الحلقة التاسعة عشرة

أيمن الشعبان

  • التصنيفات: التفسير -

 

الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب،  والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
بعد أن نفى استواءهما أتبعه بذكر حال كل منهما على سبيل التفصيل:
{ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ } أي أما الذين صدّقوا الله ورسوله وعملوا صالح الأعمال، فلهم مساكن فيها البساتين والدور، والغرف العالية، جزاء لهم على جليل أعمالهم، وطيب أفعالهم التي كانوا يعملونها فى الدنيا.
أَخْبَرَ عَنْ مَقَرِّ الْفَرِيقَيْنِ غَدًا، فَلِلْمُؤْمِنِينَ جنات المأوى أو يَأْوُونَ إِلَى الْجَنَّاتِ فَأَضَافَ الْجَنَّاتِ إِلَى الْمَأْوَى لان ذلك الْمَوْضِعَ يَتَضَمَّنُ جَنَّاتٍ." نُزُلًا" أَيْ ضِيَافَةً. وَالنُّزُلُ: مَا يُهَيَّأُ لِلنَّازِلِ وَالضَّيْفِ.
  {جنات المأوى} أي الجنات المختصة دون الدنيا التي هي دار ممر، دون النار التي هي دار مفر لا مقر، بتأهلها للمأوى الكامل في هذا الوصف بما أشار إليه ب «ال» ثابتون فيها لا يبغون عنها حولاً، كما تبؤوا الإيمان الذي هو أهل للإقامة فلم يبغوا به بدلاً.
فإذا كانت هذه الجنات نزلاً فما ظنك بما بعد ذلك!
وأضيفتْ الجنَّةُ إلى المَأْوى لأنَّها المأوى الحقيقيُّ وإنَّما الدُّنيا منزلٌ مرتحلٌ عنه لا محالةَ.
قُرن لفظ الإيمان بالعمل الصالح في القرآن خمسين مرة، في إشارة ودلالة لأهمية الأعمال لا مجرد فقط الإيمان المجرد بالقلب واللسان، فلابد من أعمال صالحة تصدق حقيقة الإيمان، وكما يقول الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال.
وأصل النزل: ما يعد للضيف من الطعام والشراب والمبيت، ثم أطلق على كل عطاء.
والنزُل هو المكان المعَدّ لينزل فيه الضيف الطارئ عليك؛ لذلك يسمون الفندق (نُزُل) ، فإذا كانت الفنادق الفاخرة التي نراها الآن ما أعَدَّه البشر للبشر، فما بالك بما أعدَّهُ ربُّ البشر لعباده الصالحين؟
أضيفت الجنة إلى المأوى، لأنها المأوى الحقيقي، وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، ولذلك سميت قنطرة، لأنها معبر للآخرة لا مقر.
{بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فأعمالهم التي تفضل الله بها عليهم، هي التي أوصلتهم لتلك المنازل الغالية العالية، التي لا يمكن التوصل إليها ببذل الأموال، ولا بالجنود والخدم، ولا بالأولاد، بل ولا بالنفوس والأرواح، ولا يتقرب إليها بشيء أصلا سوى الإيمان والعمل الصالح.
من هداية الآية:
الإيمان أصل سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة وجماعها التقوى، كما قال الحطيئة:
و لست أرى السعادة جمع مال * و لكن التقي هو السعيد
فتقوى الله خير الزاد ذخراً * وعند الله للأتقى مزيد
و ما لا بد أن يأتي قريب * و لكن الذي يمضي بعيد
أهمية الأعمال الصالحة مع الإيمان، ولا يكفي مجرد ادعاء الإيمان والصلاح دون عمل.
أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة دار الإقامة الأبدية.
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.
قال أحد الزهاد: لو كانت الدنيا ذهبا يفنى، والآخرة خزفا يبقى، لآثر العاقل خزفا يبقى، على ذهب يفنى، فكيف والدنيا أقل من خزف والآخرة أكثر من ذهب!!
قال عيسى عليه السلام: الدنيا قنطرة اعبروها ولا تعمروها.
ولله در امرأة فرعون آسيا بنت مزاحم رضي الله عنها ما أعقلها، عندما طلقت الدنيا وما فيها من القصور والدور ومتاع الغرور، والتجأت لله العزيز الغفور، حتى" إن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها و رجليها، فكان إذا تفرقوا عنها ظللتها الملائكة، فقالت:( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة و نجني من فرعون و عمله و نجني من القوم الظالمين ) فكشف لها عن بيتها في الجنة.
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

19- رمضان-1435هـ