أهمية العربية عند أطفالنا

اللغة هي أساس الحياة الاجتماعية، وهي ضرورة من أهم ضروراتها، لأنها وسيلة التواصل بين الناس، ووسيلة الإنسان للتعبير عن حاجاته ورغباته وأحاسيسه ومشاعره، وأداته الوحيدة في تصريف شؤون عيشه، وللتخاطب مع الآخرين والتفاهم معهم وتبادل الآراء والأفكار، وسبيله إلى معرفة مذاهبهم ووسائل التأثير منهم، وإيجاد العلاقات وبناء الروابط بينهم، وتحقيق سبل التعاون والتكافل معهم.

  • التصنيفات: اللغة العربية -

اللغة هي أساس الحياة الاجتماعية، وهي ضرورة من أهم ضروراتها، لأنها وسيلة التواصل بين الناس، ووسيلة الإنسان للتعبير عن حاجاته ورغباته وأحاسيسه ومشاعره، وأداته الوحيدة في تصريف شؤون عيشه، وللتخاطب مع الآخرين والتفاهم معهم وتبادل الآراء والأفكار، وسبيله إلى معرفة مذاهبهم ووسائل التأثير منهم، وإيجاد العلاقات وبناء الروابط بينهم، وتحقيق سبل التعاون والتكافل معهم.

ومن ثم فاللغة هي السبيل لتوفير الحماية والرعاية للإنسان بين أفراد مجموعته، وعامل مهم تتحقق به منافعه ورغباته، وتسهل سبل تنشئته وتيسر أموره، واللغة وسيلة الإنسان إلى تنمية أفكاره وتجاربه، وإلى تهيئته للعطاء والإبداع والمشاركة في تحقيق حياة متحضرة، فبواسطتها يختلط بالآخرين وتقوى علاقاته مع أعضاء أسرته وأفراد مجتمعه.

ويرى التربويون أن هذا الامتزاج يمكن أن يكسب الإنسان خبرات متنوعة، وينمي قدراته ومهاراته المختلفة، واكتساب هذه الخبرات وتلك المهارات يزداد كلما نمت لغته وتطورت وزادت علاقاته بالآخرين اتساعًا ونماءً، وهذا ما يجعل الإنسان أكثر وعيًا وإدراكًا وأكثر قابلية للإنتاج والمشاركة في تحقيق التطور الفكري.

وإذا كان للغة هذه الأهمية في حياة الإنسان عامة، فإن نموها لدى الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة، كما يقرر التربويون، يمكِّنه من إدارة حياته على أفضل وجه ممكن، لأنها تساعده في تكوين عالمه بكافة أبعاده وجوانبه، وتمكنه من التعرف على الأشياء من حوله، وللغة ارتباط وثيق بكل من تفكير الطفل وذكائه ونمو قدراته، بل إن أي تأخر في لغة الطفل يؤثر تأثيرا مباشرا على مستوى تفكيره وإدراكه.

فاللغة إذن ذات فائدة كبرى في زيادة قدرة الطفل على السيطرة ليس فقط على بيئته التي يعيش فيها، بل أيضًا على دوافعه واتجاهاته وحاجاته.. فالطفل يعبر عن دوافعه واتجاهاته ورغباته وحاجاته إذا كان مالكًا لناصية اللغة ومسيطرًا على أساسياتها، فهناك دائرة متصلة الحلقات بين اللغة والتفكير والتعبير لدى طفل هذه المرحلة، فسماع الطفل لكلام الآخرين يبعث على التفكير، والتفكير تعبير، والتعبير يكون عادة باللغة، وتواصل الطفل مع الآخرين يساعده على التحول من اللغة الذاتية إلى اللغة الاجتماعية، وذلك مرهون بخبرات الطفل والفرصة التي تتاح له في مرحلة ما قبل المدرسة، لتحتل اللغة هنا مكانا مهما بين المهارات التي تسعى الروضة لإثرائها، وبخاصة لغته القومية بما تتضمنه من قيم ومفاهيم متنوعة، فثراء اللغة القومية لطفل الروضة هو أساس تمسكه بكل ما تتضمنه من قيم واتجاهات ومفاهيم، حماية له من خطر التعايش مع لغات أجنبية متعددة ذات اتجاهات ومفاهيم متناقضة.

