(7) دعوات مأمور بها (2)

إبراهيم بن محمد الحقيل

العلم بالآخرة هو العلم الرباني الذي لا سبيل إليه إلا بالوحي، والعلم بالدنيا هو العلم البشري الذي يتوصل إليه البشر بالبحث والتجربة والاكتشاف والاختراع، والفرق بين العلمين في الخيرية والبقاء والانتفاع أبعد مما بين السماء والأرض..

  • التصنيفات: الذكر والدعاء -

الدعوة الثالثة: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [طه:114].
قيل فيها: "زِدْني قرآناً"، وقيل: "فهماً"، وقيل: "حفظًا"، والصواب عموم العلم.
والمقصود به علم الوحي وما يتصل به؛ فليس من شأن القرآن أن يحث الناس على التزود من علوم الدنيا؛ فإن طبيعة عيش الإنسان فيها تحتم عليه العلم بها لإصلاح معيشته، وقد ينسى علم الآخرة الذي لا يُتوصل إليه إلا بالوحي، ولا شيء يدعوه إليه إلا الوحي، وقد قال الله تعالى في وصف الكفار: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7].

فالعلم بالآخرة هو العلم الرباني الذي لا سبيل إليه إلا بالوحي، والعلم بالدنيا هو العلم البشري الذي يتوصل إليه البشر بالبحث والتجربة والاكتشاف والاختراع، والفرق بين العلمين في الخيرية والبقاء والانتفاع أبعد مما بين السماء والأرض.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي لا علم الكلام والفلسفة والمنطق" (الصواعق المرسلة:3/ 877)، وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: "والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه" (فتح الباري:1/141).

وتحت هذه الآية فوائد عدة:
أولها: أنه نقل إلينا عمل النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الآية؛ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا» (رواه الترمذي:3599، وصححه الألباني في الصحيحة:3151).

الثانية: قيل: "ما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم" (تفسير النسفي:2/385)، ولو كان أحد يكتفي من العلم لاكتفى منه موسى عليه السلام لما قال: {..هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66]، (أدب الدنيا والدين:74)، وكفى بهذا شرفًا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه (مفتاح دار السعادة:1/50).

الثالثة: قال ابن عيينة رحمه الله تعالى: "ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة من العلم حتى توفاه الله عز وجل" (تفسير ابن كثير:5/319)، ويؤيد ذلك حديث أَنَسٍ رضي الله عنه: "أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ، حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم" (رواه مسلم:3016)، والوحي هو أعظم العلم.

الرابعة: في الآية تربية للمتعلم على البراءة من الحول والطول والذكاء والفهم وقوة الحفظ، والاستعانة بالله تعالى وسؤاله زيادة العلم مع بذل الأسباب في تحصيله.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "العلم ليس هو بكثرة الرواية، ولكنه نور يقذفه الله تعالى في القلب، وشرطه الاتباع، والفرار من الهوى والابتداع" (السير:13/ 323).

الخامسة: في الآية إرشاد للمتعلم أن لا يتجاوز علمًا حتى يتقنه، ولا يتعجل في جمع العلوم على حساب الإتقان والتحقيق والتدقيق، ويؤخذ ذلك من أن الأمر بسؤال زيادة العلم جاء تعقيبًا على النهي عن العجلة في تلقي الوحي: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]، وذلك أن غاية طلب العلم للمتعلم نيل مرضاة الله تعالى بالعمل به، ونفع غيره بما علم، لا المكاثرة فيه، أو التباهي به، ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يمكثون السنين في تعلم سورة واحدة ولا يتجاوزونها إلا بعد معرفة ما فيها من العلم والعمل.

السادسة: في الآية حث على الرجوع عن الخطأ إلى الصواب وعدم الاستنكاف منه؛ لأن العبد ما دام مأمورًا بسؤال زيادة العلم فهو يجهل شيئًا منه، فإذا تزود منه وعلم ما يجهل؛ علم خطأ ما كان يظن من قبل: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافيًا عليه اتبعه وليس هذا مذبذبًا؛ بل هذا مهتد زاده الله هدى" (الفتاوى:22/253).

السابعة: في الأمر بهذا الدعاء المبارك رد على غلاة الصوفية والروافض الذين يدعون قائلين "اللهم زدني حيرة فيك" وينسبون ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام..! قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "هذا من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث وإنما يرويه جاهل أو ملحد؛ فإن هذا الكلام يقتضي أنه كان حائرًا وأنه سأل الزيادة في الحيرة وكلاهما باطل؛ فإن الله هداه بما أوحاه إليه وعلمه ما لم يكن يعلم، وأمره بسؤال الزيادة من العلم، فمن يهدي الخلق كيف يكون حائرًا؟ والله قد ذم الحيرة في القرآن، وفي الجملة فالحيرة من جنس الجهل والضلال، ومحمد صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق علمًا بالله وبأمره، وأكمل الخلق اهتداءً في نفسه وهديًا لغيره، وأبعد الخلق عن الجهل والضلال" (الفتاوى:11/384).


