همسات في أذن طالب العلم

دعني في هذا السبيل أن أصف لك عدة نصائح غالية فيما يخص سبيلك الذي أنت تسير فيه:

  • التصنيفات: طلب العلم -

كأنما تفوح رائحة عطرة تملأ المكان المحيط كلما ذكرت أهل العلم السابقين، الذين ثبتوا وضحوا وطبقوا علومهم بشكل واقعي، ولم يدفعهم العلم لكبر أو سمعة أو تكسب دنيا. ولكأنما يحيط المجالس العلمية ملائكة كرام، ينشرون السكينة بين ثنايا الحضور، ويدعون بالرحمة والكرامة.

 

كيف لا والعلم من أهم أسباب دخول الجنة والرفعة في المقامات العلا، قال صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» (رواه مسلم). وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]. والعلم دليل على خير يراد بالإنسان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» (متفق عليه). قال الحافظ ابن حجر: يفقهه: أي يفهمه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين -أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع- فقد حرم الخير.

 

والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع» (رواه أبو داود)، وقال ابن القيم: ووضع الملائكة أجنحتها له تواضعًا له وتوقيرًا وإكرامًا لما يحمله من ميراث النبوة. فالعلماء ورثة الأنبياء؛ قال صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» (رواه أبو داود). بل إن الله سبحانه لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستزادة من شيء إلا العلم، فقال سبحانه: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [طه:114]، قال ابن القيم: "كفى بهذا شرفًا للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه".

 

بل إن الله سبحانه قد استشهد العلماء وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة؛ قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران:18]. قال القرطبي: "هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء".

 

فأنا أشكر فيك أيها الكريم طالب العلم ومحبه هذا العزم الإيجابي نحو العلم والتعلم، وهذا العزم هو بداية كل جد ونجاح فأبشر بكل خير وفضيلة فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في حديثه الثابت: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» . ثم دعني في هذا السبيل أن أصف لك عدة نصائح غالية فيما يخص سبيلك الذي أنت تسير فيه:

 

أولًا: طريق العلم طريق لا يسير سائره إلا بالإخلاص التام، فلا علم بلا إخلاص ولا فلاح في طريقه إلا بالإخلاص، فأنصحك بتجريد الإخلاص لربك وربط حبلك الوثيق ثقة وإيمانًا وتوكلًا وعبودية له سبحانه، فانوِ بتعلمك وجه الله سبحانه واطرد وسوسة الشيطان وتزيينه لك أن يقال فلان حافظ وفلان عالم.

 

ثانيًا: طريق العلم أشرف طريق فلا تتجاذبك السبل عنه، فأنصحك بتدبر سبيل رزقك تدبرًا جيدًا مع دراستك للعلم حتى لا تنقطع في وسط الطريق، تدبر شأنك ورتب أحوالك بحيث يكون لك مصدر رزق صالح مناسب لقيمتك المجتمعية والإيمانية، لكن يجب أن تراع ألا يستنفذ منك وقتك وتذهب أيامك.

 

ثالثًا: لا علم إلا بالخشية، وإنما العلم الخشية، فالتمس منه الخشية أينما كنت في جنباته، وإياك والجفوة أثناء مدارسته، لكن اربط دومًا بين تعلم العلوم وبين تطبيق العبودية وأهم صفاتها الخشية بعد الإخلاص فإنهما يبعدانك عن الرياء ويدفعانك للإنابة.

 

رابعًا: لا علم بلا معلم، فابحث عن معلمين وشيوخ صالحين متقنين، وأوصيك بمن وصفهم صفتان غالبتان هما: التقوى والرسوخ في العلم، فلا تأخذ علمك إلا من تقيٍ راسخ.

 

خامسًا: لكل عالم باب يتميز فيه فلا تقصر نفسك على أستاذ واحد لكن ابحث عن أخذ كل باب من صاحبه المتميز فيه.

