معالم منهجية في الدعوة إلى الله

ولكن ذلك الفضل لا يكتمِلُ حتى يكونَ الدعاة على علمٍ بالأسس الصحيحة التي يبنون عليها دعوتَهم، والمعالِم المنهجية المترابطة التي ينبغي عليهم أن يلتزموا بها، النابعة من قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].

  • التصنيفات: الدعوة إلى الله - الدعاة ووسائل الدعوة -

في زمنٍ كثُرت فيه الفتن، واشتدَّت المحن، وتكالبت صروف الدهر ونوائبه على أمة الإسلام، وماجت عهود الناس ومواثيقُهم، واستشرى الجهلُ بالدين، وتميَّعت عقيدةُ المسلمين، تبرز أهمية حركة تصحيح المسار، المتمثِّلة في الدعوة إلى الله عز وجل على بصيرةٍ، وإصلاح أوضاع الناس بالحكمة، وهو ما يُعزِّز فضلَ الدعوة إلى الله، وفضل أصحابها من العلماء والدعاة والمخلِصين من أبناء الجماعات الإسلامية، الذين قد حملوا لواءَ تعبيد الناس لربِّهم، وتصحيح معتقداتهم، وغرس القِيَم والمفاهيم الصحيحة في قلوبهم، رغم ما يُلاقون من الأذى والاستهزاء، وسائر صنوف الابتلاء، ولا يَزِيدهم ذلك مع مرور الأيام إلا رفعةً وعزة ومكانة في قلوب الناس.

ويكفي في بيان فضلهم وحاجة الناس إليهم، ما وصفهم به الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بقوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم، يَدْعون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويَصبِرون منهم على الأذى، ويُحْيُون بكتاب الله تعالى الموتى، ويُبصِّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيَوه، وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هدَوْه، فما أحسنَ أثرَهم على الناس وما أقبح أثرَ الناس عليهم"[1].

ولكن ذلك الفضل لا يكتمِلُ حتى يكونَ الدعاة على علمٍ بالأسس الصحيحة التي يبنون عليها دعوتَهم، والمعالِم المنهجية المترابطة التي ينبغي عليهم أن يلتزموا بها، النابعة من قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].

المَعْلَم الأول: الوضوح والبيان {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي

أن يصدَحَ الداعية بدعوته، موضحًا لأتباعه المنهج الذي يسعى لنشره، والطريقة التي يسير عليها، والوسائل التي يستخدمُها، والغاية التي يُرِيد أن يصل إليها، والابتلاءات التي قد يُلاقيها بسبب دعوته، لا أن تكون دعوتُه محلَّ غموض أو خفاء، بل في غاية من الوضوح له أولًا، ولمن تبعه ثانيًا؛ مصطحبين ذلك الوضوحَ في جميع مراحل الدعوة، حتى يكونوا على بيِّنة من أمرهم، وأولى قضايا الوضوح الدعوي التي ينبغي الاعتناء بها، هي قضايا التوحيد، وأسس العقيدة الصحيحة، لا أن تكون الدعوة مجرَّد مواعظ مؤثِّرة، وخطبٍ رنَّانة، تزول بزوال المؤثر، ليفاجأ الداعية عند أول محنة تساقُطَ الأتباع، وقلة النصير، بسبب غياب هذا المَعْلَم في بداية الطريق.

قال السعدي رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} للناس، {هَذِهِ سَبِيلِي} أي طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى الله، وإلى دار كرامته، المتضمنة للعِلم بالحق والعمل به وإيثاره، وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، {أَدْعُو إِلَى اللَّهِأي أحثُّ الخَلْق والعباد إلى الوصول إلى ربهم، وأُرغِّبهم في ذلك، وأُرهِّبهم مما يُبعِدهم عنه"[2].


لقد كانت (لا إله إلا الله) واضحةَ الكلمات والمعاني لَدى كفَّار القريش، حينما طلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوها، فيملِكوا بها العرب، وتدينَ لهم بها العجمُ، بأنها دعوة صريحة، ومبدأ قويم لهذا الدين القائم على العبودية المطلقة لله تعالى، ونَفْي ما سواه من المعبودات الباطلة، ولكنهم أبَوْا أن يقولوها، بل وحارَبوها.

وفي المقابل نجد صورة مشرقة في بَيْعة العقبة لوضوح الدعوة ومنهجها وتبعاتها لدى الداعي والمدعوِّ، واستجابتهم لها. يقول ابن إسحاق رحمه الله: "إن القوم لَمَّا اجتمَعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري -أخو بني سالم بن عوف- : "يا معشر الخزرج، هل تدرون علامَ تُبايِعون هذا الرجل؟" قالوا: "نعم"، قال: "إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلًا، أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزيُ الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافُون له بما دعوتُموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدينا والآخرة"، قالوا: "فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟" قال: «الجنة»، قالوا: "ابسط يدك"، فبسط يده فبايعوه"[3].

