يا الله بك نستغيث

يحتاج المؤمن أن يدرك حقيقته الذاتية، وحقيقة قدراته وإمكاناته، وأن يدرك ماهية آماله ومنتهاها، لئلا يتكبر أو يتجبر، ولئلا ينسى حجمه فيخيل إليه أنه قادر على تغيير الأشياء، أو التفرد الذاتي بالمستقبل، أو حتى القدرة على تسيير شيء من الحياة، من أجل ذلك يحتاج أن يتذكر دومًا أنه فقير ضعيف فان، وأنه بحاجة إلى قوي عزيز قادر حي قيوم، يقوم بشأنه ويمده بالحياة ويعينه بالرزق والقوة...

  • التصنيفات: الزهد والرقائق -

يحتاج المؤمن أن يدرك حقيقته الذاتية، وحقيقة قدراته وإمكاناته، وأن يدرك ماهية آماله ومنتهاها، لئلا يتكبر أو يتجبر، ولئلا ينسى حجمه فيخيل إليه أنه قادر على تغيير الأشياء، أو التفرد الذاتي بالمستقبل، أو حتى القدرة على تسيير شيء من الحياة، من أجل ذلك يحتاج أن يتذكر دومًا أنه فقير ضعيف فان، وأنه بحاجة إلى قوي عزيز قادر حي قيوم، يقوم بشأنه ويمده بالحياة ويعينه بالرزق والقوة، والمؤمن يشعر دومًا أنه بغير ربه عاجز كل العجز أمام حركة الحياة من حوله، وأن دوامتها قد تذيبه في مداراتها وتدعكه في مساراتها، ولذلك فيجب أن يتوكل على رب عظيم رحيم، يوجهه إلى سواء الصراط ويهديه إلى محاسن المناهج والقناعات..

حتى في باب الحسنات والسيئآت فبرغم كون المرء مختارًا، فإن الهداية إلى الحسنة توفيق من الله سبحانه ومنة،  ولذلك أمرنا صلى الله عليه وسلم بقول: "لاحول ولاقوة إلا بالله"، وأهل العلم دوما ينصحون بتعلم أسماء الله الحسنى، وتدبر معانيها وفهم مقتضاها، والمعنى الأعظم الذي ينبئنا عما سبق من شعور الفقر والحاجة إلى الله سبحانه، يأتي من تدبر معنى اسمه سبحانه (الحي القيوم).

قال ابن عثيمين رحمه الله: "هذان اسمان من أسمائه تعالى، وهما جامعان لكمال الأوصاف والأفعال، فكمال الأوصاف في الحي، وكمال الأفعال في القيوم؛ لأن معنى الحي: ذو الحياة الكاملة، ويدل على ذلك (ال) التي تفيد الاستغراق وكمال الحياة من حيث الوجود والعدم، ومن حيث الكمال والنقص".

فالحي: الذي له الحياة الذاتية، الكاملة الدائمة التي ليس لها انقطاع ولا زوال، لا قبل ولا بعد، فله الحياة الذاتية التي لم تستمد من مصدر آخر، فهو دائماً عز وجل حي منذ الأزل وإلى الأبد، لم ينفصل عنه هذا الوصف أبداً تبارك وتعالى، قال قتادة في تفسير الحي: "يعني: الحي الذي لا يموت"، وقال الإمام السدي: "المراد بالحي: الباقي"، وقال الطبري: "أما قوله: الْحَيُّ، فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحدّ، ولا آخر له بأمد".

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أن اسم (الحي) يستلزم جميع صفات الكمال لله تبارك وتعالى"، ولذلك كان يرى أن (الحي) هو اسم الله الأعظم، يقول: "فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كانت أعظم آية في القرآن: {اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]،  فهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات، فلو اكتفى في الصفات بالتلازم لاكتُفى بالحي".

وقال السعدي: "وأنه الحي الذي له جميع معاني الحياة الكاملة، من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية"، قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: "الحي: كمال الأوصاف، والقيوم: تعبير عن كمال الأفعال، أما وزن القيوم فهو: (فيعول) مأخوذ من القيام، ومعنى ذلك: أنه جل جلاله قائم بأمر الخلق برزقه ورعايته وحفظه، وما من شيء إلا وإقامته بأمره وتدبيره سبحانه وتعالى".

وقال الطبري: "القيوم: القائم برزق خلقه وحفظه".
وقال ابن كثير: "القيوم: القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره".
يقول تبارك وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْ‌ضُ بِأَمْرِ‌هِ} [الروم:25].
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ‌ضَ أَن تَزُولَا..} [فاطر:41]، يعني: أن الله يمنعهما من الزوال والذهاب والوقوع: {وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ} [فاطر:41]، يعني: ما يمسكهما أحد سوى الله تبارك وتعالى: {..إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر:41].

 

خالد روشه