الدعوة الرابعة: قول الله تعالى: {قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ . رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:93-94]، هذا وعيد بعذاب المشركين، وفيه إيماء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرى عذابهم، وقد رآه في بدر، وهو دعاء صالح لكل مؤمن إذا خاف أن ينزل العذاب بالعصاة والمكذبين أن يسأل الله تعالى إن حضر عذابهم أن ينجيه فلا يكون من الظالمين المعذبين.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "يقول تعالى آمرًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النقم: {رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} أي: إن عاقبتهم وإني شاهد ذلك فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه: «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون»" (تفسير ابن كثير:5/492)، "وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله، ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة الخاتمة" [تفسير ابن عطية:4/155].

الدعوة الخامسة: قول الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ . وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97-98]، والهمز حقيقته: الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه، ويستعمل مجازًا بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة، ومنه قوله تعالى: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم:11]، وقوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة:1]، [التحرير والتنوير:18/121]، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب، فقيل: "نزغاتهم ووساوسهم"، وقيل: "نفخهم ونفثهم"، وقيل: خنقهم"، وقد يقال -وهو الأظهر-: "إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعًا خاصًا، كنظائر ذلك" (إغاثة اللهفان:1/95).

وقد جاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام تعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه، وأرشد إلى ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ» (رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ:3893).

وأُمر صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بالله تعالى من حضورهم: {وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:98]، قيل: "في أموري، وقيل: عند تلاوة القرآن، وقيل: عند النزع والسياق، فأمره أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ودنوهم منه"، فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه" (إغاثة اللهفان:1/95-96).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقوله: {وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} أي: في شيء من أمري؛ ولهذا أمر بذكر الله تعالى في ابتداء الأمور -وذلك مطردة للشياطين- عند الأكل والجماع والذبح، وغير ذلك من الأمور [تفسير ابن كثير:5/492]. ومن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:"وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ" (رواه أبو داود:1552).

ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضيا تكفل الله تعالى بالاستجابة [التحرير والتنوير:18/121]، وأحسب أن الأمر بالتعوذ المأمور به في المعوذتين هو مثل الأمر بالتعوذ في هاتين الآيتين، ولكن في المعوذتين بسط لما يتعوذ منه، فلا أطيل بذكرها لشهرتها، ومعرفة الناس بها.

الدعوة السادسة: قول الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:118]، الأمر بهذا الدعاء مسبوق بذكر مآل السعداء ومآل الأشقياء في الآخرة، وأن السعداء قد أثنى الله تعالى عليهم بأنهم كانوا يدعون بهذا الدعاء: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:109]، وهذا يفيد أن من أراد النجاة والسعادة في الآخرة فليكثر من هذا الدعاء، حتى يكون يوم القيامة من الفريق المثنى عليهم بقول ذلك، وهي دعوة وجيزة عظيمة تضمنت طلب المغفرة والرحمة، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "هذا إرشاد من الله إلى هذا الدعاء" (5/502).

والمغفرة: "ستر الذنوب بعفو الله تعالى وحلمه حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها، والرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه الرحيم، وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم.. ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة خلقه، كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذواتهم وصفاتهم" (أضواء البيان:5/365).

وفي هذه الآية: أهمية هذه الدعوة؛ لأن الله تعالى أمر بها نبيه عليه الصلاة والسلام وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي دعوة مرجوة الإجابة؛ لأن أمره سبحانه بأن يدعو بذلك يتضمن وعدًا بالإجابة (التحرير والتنوير 18/137).

وفي ختمها بقوله تعالى: {وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} دليل على أن غيره سبحانه يرحم ولكنه خير الراحمين؛ لأن رحمة غيره من رحمته سبحانه؛ كما دل على ذلك حديث سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْهَا رَحْمَةٌ بِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ بَيْنَهُمْ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم:2753).

وأيضًا: كان سبحانه خير الراحمين؛ لأن رحمته إذا أدركت أحداً أغنته عن رحمة غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته عز وجل ([تفسير النسفي:2/485)، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ" (رواه ابن أبي شيبة:15570).

وبقي دعوةٌ أَمَرَ الله تعالى بها نبيه نوحًا عليه السلام لما ركب الفلك، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون:29]، ولعل الكلام عليها يأتي إن شاء الله تعالى في دعوات الأنبياء عليهم السلام.