(9) نمط الإمعة

محمد علي يوسف

إنه نمط هانت عليه ثوابته فسهل عليه أن يطمس النعمة التي أنعم الله عليهم بها..!

  • التصنيفات: الآداب والأخلاق -

في البداية كان يظن أنه سيتصدَّر المشهد..

كان يعتقد أنه سيملك القوم عملًا بقاعدة "الأعور وسط العُمي مفتح"..

وهو ليس بأعور! بل هو مُبصِرٌ تمام الإبصار..

إنه الوحيد في تلك القرية الذي يرى وتعمل عيناه بكفاءة كاملة..

لا شك أنه سيتزعمهم ويتقدمهم جميعًا بتلك المزية..

لكنه لم يلبث أن اكتشف حقيقة الأمر وأدرك أنه كان واهمًا..

إنهم يريدونه مثلهم..

بل لن يقبلوه إلا لو كان مثلهم..

أعمى..!

- إن طول فترة مباشرتهم للظلام جعلتهم يُبغِضون الضياء ولا يتصورون أن يكون من بينهم من يُبصِر ذلك النور، أو يرى الدنيا بلونٍ آخر خلاف اللون الحالك الذي يغشى مدينتهم الكئيبة..

- تحدثنا عن السماوي ولون البحر الأزرق ولون الشفق الأرجواني؟!

- ما هذا الكلام العجيب!

- أَوَ مِنَّا الأشقر والأسمر والقمحي والأبيض المشرب بحمرة؟!

- أو تتباين درجات ألوان بشرتنا وشعرنا وتزعم أن ملامحنا أيضًا تتفاوت وتختلف سيمانا؟!

- لقد طاش عقلك يا هذا!

- إنه اللون الواحد، والشكل الواحد، والمشهد الواحد!

- دعك من هذه الخزعبلات وعِش مثلنا!

وإن كان هذا العضو الذي يتوسط وجهك هو ما يغرس تلك التصورات المضحكة في عقلك فتزعجنا بها.. فانزعه إذن، ولتحيا بيننا كواحدٍ مِنَّا..!

هكذا طلبوا من الرجل لكي يستطيع التعايش معهم.. عليه أن يفقأ ذلك العضو الغريب الذي يجعله مختلفًا ويجعله يقول أشياءً ويرى أمورًا غير التي ألِفوها واعتادوا عليها..

طلبوا منه أن يفقأ عينيه..!

ولقد كاد أن يفعل..!

الضغط الدائم والاستهجان المتواصل والرفض المستمر لما يقول - بسبب ما يراه بذلك العضو الغريب كل ذلك جعله يُقدِم على تلك الخطوة ليستطيع الاندماج مع سكان تلك القرية التي ساقه القدر إليها، ليفاجأ بأن كل سكانها من العميان!

والقاعدة تقول: "اللي زي الناس ما يتعبش"..

الذي قرَّر فقأ عينيه ليندمج!

وهكذا يفعل الكثير من الخلق..

لكن بطل القصة التي كتبها "هربرت جورج ويلز" في مطلع القرن الميلادي الماضي تراجع في آخر لحظة..

لقد قرَّر مبصر الرواية الاحتفاظ بعينيه في اللحظة الأخيرة..

قرَّر ألا يكون إمعة..

قرَّر ألا يطمس بصره ليكون مثلهم ويعيش بينهم في سلام..

لقد قرَّر أن يُبصِر ويرى..

ويظل يُبصِر ويرى..

حتى لو كان ما يراه مختلفًا..

وحتى لو جعله ذلك منبوذًا مرفوضًا..

لن يبيع بصره ولن يُفرِّط في بصيرته..

وللأسف كثير من مبصري اليوم لم يفعلوا مثله..

لقد قرَّر كثير منهم أن يركعوا للضغط وينحنوا للموجة وأن يكونوا من نمط الإمعة..

نمط قرَّر أن يركع للضغط وينحني للموجة..

قرَّر أن يخوض مع الخائضين.. ويهوي مع الساقطين حتى لو خالف ذلك ما يراه ويعتقده..!

حتى لو خالف ضميره ومبادئه إن كان قد بقي منها شيء أصلًا..!

إنه نمط هانت عليه ثوابته فسهل عليه أن يطمس النعمة التي أنعم الله عليهم بها..!