 

سادسًا: أنصحك بمدارسة العلم بطريقة أكاديمية؛ أعني عن طريق الجامعات العلمية، هذا بجانب مدارسة العلماء، فالدراسة الأكاديمية تنظم الفكر وتضبط الأداء، والدراسة على يد الشيوخ تعلم الآداب وتفهم المخفيات وتبصر بطرائق التفقه، فلا تترك أحدهما.

 

سابعًا: فيما يخص الاطلاع الذاتي فأنصحك بعدة مهام:

- إن هناك مقدارًا من العلم لا يستطيع امرئ أن يستغني عنه وهو الواجب في حياته الإيمانية، من تعلم لعقيدته الإيمانية، ولما يمكن أن يمسها أو يخدشها أو يقدح فيها من سلوكيات وأقوال وأفعال، ثم من تعلم لفقه العبادات كلها حتى تخرج عباداته صحيحة سليمة متبعة لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم من تعلم لأصول الدين وثوابته التي ينبني عليها الإسلام، هذه الأمور وغيرها مما لا يسع أي مؤمن جهله من العلم والتعلم هي بدايات الفهم ومنطلقات العلم، فحاذر أن تبدأ في غيرها قبل أن تهتم بها وتتشربها، وليكن تشربك لها على يد علماء صالحين وفقهاء معتبرين فإن تعذر فعلى يد طلبة علم نابهين مشهود لهم بالخير والعلم.

 

- لا بد أن تتفهم قدراتك الشخصية وميزاتك الذاتية وميولك النفسية والعقلية، وعندئذ تخير من القراءة ما يقوي فيها ما تتميز فيه، وينمي فيها ما تحب أن تتخصص فيه، فاختر لنفسك مجال تميز وسبيل تخصص واشغل نفسك فيه واهتم فيه بجمع العلم من أطرافه وأنصحك ها هنا أن تكون دراستك وقراءتك موجهة عن طريق دراسة رسمية منتظمة.. فإن لم تستطع فعن طريق متخصص موجه لك.

 

- إن لكل وقت شغلًا، وهناك أنواع من العلوم والقراءات لا تناسب أوقاتًا من اليوم فحاول جاهدًا ترتيب يومك بين قراءتك، وليكن في ابتداء يومك وفترة نشاطك قراءة ما يحتاج إلى إعمال عقل وفهم وتدبر ثم اجعل للأوقات الأخرى ما هو أقل فأقل.

 

- تختلف الأحوال النفسية والمزاجات الشخصية للإنسان عبر الأيام، فلا بأس أن تضع لنفسك بعض القراءات اللطيفة التي تروح عن النفس وتثير السعادة وتبعد الأحزان.

 

- إياك أن تبدأ في قراءة كتاب كبير طويل بدون أن يكون لك منهج في قراءته وتفهمه مع معلم أو موجه أو متابع، فأنت عندئذ تهدر وقتك وتعرض نفسك للانقطاع وتتبع رغبة النفس المؤقتة تجاه القراءة، فليكن لك متابع عالم أو مرب نابه يتابعك فيما تقرأ.

 

- لا تهمل التدرج في القراءة من الصغير للكبير ومن السهل للأقل سهولة وهكذا حتى تصل إلى الكتب الكبرى والمؤلفات العليا ولما سئل ابن عباس عن الربانيين ما معناها قال: "هم الذين يربون أنفسهم على صغير العلم قبل كبيره".

 

- اعلم أنه ما من كتاب إلا وفيه فائدة عظيمة فلا تستقل كتابًا ما دام منهجه صالحًا وموضوعه نافعًا، فقد تجد في الأنهار ما ٍلا تجده في البحار.

 

- تعلم أن تدون أهم ما تقرأ وأن تضع علامات تحت ما تراه نافعًا فيما قرأته وتدونه في مدونات خاصة، فبعد عمر ما ستجد فيها كنوزًا قد غفلت عنها.. وفقك الله.

خالد رُوشه