدواء، أو الغذاء، أو أي شيء آخر! ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أكثر من ذلك.. إن الكراهية والقطعية وصلت إلى داخل البيت المسلم؛ بين الزوج وزوجه، وبينهم وبين الأبناء، فكان من نتيجته وقوع الطلاق وتفكك الأسرة، والجفوة والعقوق بين الآباء والأبناء.

هذا علاوة على ما يرتبط بتشجيع كرة القدم من اختلاط ومجون في المدرجات، وتدني مستوى الأخلاقيات، مع انتشار الفواحش والسلوكيات الخاطئة في كل مكان يتجمع فيه مثل هذه النوعيات من مجانين كرة القدم، إن حال أمتنا مع كرة القدم يحتاج إلى توصيف وتشخيص يفضي إلى علاج ووضع حلول جذرية لهذه الفتنة التي تهوي بالأمة في مهاوي الجاهلية والتخلف وهذا يحتاج إلى تضافر الجهود بين علماء الفقه والشريعة والتربية والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع والخدمة الاجتماعية، لوضع تصور وخطط للقضاء على الآثار الناجمة عن تشجيع كرة القدم.

والأمر الذي نحتاجه سريعًا هو رأي فقهائنا في حكم الحاصل في كرة القدم، وما الأموال المتحصلة منها لكل من له صلة بها من لاعبين ومدربين وإداريين...إلخ، وذلك بناء على التوصيف السابق.

 

صلاح فضل توقة