لذا ينبغي أن يكون هذا المَعْلم قيمةً تربوية يتربَّى عليها أتباع الدعوة، وجند العقيدة، وأن يطلبوا من قياداتهم بيانَ منهجهم الذي يدعون إليه، سواء كان ذلك معلومًا، أم مكتوبًا، ولذا فقد دأب السلف الصالح على كتابة العقيدة الإسلامية الصحيحة وتدوينها، لبيان المنهج السليم، ووضوح الطريق القويم، والحفاظ على هُوِيَّة الأمة، حتى لا يدخُلَ معهم مَن ليس منهم[4]، ممَّن يُرِيدون التسلُّق على تضحياتِ أبناء الدعوة لتحقيق مآربِهم ومكاسبِهم، أو أن تُصابَ قضايا المنهج وثوابتُه بآفةِ النسيان مع مرور الزمان، لتصبحَ مجرَّد أفكار قابلة للتغيير، وتصورات خاضعة للمراجعة بما يتوافقُ مع طبيعة الصراع، أو مستجدات الواقع.

المَعْلَم الثاني: الحجة والبرهان {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ

أن تكونَ هذه الدعوةُ قائمةً على الأسس الشرعية، والدلالات العقلية، التي تُمثِّل في مجموعها مفهومَ البصيرة، كما وضَّح ذلك ابن كثير رحمه الله في تفسيرِه للآية السابقة بقوله: "هي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل مَن اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين، وبرهان شرعي وعقلي"[5].

ومن هنا لزم على الدعاة أن تكون لهم قيمةٌ علمية يحملونها للناس، ولمن أرادوا دعوتَهم من المخالفين، لا أن تكون دعوتُهم قائمةً على تصورات خاطئة، ومعتقدات باطلة، وأفكار مضللة، ومشاريع قاصرة، بل دعوة تتميز بقوة الحجة، ووضوح المحجة، تؤثر بذاتها، وتقنع بطرحها، ترتقي بالداعية إلى الله إلى الرفعة والمنازل العالية.

قد تسلح الداعية إلى الله بسلاح العلم والحكمة، ليعظم أثره على الناس، وليرتقي للدرجات الرفيعة، والمنزلة السامية، قال ابن القيم رحمه الله: "أن تصلَ باستدلالك إلى أعلى درجات العلم، وهي البصيرة التي تكون نسبةُ العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئيِّ إلى البصر، وهذه هي الخَصِيصةُ التي اختصَّ بها الصحابة عن سائر الأمة، وهي أعلى درجاتِ العلماء"[6].

المَعْلَم الثالث: اليقين {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ

يقين الداعية بأن المنهج الذي يحملُه هو المنهج القويم، والطريق المستقيم، والنور المبين، الذي مَن تمسَّك به نجا، ومَن سلك طريقَه كان على الهدى، ومَن مات عليه نال غاية المنى، مهما طال الطريق، وهو مَعْلَم رصين، ومعنى دقيق من معاني البصيرة، كما قال الثعلبي رحمه الله: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ}، على يقين، يقال: "فلان مستبصر في كذا"، أي مستيقن"[7].

فمهما شكَّك المرتابون، وتساقط المَخذُولون، وأيِس العامِلون، واستعجل الثمارَ المتهوِّرون، وأرجف المنافقون، وأوعد المتربِّصون، وهدَّد المخالفون، فإن هذه القيمة -اليقين- ينبغي أن تكون حاضرةً أمام الدعاة إلى الله، وهم يُواجِهون هذه التحدِّيات، وأن ما هم عليه هو اليقين الذي لا يقبَلُ الشك، والعقيدة التي لا ترضى بالشرك، بكافة صوره القديمة والمعاصرة ، ومنهج التغيير السليم الذي لا يساوم بغيره من المناهج الباطلة وإن طال الزمن، فاليقين طريقٌ إلى الإمامة في الدين ولو بعد حين.

قال ابن القيم رحمه الله: "فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتمُّ له أمره إلا بيقينِه للحق الذي يدعو إليه، وبصيرته به، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله، باحتمال مشاقِّ الدعوة، وكف النفس عما يُوهِن عزمه ويضعف إرادته، فمَن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى"[8].

المَعْلَم الرابع: لزوم الاتِّباع {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي

دعوة نحو اتباع الحق، ولزوم الشرع، واستمساك بالهَدْي، وتسليم للنصِّ، وترك ما سوى ذلك من الأهواء الشخصية، والآراء العقلانية، ووجهات النظر المنحرفة، بسبب التأثر بالمخالف، والانبهار بنهضة الآخر، وجلد النفس من الداخل، تحت مسمى حركة التنوير العصرانية، الداعية إلى حرية فهم النص، وتفسيره تفسيرًا ينأى به عن جادَّة طريقة السلف؛ لينشأ على إثرها جيل من أبناء الدعوة مُشوَّه الفكر، متخبِّط في الاستدلال، مُشتَّت في الرؤى والتصورات، مُتمرِّد على الحق.

