تفاؤلٌ وتشاؤمٌ​

عائض بن عبد الله القرني

وقال الأعرابيُّ: واللهِ إني أكرهُ الموت على فراشي، فكيف أطلبُه في الثغورِ {قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}. إنَّ الوقائع واحدةٌ لكنَّ النفوس هي التي تختلفُ.

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}.
كثيرٌ من الأخيارِ تفاءلوا بالأمرِ الشّاقِّ العسير، ورأوْا في ذلك خيْراً على المنهجٍ الحقِّ: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}.

  • فهذا أبو الدرداءِ يقولُ: أُحبُّ ثلاثاً يكرهُها الناسُ: أحبُّ الفَقْرَ والمرَضَ والموْتَ، لأنَّ الفقرَ مسكنةٌ، والمرضَ كفَّرةٌ، والموت لقاءٌ باللهِ عزَّ وجلَّ.
    ولكنَّ الآخرَ يكرهُ الفقر ويذُمُّه، ويُخبرُ أنَّ الكلاب حتى هي تكرهُ الفقير:

إذا رأتْ يوماً فقيراً مُعدماً *** هرَّتْ عليهِ وكشرَّتْ أنيابها 

والحُمَّى رحَّب بها بعضُهم فقال:

زارتْ مكفِّرةُ الذنوبِ سريعةً *** فسألتُها باللهِ أن لا تُقْلِعِي 

لكنّ المتنبي يقولُ عنها :

بذلتُ لها المطارف والحشايا *** فعافتْها وباتتْ في عِظامي

وقال يوسُفُ عليهِ السلامُ عنِ السجنِ: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}.
وعليُّ بنُ الجهم يقولُ عنِ الحبْسِ أيضاً:

قالوا حُبِسْت فقلتُ ليس بضائري *** حبسْي وأيُّ مهنَّدٍ لا يُغْمدُ

ولكنّ عليَّ بن محمدٍ الكاتب يقولُ:

قالوا حُبست فقلتُ خطْبٌ نكِدٌ *** أنْحى عليَّ به الزمانُ المُرْصدُ

والموتُ أحبَّه كثيرٌ ورحَّبوا بهِ، فمعاذٌ يقولُ: مرحباً بالموتِ، حبيبٌ جاء على فاقةٍ، أفلح منْ ندم.
ويقولُ في ذلك الحُصيُن بنُ الحمامِ:

تأخَّرتُ أستبقي الحياة فلمْ أجِدْ *** لنفسي حياةً مثْل أن أتقدَّمَا

ويقولُ الآخرُ: لا بأس بالموتِ إذا الموتُ نزلْ.
ولكنَّ الآخرين تذمَّرُوا من الموتِ وسبُّوه وفرُّوا منهُ. 
فاليهودُ أحرصُ الناسِ على حياةٍ، قال سبحانه وتعالى عنهمْ: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ}.
وقال بعضُهم:

ومالي بعد هذا العيشِ عيشٌ *** ومالي بعد هذا الرأسِ رأسُ

والقتلُ في سبيل اللهِ أمنيةٌ عذْبةٌ عند الأبرارِ الشرفاءِ: {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ}.
وابنُ رواحة ينشدُ:

لكنَّني أسألُ الرحمنَ مغفرةً *** وطعنةً ذات فزعٍ تقذِفُ الزَّبدا

ويقولُ ابنُ الطِّرِمَّاح:

أيا ربَّ لا تجعلْ وفاتِي إنْ أتتْ *** على شرْجَعَ يعلو بحُسْنِ المطارِفِ
ولكنْ شهيداً ثاوياً في عصابةٍ *** يُصابون في فجٍّ مِن الأرض خائفِ

غير أنَّ بعضهمْ كرِه القتْلَ وفرَّ منه، يقولُ جميلُ بثينة:


يقولون جاهِد يا جميلُ بغزوةٍ *** وأيُّ جهادٍ غيرهُنَّ أُريدُ

وقال الأعرابيُّ: واللهِ إني أكرهُ الموت على فراشي، فكيف أطلبُه في الثغورِ {قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}. إنَّ الوقائع واحدةٌ لكنَّ النفوس هي التي تختلفُ.