وتؤدي اللغة لدى الطفل عدة وظائف، فهناك الوظيفة الاجتماعية، باعتبار أن اللغة أداة اتصال وتفاهم، وهناك الوظيفة العقلية باعتبارها أداة لتكوين المفاهيم والاتجاهات، ولها أيضًا وظيفة نفسية حين تصبح أداة للتعبير عن النفس والوجدان، وأخرى جمالية باعتبارها وسيلة للتعبير عن التذوق الحسي والجمالي، واكتساب اللغة في مرحلة ما قبل المدرسة يزيد قدرة الطفل على التواصل مع الآخرين، والاندماج والتكيف معهم.

لذلك تشكل مرحلة ما قبل المدرسة مرحلة من أهم مراحل حياة الإنسان، إذ يكون فيها الطفل قابلًا للتطور والتغيير والتشكيل، فلهذه المرحلة أبلغ الأثر في تكوين شخصية الطفل وبناء اتجاهاته وتعزيز دوافعه وإشباع حاجاته، وإذا كانت لغة الطفل تتأثر من حيث المفردات والتراكيب والقواعد بأكثر الأفراد مخالطة له، فطفل هذه المرحلة يقضي معظم وقته سواء في البيت أو الروضة أمام أفلام ومسلسلات كرتونية أجنبية ومدبلجة؛ معجبًا بأبطالها، غارقًا في التفنن بمحاكاة سلوكاتهم وإيماءاتهم ولغتهم، حتى إن لغته تكاد لا تختلف عن لغتهم، ليردد ويكرر العبارات والألفاظ التي ينطقونها بسرعة مذهلة ومهارة فائقة، تعتمد على حب ما يظهر من شخصيات في هذه الأفلام والمسلسلات.

ومن ثم فالأمر ينذر بخطورة بالغة، لا تتوقف خطورتها على الطفل في الوقت الراهن فحسب، بل على مستقبل هذا الجيل الذي ينمو ويكبر في أحضان مفردات لغوية متفرقة، من شأنها إضعاف اتصاله بلغته الأم، حيث تأثر الطفل بلغة وثقافة أخرى تختلف عن لغته وثقافته القومية، يتبعه تأثر بأخلاقيات واتجاهات هذه اللغات منذ الصغر، يزيد المشكلة تعقيدًا أن الإنتاج العربي من الأفلام والمسلسلات الكرتونية لا يضاهي الإنتاج الأجنبي، ولا ترتقي نسبه ليواجه القدر الهائل والمتزايد للإنتاج الأجنبي الذي يسد حاجة الطفل للتشويق والإثارة والمتعة..

 

ومن ثم انجذاب الطفل عامة وطفل ما قبل المدرسة خاصة لما يسد حاجاته ويشبع دوافعه واتجاهاته، وغالبًا ما يترك الطفل دون أدنى مراقبة وتوجيه أثناء المشاهدة، لينعدم التوجيه اللغوي والثقافي لجيل بأكمله.. ويزداد الأمر خطورة بانشغال الأم عن تربية طفلها وإيداعها إياه بالروضة لتتولى المعلمة مهمة حمايته ورعايته، بل ويجعلها المسؤولة الأولى إزاء إكساب الطفلا المهارات المختلفة، بما فيها المهارات اللغوية، واستغلال ما يتمتع به طفل هذه المرحلة من خصوبة لغوية فائقة في القدرة على التكرار، واشتقاق المترادفات والأضداد، لتحقيق جودة الاتصال بين الطفل ولغته القومية، وما يتصل بها من عناصر ثقافية، فاللغة مفتاح لقيم الأمة وثقافتها، وعنوان نهضتها وتقدمها.

د. مصطفى رجب- أكاديمي متخصص في اللغة العربية

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي- العدد 585