يقول ابن القيم رحمه الله في تفسير الآية السابقة: "أخبر تعالى أن مَن اتَّبع الرسول يدعو إلى الله، ومَن دعا إلى الله على بصيرة، وجب اتباعه،  ولأن مَن دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالِمًا به، والدعاء إلى أحكام الله دعاءٌ إلى الله؛ لأنه دعاء إلى طاعتِه فيما أمر ونهى، وإذًا فالصحابة رضوان الله عليهم قد اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب اتِّباعهم إذا دعَوْا إلى الله"[9].

• المَعْلم الخامس: التميز والشموخ {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

أن تكون هذه الدعوة متميزةً بمنهجها، مستقلةً بتصوراتها ونظرتِها نحو التغيير المنشود، لا أن تكون عقلانيةَ التصور، عاطفيةَ التأثر، تقبعُ في أَسْر الهزيمة النفسية، الداعية إلى التأثر بالأطروحات المخالفة في الخارج، أو التخبطات القيادية في الداخل، بل ينبغي أن تكون هذه الدعوة كالشامة في جبين الدعوات المنحرفة، متميزة بامتلاكها معالِم الطريق القويم لتمكين هذا الدين، وعودة شريعة ربِّ العالمين، لتكون هي الحاكمةَ والسائدة، لينعمَ بها الناس سعادة الدنيا، ونجاة الآخرة، وبذلك يحصل لهم الفلاحُ، وهي الغاية العظمى، والمنتهى الأسمى لهذه الدعوة.

يقول سيد قطب رحمه الله مبيِّنًا هذا التميز الذي ينبغي أن يتحلَّى به أصحابُ المنهج القويم والدعوة الراشدة: "وأصحاب الدعوة إلى الله لا بدَّ لهم من هذا التميُّز، لا بد لهم أن يُعلِنوا أنهم أمة وحدَهم، يفترقون عمَّن لا يعتقد عقيدتهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا يدين لقيادتهم، ويتميزون ولا يختلطون! ولا يكفي أن يدعوا أصحابَ هذا الدين إلى دينهم، وهم متميِّعون في المجتمع الجاهلي، فهذه الدعوة لا تؤدي شيئًا ذا قيمة، إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية، وأن يتميَّزوا بتجمُّع خاص، آصرته العقيدة المتميزة، وعنوانه القيادة الإسلامية، لا بد أن يميِّزوا أنفسَهم من المجتمع الجاهلي، وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضًا، إن اندغامهم وتميُّعَهم في المجتمع الجاهلي، وبقاءَهم في ظل القيادة الجاهلية، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتُهم، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتُهم، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة.
وهذه الحقيقة لم يكن مجالُها فقط هو الدعوةَ النبوية في أوساط المشركين، إن مجالَها هو مجالُ هذه الدعوة، كلما عادت الجاهليةُ فغلبت على حياة الناس، والذين يظنون أنهم يَصِلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات، ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام، هؤلاء لا يُدرِكون طبيعة هذه العقيدة، ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب!
إن أصحاب المذاهبِ الإلحادية أنفسَهم يكشِفون عن عنوانِهم وواجهتهم ووجهَتِهم، أفلا يُعلِن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟ وسبيلهم التي تفترق تمامًا عن سبيل الجاهلية؟"[10].

إنها معالِم منهجية، تُمثِّل أولويات فقه المراجعة التي ينبغي أن تكونَ محل اهتمام قادة العمل الإسلامي لتصحيح المسار، وإعادة البناء الدعوي والتربوي لأبناء الدعوة ولمن تبِعهم، لكي ينعَموا بغدٍ مشرق بالنصر والتمكين.

تميم محمد عبد الله الأصنج
------------------------------------------------------------

[1]- (الرد على الزنادقة والجهمية، أحمد بن حنبل [ص:6]).
[2]- (تيسير الكريم الرحمن، للسعدي [ص:406]).
[3]- (السيرة النبوية لابن هشام [2/295]).
[4]- كما ادَّعى الأشاعرة أنهم أهل السنة.
[5]- (تفسير القرآن العظيم، لابن كثير [4/422]).
[6]- (مدارج السالكين، ابن القيم [2/451]).
[7]- (الكشف والبيان عن تفسير القرآن، للثعلبي [5/263]).
[8]- (إعلام الموقعين لابن القيم [4/103]).
[9]- (إعلام الموقعين لابن القيم [4/100]).
[10]- (في ظلال القرآن –سيد قطب [4/2034]).