(61) نمط لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

محمد علي يوسف

ها قد عشنا تلك الأيام التي ارتفعت فيها سيوف التخوين والتحقير في وجه كل مخالف أو معترض بتلك الحجة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. المبدأ الذي يطل برأسه ليُسفِّه أي معارض ويُطيحُ بأي مخالِف ويمنع أي نقد ويكتم أي صوت لا يوافق معركته التي يعتقد ألا صوت يجب أن يعلو فوق صوتها، ويومًا ما سيزول الغبار ويهدأ الضجيج وسيدرك الجميع أن صوت الحق وصوت الصواب وصوت المنطق والحكمة كان ينبغي أن يعلو على كل صوت، حتى صوت المعركة.

  • التصنيفات: الآداب والأخلاق -

من خلف سحائب الغبار الكثيف الذي أثارته سنابك الخيل وأقدام المقاتلين تعالى صليل السيوف ودوت قعقعات المعركة.. قتالٌ شديد يكاد ضجيجه يصم الآذان، في ناحية من نواحي المعركة بدا ظلان يقتتلان في مبارزة رهيبة يغلب على الظن أنها لن تنتهي إلا بموت أحدهما، إنه أسامة بن زيد رضي الله عنه في مواجهة مميتة مع أحد صناديد المشركين، من الواضح أن الكفة تميل لذلك الشاب الحبيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبيه، غالبًا لن تمرّ لحظات إلا وينال أسامة من خصمه، ها هو المشرك يسقط على ظهره مُنهكًا وسيف أسامة يعلوه ليُجهِز عليه، رغم ضجيج الغزوة وصليل سيوفها المختلِط بصهيل خيولها فإن صوتًا علا فوق صوت المعركة.. أشهد أن لا إله إلا الله، صوت الكلمة يقرع أذني أسامة، نعم لقد سمعها واضحةً جلية، الرجل يشهد شهادة التوحيد الآن والسيف فوق رأسه!

ما هذا يا رجل؟! أو تظنه ساذِجًا؟! قطعًا تقولها نجاة من الموت المُحقَّق الذى يطل عليك برأسه من بريق سيف أسامة، لا شك أنك تصرخ بها هربًا من ذلك النصل المُحدِق بك، ربما مرّت تلك الخواطر برأس أسامة في تلك اللحظات القصيرة والرجل يهتف بالشهادة في وجهه، ولعل ذلك السيف قد قطع تلك الخواطر بينما ينفذ في جسد الرجل كاتِمًا صوته الصارخ بكلمة التوحيد، لقد مات الرجل! لكن ماذا في هذا؟ أو ليست معركة؟!

إذا لا صوت يعلو فوق صوتها، «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة»، هكذا صاح النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة من أشد لحظات غضبه الذي ما كان يومًا إلا لحرمة من حرمات الله تنتهك، لم يغفل النبي صلى الله عيه ولم عن ذلك الصوت الذي علا فوق صوت المعركة، لم يقل كما يحلو للبعض أن يتشدّقوا أثناء الأحداث المفصلية الفارقة: "مش وقته.. بعدين"..! المعارك لها احترامها، لم يقل: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لقد علا صوت المبدأ والعقيدة، «أفلا شققتَ عن قلبه؟!».

هكذا عنَّف حبيبه وابن حبيبه رضي الله عنهما الذي لولا تحريم التبني لكان يُدعى حفيده، وهكذا فعل مع خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم وقع في فعل مشابه فلم يمنع صوت المعركة من أن يعلو صوت الحبيب صادِعًا: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، وهكذا علَّمهم وعلَّم الأمة من بعدهم وهكذا علَّمه الله بعد معركة سالت فيها دماؤه الشريفة على وجهه فقال: «كيفَ يُفلِحُ قومٌ خضَّبوا وجهَ نبيِّهِم بالدَّمِ وَهوَ يَدعوهم إلى اللَّهِ؟!» فأنزل الله قوله يعلو على صوت كل معركة: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} [آل عمران من الآية:128]..

وليتعلَّم وتتعلَّم الأمة رغم الألم أن هنالك أصواتًا لا بد أن تعلو على صوت المعركة وكل معركة صوت العقيدة، صوت المبادئ، صوت الإنصاف، صوت الأخلاق، صوت العقل، وغيرها من الأصوات التي ربما لا تبدو عالية عند الناس أثناء المعارك لكنها ستعلو يومًا بعدما يزول غبارها وتضع الحرب أوزارها وحينئذ ربما يكون الأوان قد فات ولا ينفع ندم، في مقالٍ قديم بعنوان: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" كتبتُ منذ شهور طويلة، مُحذِّرًا من أنه ستأتي أيام يرفع فيها الجميع هذا الشعار ونصل إلى معركة صفرية لا يقبل فيها أحد مجرّد اللوم والنقد أو حتى الاختلاف.

وها قد عشنا تلك الأيام التي ارتفعت فيها سيوف التخوين والتحقير في وجه كل مخالف أو معترض بتلك الحجة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. المبدأ الذي يطل برأسه ليُسفِّه أي معارض ويُطيحُ بأي مخالِف ويمنع أي نقد ويكتم أي صوت لا يوافق معركته التي يعتقد ألا صوت يجب أن يعلو فوق صوتها، ويومًا ما سيزول الغبار ويهدأ الضجيج وسيدرك الجميع أن صوت الحق وصوت الصواب وصوت المنطق والحكمة كان ينبغي أن يعلو على كل صوت، حتى صوت المعركة.
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام