(1) يُمَسِّكون

أبو محمد بن عبد الله

وما هانت الأمة وضاعت إلا بتركها التَّمسُّك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بما فيهما من عقائدة وشرائع و وأحكام وأخلاقيات.
التمسّك بالكتاب، وأخذه بقوّة، والعضّ على ما جاء فيه بالنواجذ كما في الحديث، لا بمجرد أطراف الأسنان... وإلاّ فالفتنة عاتية، وسيولها عارمة جارفة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أولها؛ كما قال إمام دار الهجرة مالك رحمه الله.

  • التصنيفات: القرآن وعلومه - الواقع المعاصر - الأدب مع الله وكتابه ورسوله -

تقديم:

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصَحْبه ومن والاه؛ وبعد:
فإن في القرآن الكريم كلمات مشددة، مع جوازها بغير التشديد، بل في قراءات بغير تشديد.. فما دلالة هذا التشديد؟ وما فائدة أن تكون مشددة في قراءة ومخففة في قراءة أخرى؟

وكم كنت أقف عند بعضها مُتَأَمِّلاً، ومتسائلاً؛ لماذا هذا التشديد، ولماذا في القراءة الأخرى بدونه؟ يغلبني فكري في طَرْق المعاني، ولا أسمح له بالاسترسال، حتى لا يَجُرَّني لِأَنْ أقولَ في القرآن برأيي، إلى أن أذن الله سبحانه بخطِّها. ومن خلال بحث هذا الموضوع، فإننا نرجو أن يجعل الله ذلك إضافة لخدمة كتاب الله تعالى، ببيان إعجازه في هذا المجال، فضلا عمَّا فيه من فوائد هذه التشديدات في مجال العلم والعمل، ومن خلال مطالعة مواضع هذا النوع من التشديد في القرآن، لاحظتُ أن هذا التشديد يأتي لعدة أغراض؛ منها:

1- تعدد المعنى: فتأتي الكلمة في قراءة مشددة لتدل على معنى، وتأتي مخففة لتدل على معنى آخر، فتصير الآية وكأنها آيتين. فتزداد بلاغة القرآن الكريم بكثرة المعاني والأحكام في قليل الآيات، ولو نزلت كلُّ كلمة في آية مستقلة لتضاعف عدد الآيات، فيكون في حفظه زيادة جهد وتكليف.
2- التعدد: تعدد الحدث أو تعدد الفعل، أو تعدد الأمر...
3- التكرار: تكرر الشيء أو الفعل، وهو يشبه التعدد في أمور.
4- التأكيد: تأكيد الفعل أو الأمر، كحال التشديد في نون التوكيد المشددة.
5- بيان شدة الفعل والوصف؛ كشدة الغضب مثلا أو الحقد أو التعذيب أو التذبيح والتقتيل؛ ونحو ذلك.
وسنحاول بيان شيءٍ من ذلك في هذه التشديدات القرآنية، مستعينين بالله سبحانه، سائلينه التوفيق، وأن يحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

وقد وجدتها ماتعة، ليست المتعة اللغوية والبلاغية فحسب، وإنما وراء ذلك أيضًا لطائف تربوية، ولفتات منهجية، وإشاراتٌ علمية، ولقطات تشخيصية تجسيمية، تُصّوِّر لك بعبارة قصيرة أو بكلمة وحيدة شخوصًا متحركة، ومشاهدَ حيَّة، وكأنك تشاهد ذلك رأي العين، لا أنك تقرأها مجرد كلمات، وتلك هي خاصية التعبير القرآني الفريد، المُنزَّل من لدن عليم حكيم  حميد.

1- يُـمَـسِّـكـون، يُمسِكون

تَمَسَّكْ بشِدة وخُذْ بقوة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف:170]
{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ} أي بالتوراة، أي بالعمل بها، يقال: مسك به وتمسَّك به أي استمسك به.

قراءة عامة القرَّاء: {يُمَسِّكُونَ}؛ بتشديد السين، مع فتح الميم.

وقرأ أبي بن كعب: {والذين تَمَسَّكوا بالكتاب} ، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى: {وَأَقَامُوا الصَّلاة}  إذ قَلَّ ما يعطف ماض على مستقبل إلا في المعنى.

وقرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر: {يُمْسِكُون} بالتخفيف من أمسك يمسك.،أي بدون تشديد السين، مع إسكان الميم.

وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه : {والذين استمسكوا بالكتاب} .

قال القرطبي: والقراءة الأولى أولى، لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يمدحون.
فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك.

قال سيد قطب: إن الصيغة اللفظية: {يُمَسِّكون}.. تُصَوِّرُ مدلولاً يكاد يحس ويُرى.. إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة.. الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه.. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت.. فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر. إن الجدّ والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون (الواقع) هو الحكم في شريعة الله! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله!.

{الذين يمسكون} ... هو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه؛ ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه، ولا يعملون به، ولا يُحَكِّمُونه في تصوراتهم وحركاتهم؛ ولا في سلوكهم وحياتهم. . غير أن الآية تبقى - من وراء ذلك التعريض - مطلقة، تعطي مدلولها كاملاً، لكل جيل ولكل حالة.

والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة؛ وإقامة الصلاة- أي شعائر العبادة- هما طرفَا المنهج الرباني لصلاح الحياة.. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقرونًا إلى الشعائر يعني مدلولًا معينًا. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه.

والإشارة إلى الإصلاح في الآية: {إنا لا نضيع أجر المصلحين}.. يشير إلى هذه الحقيقة؛ حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملاً، وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يُضيعُ اللهُ أجره على المصلحين.

وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني.. ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس الفردية والجماعية؛ وترك العبادة التي تصلح القلوب؛ فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص، كالذي كان يصنعه أهل الكتاب؛ وكالذي يصنعه أهل كل كتاب، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله..

إنه منهج متكامل؛ يقيم الحكم على أساس الكتاب؛ ويقيم القلب على أساس العبادة.. ومن ثم تتوافق القلوب مع الكتاب؛ فتَصْلُح القلوب، وتصلح الحياة.

إنه منهج الله، لا يعدل عنه ولا يستبدل به منهجًا آخر، إلا الذين كُتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب!.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإنْ عبدًا حبشيًّا، وسترون من بعدي اختلافا شديدًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة» (الألباني؛ السلسلة الصحيحة، برقم: [2735]). فإذا كُنًّا مأمورين بالعضِّ على السنة بالنواجذ، وليس أطراف الأسنان فقط، فما بالك بالقرآن الكريم.

ولا بد أن نؤكد أن التَّمسك بالكتاب يعني بالقرآن والسنة، لأنهما لا يفترقان، ولا يتناقضان ما ثبتا. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه؛ فإن لم يقروه فله أن يغصبهم بمثل قراه» (الألباني، صحيح الجامع وزيادته، رقم: 2641)

وما هانت الأمة وضاعت إلا بتركها التَّمسُّك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بما فيهما من عقائدة وشرائع وأحكام وأخلاقيات.

التمسّك بالكتاب، وأخذه بقوّة، والعضّ على ما جاء فيه بالنواجذ كما في الحديث، لا بمجرد أطراف الأسنان... وإلاّ فالفتنة عاتية، وسيولها عارمة جارفة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أولها؛ كما قال إمام دار الهجرة مالك رحمه الله.

نسأل الله تعالى حسن الإسلام وصدق الإلتزام.

ومع شدّات أخرى قادمة إن شاء الله تعالى

20 /07 /2014