نعمة البصر والبصيرة ليكون أعمى بين العميان.. ليكون مثل الغير..

"واللي زي الناس ما يتعبش"!

هكذا يتصور أهل ذلك النمط المؤسف..

يرضون بكل شيء وأي شيء فقط ليُسايروا الموجة ويذوبوا في واقعهم البائس حتى لو كان ذلك معناه أن يصير إمعة أو حتى أعمى..

ما دام بين العميان إذا فلا مشكلة..

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [النساء:61].

إنه التقليد والاتباع الأعمى والإمعية الكاملة..

تقليد الأباء والأجداد وتقليد المجتمع واتباع البيئة المحيطة، دون فهمٍ ولا وعيٍ ولا إدراك، لِمَا عليه هذا المجتمع وتلك البيئة..

هذا التقليد والاتباع الأعمى الذي كان من أكبر الأسباب في صد جموع غفيرة من الناس عن طريق الحق حين لا يتصورون أن يرد جديد عليهم، ولو كان ذاك الجديد هو الحق الذي لا مرية فيه..

لا يتصورون فوات الحق على ما يتوهمونه نبوغًا لآبائهم وسادتهم وكبرائهم!

نفس لسان حال كثير من إمعات اليوم، حين يتحججون على اتباعهم الأعمى بقولهم: "اللي زي الناس ما يتعبش"..

إنه التقليد المقيت الذي هو ضد الإدراك الصحيح المسئول لطبيعة الحق..

فالحق حق بذاته لا يحتاج لمن يزكيه أو يزيده بهاءً وسطوعًا وهو ليس بِمَن يدعونه، وليس بمن يزعمون أنهم عليه أو تظن بهم ذلك..

الحق يعرف بذاته وليس بالرجال ولا بالآباء والأجداد..

لذا.. جاء الرد الصادم بعد تلك الدعوى التقليدية المقيتة..

جاء الرد الصادم ليهدم هذا الوثن من أوثان النفس ولتنجلي الحقيقة نقية دون رتوش..

{أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة من الآية:104].

وقد صح موقوفًا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «لا تكونوا إمَّعةً؛ تقولون: إن أحسنَ الناسِ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمْنا، ولكن وطِّنوا أنفسَكم: إن أحسنَ الناسُ أن تُحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا»[1].

والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة:105].

مبدأٌ ينبغي أن يفهمه كل مسلم..

آية من كتاب ربنا تشرح لنا لماذا ثبت الثابتون رغم وعورة الطريق وقلة السالكين..

آية تُبيِّن كيف أن القضية ليست في كثرة الموافقين والمؤيدين، ولا في وفرة الداعمين المنافحين..

القضية هي في الحق نفسه..

لا يضر المرء إن ضل كثير ممن حوله، ما دام موقنا أنه على الحق الذي أمره به ربه..

{لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}..

إنه بناء متفرِّد للشخصية الإسلامية التي لا يقبل صاحبها أن يكون إمعة، مهما كانت الظروف ومهما تزايدت عليه الضغوط..

وكم من أناس حرصوا على التمسك بالحق، وإظهاره، والسير في طريقه، رغم قلة السالكين، وربما انعدامهم في بعض الأحيان..

كم من أناس خاضوا غمار المعارك، وثبتوا عند حلول النوازل، رغم الصعاب التي واجهتهم، ورغم كثرة المخالفين، لكنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمثالهم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم..

لذا كانت العبادة في الهرج كالهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم..

ذلك لأنه لا يتفرغ لها في هذا الوقت إلا أفراد..

فلما تمايزوا تميزوا.

القضية إذن ليست بالعدد، ولا بالصخب، ولا بمطلق ما عليه الناس من حال..

القضية بالحق، فإذا كان معك؛ تبينته، وتشربه قلبك من معينه، فأنت الجماعة، ولو كنت وحدك..

فإياك أن تفقأ عينك أو تبيع بصرك..

إياك أن تكون إمعة..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- (رواه الترمذي في سننه: [2007]، وقال عنه: "حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، ورواه المنذري الترغيب والترهيب: [3/308]؛ وقال عنه: "إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما"، ورواه المناوي في تخريج أحاديث المصابيح: [4/355]. وقال عنه: "إسناده جيد").

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام